مَن منَا مات في غرفة الآخر ؟

تلك الأنوار

2020-01-17

كانت ليلة صعبة، أنا ومياكوفسكي ظللنا متيقّظين حتّى بداية الفجر، الرابعة صباحا تحديدا، كان المنزل فارغا حسب علمي، ولا أدري أيّ منزل كنّا فيه، منزلي أم منزله، زمني أم زمنه ؟ جمعنا الزمكان على حين غرّة، أنا فقط رفعت رأسي ورأيته وتابعنا يقظتنا بلا كلام، كنت أبكي كما أذكر قبل أن أراه وقبل أن أتعجّب أكثر!

فالغرفة منقسمة إلى نصفين، نصفه حيث أريكته التّي انتحر عليها ومن خلفها الحائط الفارغ من أي شيء، ونصف غرفتي حيث مكتبي بجانبي اللّوح وصور فوتوغرافيّة ملصوقة على الحائط، أمامي السرير بمحاذاته نافذة مفتوحة!

أنظر إليه ممسكا وريقات وسيجارة، متعبا كما يبدو، أسأله بلغتي العربيّة: فلاديمير ؟.. ثم بعد أن أجيل النظر أتابع: أين نحن ؟ موسكو أم عمّان، عام 2018 أم 1930، لم يجب كان منهمكا على الأريكة يكتب على ورقة بعجلة وسرعة قلقة، فلاديمير مرّة أخرى، لا يجيب، يرفع رأسه فجأة بوجهه المتعب الحزين، ملامح شابة حزينة، مستغربا نظر إليّ، بتردّد يقول لي بانجليزيّة مطبوعة بلكنة روسيّة:

- hey there

لست على درجة كافية من الإلمام بهذه اللّغة – أيّ الانجليزيّة -، لكنّي أجدها لغة وسيطة بيننا لأحاوره بها، أنا خلف مكتبي أجلس و هو في الطرف الآخر، أتمعّن سقف الغرفة وأهمس في ذهني: غريب هذا البياض المتمايز في درجته، للحظة أشعر بقلق، وبخوف من الحركة، بعد هذا أقول بهدوء خائف: (طبعا بالانجليزيّة)

-هل نحن حقيقيّان ؟

يرفع رأسه ثانية ببطء وينظر باتجاهي نظرة مأسآوية مندهشة ليقول لي:

- لا أعرف، أنت تبدين كأنك جئت من المستقبل، أنا لم أرَ أحدا يشبه تفاصيلك، حقّا لا أعرف، أظنك فعلا جئت من المستقبل!

كان يحدّق بي بتركيز أثناء توجيهه حديثه إليّ، لا أعرف كيف فجأة صرنا معا في هذه الغرفة الغريبة التي يتقاسمها خليط زمكاني أغرب، أفكر بهذا وأسمعه يقاطع تفكيري سائلا بتردد:

- ماا .. ما اسمك ؟

أنظر له، وأجيب: نور، ماي نيم از نور، أعاود التفكير كيف صرت هنا، كيف تداخل عالمان بعيدان جدا زمنا ومكانا وحتّى نسقا ثقافيا، يخفق قلبي، أسأله بحذر:

- ماذا كتبت ؟

وأشير إلى الورقة المهملة المحاذية له على الأرض، يتلعثم، تضطرب حركته وينزلق المسدّس، يرتبك و الأشياء تتساقط منه، ينحني ويلتقط الورقة، للحظة يعلو صوت أعمال البناء المنبعث من اتجاه نافذتي، يلتفت بسرعة خائفا سائلا ايايّ: ما هذه الأصوات الغريبة ؟ لكنّي بعد أن لمحتُ المسدّس، أنسى أمر الورقة وأسأله بارتباك أنا أيضا متجاهلة ذعره من الأصوات الخارجيّة:

- هل تريد قتل نفسك ؟

ماياكوفسكي يتجاهل سؤالي هو الآخر، لينظر باستغراب باتجاه اللوح المحاذي لي، محاولا فهم الكتابات العشوائية المكتوبة، يبتسم بخبث و يسألني:

- هل أنت من العالم العربيّ ؟

أتلعثم وأجيب أنّ نعم، يبتسم بسخرية ثم يتابع بثقة:

- نور، أنا ميّت أصلا، حتّى انت، أنظري إلى رقبتك !

أتخبط في مكاني، يدي اليسرى تسقط الكأس الذي على المكتب، يتابع حركته ويفتح الورقة التي كنت قد سالته عنها، يفتحها ينظر باستغراب ثم يلقيها إليّ بصمت وثقة ساخرتين، هذا الرجل حاد حقّا، ألتقطها بعد أن حطت على سطح المكتب، كُتب على الورقة بلغة عربيّة:

فكركم ..

الحالم المتراخي على دماغكم الطريّ

كخادم آخذ بالترهّل مستنداً على متكأ متّسخ

سأثيره بمزقة القلب الدّامية

متهكّما منكم حتى الشبع

انا السّليط الجارح ..

أقرأ بسرعة هذه الكلمات المترجمة المنسوبة إليه، وأصرخ فيه بعد إحساسي بانتفاض جسدي بشكل غاضب:

- لا أنا لست مثلك، الماضي يأتِ الى المستقبل، لا العكس، نحن نستدعي الماضي إذا أردنا، انا على قيد الحياة ..

يضحك بقذارة ثم يقول بثقة:

- ثم نصبح متخلّفين، متخلّفون بنظرة عصريّة وها نحن انا وأنت نتشارك هذه الغرفة الغريبة، يقول ذلك بعد أن يجيل نظره في أنحاء الغرفة ..

أبقى مكاني بوضعيّة متسمّرة، بينما هو يرخي نفسه على الأريكة بوضعية المنتحر على صدره بقعة دم، هل كان عليّ قتل نفسي لأتخلص من سجني ؟ ارتخي أنا أيضا على الكرسيّ، بينما أصوات مذعورة تهجم على المكان وتتداخل بلغات مختلفة، هل هو صوت أختي وقد عادت من العمل وأخوتي وقد رأوني برأس متدلٍ بعد أن شنقتني بالحزام، أم أصوات المواطنين والجنود الرّوس وقد كشفوا انتحار ماياكوفسكي بذاك المسدس !

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد