ناي نوبي حزين

تلك الأنوار

2020-01-17

في الطريق، نظر عبد الحفيظ بوجهه الشاحب نحو صفحة السماء الغائرة، تملأها النجوم كدليل صحراءٍ لطريق الخروج من بلدته العتيقة.. بلدة النكبات المتتالية منذ عهد الآباء والأجداد.. ودع القابعين على تراب البلدة، ممن رفضوا الاستسلام لسطوة السلطة بمدافعها وبنادقها، أو أولئك الذين نجوا من التهجير لُسكناهم في البر الشرقي من النهر.. وداعٌ حار كأنه لن يرهم مجددًا.. ربما هو وداع الأرض بشكلها المألوف وبيوتها الآثرة أو وداع ذكريات حُفرت في ذاكرته من أجل مولد جديد له ولزوجته وأبنائه الثلاثة عابدين ودهب ونبرة.. عبد الحفيظ نفسه لا يعرف، ربما كل هذا..

كأب مصري بسيط يملك تجارة بسيطة، عاش عبد الحفيظ في النوبة، وجهٌ دائري تكسوه ابتسامةً خجولةً ورأس أصلع مغطى بـ"عمامةٍ" تحميه من تصبب العرق في تلك البقة الحارة من جنوب الوادي مصر.. عيونه جاحظة وشفتاه متشققتان من حال بائس يتجدد، ومن مستقبل غامض لا يدرك ما ينتظره فيه.. أسمر أبنوسي كحال أهل النوبة جميعهم، ذا أنف مدبب خط أسفله شاربٌ متهدل..

أب لأطفال ثلاثة لم يكمل أكبرهم سنًا عامه السابع.. ومواطن مُسالم، يعاني للإحكام على قدر الحب المتسلل من قلبه بعيدًا عن شريان الوطن..

الوطن.. كلمة جوفاء رددها مرات من قبل.. في مناسبات نادرة لا يتذكرها.. لغرض ما أو مصلحة يعلم أنها لن تتم إلا بالتودد والنفاق، مصارعًا نفسه الأبية وضميره الجامح الرافض للاستتار خلف وطأة الظروف..

في الأثناء، النحيب يسيطر على زوجته سمية، ترثي حياتها الكاملة التي بدأت في الاندثار والموت، لتضحى مجرد ذكرى وخيال عابر في رأسها الذي خط الشيب فيه قبل أوانه.. أشبه بهيكل عظمي ممرمغ في التراب داخل قبر مظلم وقاتم.. تخشى هذا، وتخشى ما هو قادم.. مثل زوجها تمامًا.. حزينة في وداعها الأهل والجدران والشوارع والنيل المتدفق.. في وداع منزلها الساحر ذي القبة العالية، وبستانها الأخضر المترامية أطرافه..

كانت سمية شابة في أواخر العشرينيات، خمرية الوجه، ذات عينين عسليتين تحرسهما رموش سوداء، ووجه تفنن الإله في رسمه ونحته، فخديها مكورين كثمرة تفاح.. تزينهما نغزتين غائرتين فيزدادا احمرارًا كلما مالت الشمس عليهما وكلما خجلت هي فتوارت وراء ضحكة صامتة وعينين بريئتين.. قصيرة وممتلئة حتى إن عنقها يشرئب في كل مرة تنظر فيها لعبد الحفيظ.. جرجارها الأسود الشفاف المصنوع من الدانتيلا يحجب تقسيمات جسدها، فأكمامه الطويلة الواسعة ذات النهايات المكشكشة تخفي جمال ذراعيها ولمعانهما البرونزي، وأطرافه المترامية للأسفل تخفي آثار قدميها عند المسير.. على رأسها طرحة زاهية الألوان طولها مترين تتشبث بالجرجار لتغطي شعرها الأسود المتسكع وكتفيها العريضين وصدرها المكتنز..

كثيرًا ما ارتدت سمية الجرجار وسارت عند ضفاف النيل مزهوة، يغرق الكحل عينيها فكأنها من الحور الحين، حتى علمت ذات يوم من أمها سر الجرجار الذي صمم على هذا الشكل قديمًا لمسح آثار أقدام المرأة أثناء سيرها فلا يتبعها أحد.. هجرته حينًا بعدما ظنته يخجل من جمالها فيخفيه، حتى إذا تزوجت عبد الحفيظ كان لزامًا عليها العودة لارتدائه مرة أخرى..

عبد الحفيظ حبيس ذكرياته المؤلمة، وسمية في نحيبها غارقة.. أما الأبناء الثلاثة فانبروا يودعون أصدقائهم بأحضانٍ طفوليةٍ بريئة وهم يتبادلون قصاصات ورق دوّن فيها كل واحد منهم معنى الحب والسلام برسوم وشخبطات، فاضت بالعناق والتلويح بالأيدي من قريب ومن بعيد..

كان عابدين أكبر أبناء عبد الحفيظ وسمية.. صاحب 7 أعوام، نحيل وشعره خشن، ذو وجه صارم وساقان نحيفان كساقي أبي قردان.. دهب ابنهم الأوسط، عمره خمسة أعوام.. فصيح ومشاكس، كثير الندبات في وجهه وذراعيه من كثرة السقوط و"التعترة" لشدة شقاوته، أما نبرة فكانت أصغرهم سنًا، لم تتجاوز عامها الثالث، وجهها حلو القسمات، ولها "قُطتين" في جانبي رأسها المدور، تلعب وتلهو بيدين لطخهما طين الأرض الغالية..

***

وتحت قبة خضراء يمسحها النوبيون والنوبيات بأيديهم ويقبلونها.. قبع ولي الله الشيخ شبيكة.. ينير ببركته جبل الدر الذى يؤمه النوبيون من آخر الحدود فى المناسبات الدينية وطهور الأبناء، يوكلونه ليطلب من الله أن يرزقهم أو يشفى مريضًا أو يساعد طالبًا على النجاح.. يقسمون به ولا يحنثون، سنوات طويلة ترجع إلى ما قبل الميلاد والبركة تحل على بلدة الدر المدفون فى جبلها هذا الولى الطاهر الشيخ شبيكة.. كان لزامًا على سمية أن تذهب إليه متضرعة، تدعوه أن يحول الله بين تهجيرهم، وأن يبدل أمرًا كان مفعولًا، لكن ما لم تكن سمية تعلمه ولا النوبيون أقرانها أن الشيخ شبيكة لم يكن وليًا ولا طاهرًا ولا يحزنون! بل هو الملك شبيكة الذى تولى عرش النوبة بعد "بعنخى" أحد ملوك مملكة كوش وكان وثنيًا وورّث العرش لابنه من بعده!..

عادت سمية، وتجهز الركب تمامًا.. لا شئ يعطله أو يؤجله.. وحيلُ عبد الحفيظ انتهت.. يسأل هذا عن الصناديق الخشبية التي ورثها عن والده فيردّون عليه أنها في موضعها.. يصمت ويتلفت ويتمتم بداخله بصوت هامس.. لعلهم نسوا شيئًا مهمًا.. يجب أن نتأكد ونتمم على كل شئ.. الزوجة وبقية المغادرين عيونهم محدقة فيه.. يعلمون الغصة التي تعتصر قلبه وقلوبهم أجمعين.. ولكن لا حل ولا عقد.. قُضي الأمر باستفتاءٍ أحاديٍ سلطويٍ عالٍ لا يفقه معاني العيش والانتماء لقطعة أرض هي الحياة بالنسبة لأهلها.. صخرة كانت أو غديرًا أخضر مترامية أطرافه.. هي النبض الحقيقي لقلوبهم التي لم تسع يومًا سوى للعيش الكريم الهادئ..

هُجّر عبد الحفيظ وعائلات النوبة على أمل العودة.. مثلهم كمثل لاجيء فلسطيني هائم في شتات الأرض.. تتقاذفه الدنيا هنا وهناك، مليء بالخوف على أمله الكبير من أن يندثر أسفل منضدة الساسة الإسرائيليين، أو يُلقى عليه حجر أساس لمستوطنة جديدة تُجهز عليه تمامًا!..

أه يا عبد الحفيظ.. هل هناك أمل حقيقي أم هو أملٌ زائفٌ ارتكن على وعدٍ زائفٍ من رئيس الدولة بأن تهجيرهم مؤقت لحين استقرار منسوب المياه ببحيرة السد.. السد العالي الحاجز الحاجب لحياة سُمر النوبة وأبنائهم..

في الطريق.. ارتفعت قصص وآلام الماضي إلى رأس عبد الحفيظ.. حوادث النوبة المفجعة التي رواها لهم شيوخهم وعايشها بعضهم وهم صغارًا، منذ هُجّر أجداده بقرار والي مصر عام 1899 لإنشاء خزان أسوان الذي ارتفع معه منسوب المياه حوالى 20 مترًا لتُغمر أراضيهم الزراعية في العام 1902.. هذا العام وعامي 1912 و1933 عندما حدثت التعلية الأولى والثانية لخزان أسوان وارتفع منسوب المياه، ليغرق قرى قورتة والعلاقي والسيالة والمحرقة والمضيق والسبوع ووادي العرب وشاترمة، والمالكي وكروسكو والريقة وأبو حنضل والديوان والدر وتوماس وعافية وقتة وأبريم، هي أعوام محفورة في ذاكرته، يتذكرها كيوم مولده، وكم تمنى أن تكون هذه الأعوام الفارقة مدخل بهجة وراحة للقلب.. هي أحلامه وأمانيه.. لم يكن يعلم أن حضارة النوبة الضاربة بآثارها في عمق التاريخ قامت وانقضت، وأن ما يعيشه وأبناءه وهذا الجيل النوبي هو مجرد هامش على تلك الحضارة.. هامش مليء بالشخابيط الموتورة التي لا تقدم شيئًا لتلك الحضارة ولا تقدر على الحفاظ عليها حتى..

ابتسامة أسى تعلو وجهه.. عندما فتح دفتر التاريخ ليمزجه مع الحاضر ويضيف تاريخًا جديدًا من النكبات.. 1963.. حيث الهجرة المحددة إلى هضبة كوم أمبو، لإفساح حيز لسدٍ عالٍ يجاور الخزان ويشهدان معًا على هزيمة النوبيين في معركةٍ غير متكافئة.

في الطريق إلى هضبة كوم أمبو المجهولة لهم.. يسيرون كالقطيع، الرجال والنساء والأطفال والطاعنون في السن، والأغنام والأبقار والطيور، يجرون أقدامهم، بصعوبة..

لم يُرح عبد الحفيظ عقله المنهك من التفكير والتحسر على واقعه الأليم، تذكر كلمات الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه لهم قبل أشهر ليطمأنهم حين قال:

"حينما نبحث السد العالى الذى ستغرق مياهه بعض أجزاءٍ أو أجزاء كبيرة من بلادكم، فإننا ننظر إلى مستقبلكم أيضاً لا على أساس تشتيت أبناء النوبة فى كل مكان؛ لأن لكم التاريخ الطويل.. التاريخ المجيد الذى تشهد عليه هذه الآثار التى سنزورها اليوم، والتى عشتم بقربها آلاف السنين، ولكنا سنعمل أيضاً على جمع شملكم جميعاً، كما كان هذا الشمل يجتمع فى هذه المنطقة طوال السنين الماضية أو على مر آلاف السنين، وستكون هذه فرصة لكم للاشتراك أيضاً فى النهضة الصناعية التى نسير فيها اليوم، فلن يكون العمل مقتصرًا على الزراعة، ولكن سيكون العمل مقتصر على الزراعة والصناعة، وأرجو – أيها الإخوة المواطنون – ألا تشعروا بأى قلق بالنسبة للمستقبل، وأنا أشعر أن المستقبل سيكون – بإذن الله - مستقبل كريم عزيز بالنسبة لكم جميعاً".

حين وطأت قدماه أرض كوم أمبو، أدرك عبد الحفيظ أي مستقبل ذلك الذي تحدث عنه عبد الناصر، وعلم أن النهضة قادمة لكن من الباب الخلفي لحضارتهم المندثرة المتآكلة.. حاول آلا يشعر بالقلق عملًا بنصيحة الرئيس، لكن القلق أضحى مكونًا بداخله كروحه المكلومة.. انقشعت الغمامة الكاذبة وبات الأمر جليًا في كوم أمبو.. الشتات مصيره ومن معه حتى في موطنهم الجديد المُجّهز في صحراء كوم أمبو‏..‏

احتلت النوبة قبل بناء السد العالى نحو 300 ميل ما بين أسوان والسودان ووادى حلفا، وزخرت بالعديد من المجموعات اللغوية النوعية فقد عاش ما بين أسوان وسيبو متحدثو اللغة "الكنزية" وأطلق عليهم الكنوز، وبين سيبو وكرسكو عاشت مجموعة من النوبيين يتحدثون "العربية" بلهجة خاصة وأطلق عليهم عرب العقيلات وهم مجموعات عربية نزحت من شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر واستقرت بإقليم النوبة في خمس قرى، وبين كرسكو ووادى حلفا عاش متحدثو لغة "ماهاس" وأطلق عليهم "الفاديكا" أو الفاديجا..

عاشت القبائل النوبية على مر السنين تحفظ العهد مع النيل، أما هو فقد خانهم مرات ونقض عهده.. وها هو ذا يذفر ذفرته الأخيرة ليطردهم إلى الصحراء الشاسعة بعيدًا عنه وعن جنانهم الخضراء..

كانت كوم أمبو جاهزة لاستقبال سكانها الجدد.. ممهدة لهم ومجهزة من وجهة نظر الدولة.. فالشوارع الرئيسية مرصوفة.. البيوت ليست مثل بيوت النوبة، بل هي قبور ساكنة لا روح فيها.. بيوت من دور واحد بقبة جوفاء لا تعرف معنى الحياة.. بيوت لن تعوض أهل النوبة عن قراهم الغارقة الآن تحت مياه السد..

تراءت أمام أعين عبد الحفيظ وزوجته بيوتهم الأصلية.. لم تكن بالنسبة لهم مجرد جدران للإيواء، بل كانت لهم المعنى المجرد للحياة، فالبيوت تطل على النهر العظيم، وفناؤها مكشوف إلى السماء، جدرانها ملونة، أبوابها خشبية تعلوها "شُرّاعة" لتسهيل دخول الهواء، أمامها مصاطب من الطوب اللبن، وفي الداخل غرف للنوم وللضيوف وحظيرة مستقلة للمواشي والطيور.. هكذا كان بيتهم وهكذا كانت البيوت جميعها.. تتباعد فيما بينها لانخفاض الأرض وتدرج الصخر، فترسم لوحة راقصة على أنغام نايٍ نوبيٍ حزينٍ.. أما البيوت فى المهجر فقد بُنيت متلاصقة ضيقة وحُشروا فيها حشرًا.. بيوت تزيد شتات النوبيين.. شتاتهم الروحي المفجع..

تلك كانت مشاعر عبد الحفيظ وزوجته وأبنائه.. انقبضت قلوبهم بعدما دلفوا داخل منزلهم الجديد.. شعروا بالاختناق الكامل.. زاغت أبصارهم بحثًا عن ملمح ولو بسيط يغمسهم في وهم مخدر ويُذكّرهم لو كذبًا ببيتهم المهجور الغارق.. أين الزينة والزخارف؟ أين الألوان الزاهية..؟ تلك الحوائط الصماء أبدًا لن تغنيهم عن بيوتهم الطينية اللبنة، وهذا السطح المصبوب صبًا ليحجب عنهم أشعة الشمس التي اعتادت التسلل من بين عيدان الخوص المتراصة والمتناسقة في صفوف مرتبة والتي غطت منزلهم القديم.. هي زنزانة إذن وليست بيتًا.. فالبيت هو البيات والراحة.. هو الدفء والطمأنينة وهو المغزى في حياة الشتات..

أين ألقى بنا هؤلاء القوم..؟ وما المصير الذي ينتظرنا هنا..؟ هو الموت البطئ قطعًا.. كل تلك التساؤلات تدور بمخيلة عبد الحفيظ وزوجته.. في لحظة فارقة من عمر حياتهما معًا..

لم تكن حاجياته من آثاث وثياب وأواني الطهي قد استقرت في المنزل الجديد، عندما صاح بنبرة موجوعة خانقة أفزعت أولاده وأثارت انتباه زوجته:

- لن نبقى هنا يومًا واحدًا

ألقى كلمته كمن يلقي حجرًا في نهر راكدةٌ مياهه..

باغتته سمية قبل أن يزيد من الكلام رطلًا:

- ماذا تقول..؟

- أقول إننا لن نسكن هنا ولو لدقيقة واحدة.. إن كانوا يريدوننا موتى أو هكذا يأملون بإلقائنا في تلك البؤرة العفنة القبيحة فلن أمنحهم مُرادهم..

سمية بصيغة استنكار:

- وأين سنذهب إذن..؟

- إلى أسيوط

قالها بلغته النوبية.. ثم صمت وارتكن بظهره على الحائط.. وساد الصمت حينًا.. لم يكسره إلى صياح في الخارج..

***

في الأثناء، لم يكد جمال أن يرتاح من عناء الرحلة، حتى باغتت زوجته ساعة الولادة.. دهيبة تصرخ وتتأوه من آلام المخاض.. متشبسة بجلباب جمال وضاغطة بأسنانها على طرف ثيابه.. لحظات وجاءتها جدتها وأمها ونفر من النساء قريباتها، تركها جمال داخل إحدى حجرات المنزل والدموع تغرق عينيه.. دموع الفرح والوجع منهمرة على خديه كأنها كريستالات متلألأة.. وقف في الخارج مطرق السمع لصرخات دهيبة، في انتظار صرخة مولوده..

جاءه عبد الحفيظ مهرولًا وكذا جاء أقارب جمال وأصحابه، وقفوا أمام المنزل تحت سماء كوم أمبو.. كانت ليلة ظلماء، انطفأت فيها النجوم، وتوارى القمر خلف رمادها المبعثر، فبدا الظلام كالحًا أكثر مما هو.. أخرج جمال من جيب جلبابه علبة من الصاج اصطفت داخلها وريقات البفرة وتكومت بجانبها كتل التبغ، وفوقها خمس سجائر ملفوفة كان جمال قد لفّهم في طريق الخروج، قبض على السجائر بيد مرتعشة وناولها لعبد الحفيظ والآخرين، أشعلوها معا فبدا لهيبها كفنار أحمر في بحر من الظلام الأسود.. لم يتسامروا كعادتهم، ليس بسبب ولادة دهيبة، لكن بسبب غُربتهم المرهقة.. يزفرون الدخان في صمت فتتعالى خيوطه وتتشابك حتى تتلاشى في خزائن الليل الطويل..

في الداخل كانت صرخات دهيبة تتعالى، تنادي جمال حينًا، وتناجي ربها حينًا.. ولادتها متعثرة.. قالت أمها.. ثم شاحت بوجهها المكفهر فمسحت دمعًا بطرف منديلها..

شدي حيلك يا بنتي.. ساعدي نفسك وساعدي ابنك.. تلك كانت كلمات جدتها العجوز التي جلست فتربعت إلى جوار دهيبة، تمسح لها قطرات العرق كل برهة، وتمد لها يدها كي تتعضد بها..

مرت أكثر من ساعتين ولايزال الحال كما هو.. جمال لف سيجارة أخرى وزفرها في نفس واحد.. نفس محروق ملتهب خائف وحائر..

مرت ساعة ثالثة، حينما ارتفعت إلى أذنه صرخات الأم ونحيب الجدة والنساء اللواتي امتلأ بهن المنزل.. خب إلى الداخل حتى وقف بين يدي دهيبة.. ملقاة على ملاءة افترشت أرض الحجرة الغبراء.. العرق تفصد من مسام جسدها فالتصقت به أطراف شعرها المسترسل حاجبةً عيناها المغمضتين.. جلبابها الأبيض تلطخ بنهر دماء نزفته مع جنينها الذي اختنق داخلها ليرحلا معًا بعيدًا جدًا عن كوم أمبو.. إلى عالم آخر لن تغمر أنهاره منزلهم..

جمال ضم زوجته إلى صدره بقوة.. يبكي كطفل صغير ثم ما يلبث أن يصرخ ويعوي كذئب في البرية.. رنّت فترة صمت كبيرة وجمال على حاله، حتى انتصف الليل، لم يعد هناك بدُ لدى القوم المجتمعون في الخارج إلا أن يبعدوه عن دهيبة بالقوة من أجل تغسيلها وتكفينها..

شد حيلك يا جمال.. البقاء لله.. لله ما أعطى ولله ما أخذ.. البقية في حياتك.. كل نفس ذائقة الموت، وما الحياة الدنيا إلا كجناح بعوضة.. كلمات متداخلة مرتبة ومنمقة.. محفوظة على ألسنة قائليها.. في كل عزاء وكل مأتم.. كلمات مريحة لأصحابها، سهلة وتمنحهم قدرًا عجيبًا على الصبر، على النسيان، على مواصلة العمل والأمل في نهار يوم جديد.. لكنها أبدًا لم تكن لتؤتي ثمارها مع جمال الغارق في بحور الحزن والألم..

***

في مساء ليلة أخرى اختنق فيها القمر، انزوت سمية وحيدة في ركن من أركان بيتها الجديد الموحش.. بوجهها الذابل وجبينها المتقطب وساعدها الذي أرخت عليه خدها حتى توهج لدنوه من اللمبة السّهاري، غاصت في بحر من الصمت والحنين إلى الماضي.. تذكرت تلك الليلة قبل ثماني سنوات.. في الخلاء ولهيب الصيف الغائظ يعصف برؤس الرجال والعرق تكوم تحت طُرح النساء فكّون سحابة تنتظر الإذن بأن تمطر.. كانت ليلة زفافها على عبد الحفيظ..

قبل تلك الليلة بأسبوع، تجمع أقارب عبد الحفيظ وأصدقاؤه عنده في منزلهم، ثم انطلقوا جميعهم ما عدا عبد الحفيظ، إلى منزل سمية.. لم يكن عبد الحفيظ قد رآها بعد، فكما جرت العادة في النوبة بألا يرى العريس عروسه إلا قبل يوم من الزفاف.. في "مندرة" المنزل جلس أعيان القبيلتين على دكك خشبية التصقت بالجدران ووضعت عليها مراتب من "ليف النخيل" غطاها كليم قطني أبيض..

- جئنا نطلب معروفًا.. جئنا نطلب يد ابنتك سمية لابننا عبد الحفيظ..

قالها والد عبد الحفيظ بصوت جهوري مفعم بالسعادة مادًا يده لوكيل العروس، الذي بدوره رد بما لا يقل حيوية أو بهجة:

- يشرفنا هذا، البنت بنتكم والولد ولدنا

تبادل الجالسون التبريكات، وقرأوا الفاتحة، ثم جيء لهم بمائدة الطعام، أكلوا وشبعوا ودخنوا سجائرهم الملفوفة، ثم غادروا بعدما اتفقوا على إتمام الحنّة والزفاف يومي الأربعاء الخميس..

في اليوم التالي، طاف عبد الحفيظ وأصدقاؤه بأهل البلدة، دعوا الجميع لحضور الفرح، أما سمية فقد كانت في غرفتها ترقص وتغني مع رفيقاتها اللواتي أحضرن دُفًا صُنع سطحه من جلد الماعز.. جرت أيام سمية وعبد الحفيظ في سعادة غامرة، حتى جيء يوم الحنة، صعدت إليها جدتها سكينة، وهي امرأة سبعينية نحيفة لم تهزمها عقود الحياة أو تثبط من عنفوانها، حاملة "انجرين" من النحاس اللامع تحيط الشموع جوانبه وبداخله حنة العروس..

على أرضية الغرفة، بُسط "إحرام" صنعته أم سمية من قصاصات الملابس القديمة، وجلست العروس رافعة ساقيها بعدما باعدت بينهما، حولها صديقاتها بزغاريدهن التي لا تنقطع، وأمامها استوت جدتها على الأرض تقبض على الحناء بأصابعها وتخضب بها كفي سمية وكعب قدمها فتزينها بقلوب وورود..

وما أن انتهت الجدة من حنة العروس وتبخيرها بالصندل والمسك والعطور لترقيها من الحسد والسحر، حتى سارعت صديقاتها لوضع الحنة هن أيضًا، ثم قرص العروس في ركبتها عملًا بالمثل المصري القديم "اقرصيها في ركبتها تحصليها في جُمعتها"..

وأمام سرادق الفرح الممتد بطول شارع عبد الحفيظ، جلس على مصطبة أمام منزلهم وحوله الأصدقاء والأقارب وأهل البلدة الذين جاءوا ليباركوا له، صفين متقابلين، وأمامهم أكواب الشاي والقهوة، والنرجيلة تتصاعد منها سحب الأدخنة..

بجوار عبد الحفيظ صحنٌ أبيضٌ كبيرٌ مغطى بـ"بشكير" أبيض أيضًا، يجلس خلفه شقيق العريس، وعلى يمينه ويساره شابين أسمرين مفتولي العضلات، أحدهما يقبض على سيف في يده، والآخر يلوح بكرباج سوداني، كلما اقترب الأطفال من "الصحن"..

إنه صحن "النقوط"، وهو الإناء الذي تتجمع فيه "نقطة العريس"، ففي تلك الليلة يجيء الأهل والأصدقاء لمنح العريس النقطة كما هي العادات والتقاليد، ثم ينادي شقيق العريس الرابض خلف الصحن "خلف الله عليك يا عريس فلان الفلان ينقط العريس 2000 كيس خلف الله عليك يا عريس"، وهكذا حتى الساعات الأولى من صباح يوم الزفاف..

وقبيل ظهر يوم الزفاف، جلست النساء في منزل العروسين، قمن بطحن 100 كيلوجرام من الدقيق على حجر الرحى، من أجل إعداد الخبز الساخن والشعرية اللذان سيأكلهما المعازيم في المساء مع السمن واللبن.. أما صديقات العروس، فحملن فوق رؤوسهن السلال والأطباق الملونة والحصائر الملفوفة والمرايا والأواني المعلقة "الشالوب" والصور وأحجبة العين الحسود من منزل العروس إلى حجرة عريسها التي صبغ جدرانها اللون الأحمر..

لم تكد سمية ترتدي فستان زفافها حتى شعرت بنكزة في ذراعها، استيقظت من غفوتها لتجد عبد الحفيظ واقف إلى جوارها بوجهه الأبنوسي.. اطمأن إلى استيقاظها ثم همس في أذنيها أن حان وقت الرحيل..

لم تحرك ساكنًا.. لثوانٍ تسمرت في جلستها بجانب اللمبة السهاري التي احترقت شرائطها تمامًا.. تتمنى لو تعود بها الأيام إلى ما كانت عليها قبل سنوات وتحديدًا ليلة زفافها.. فتاة ناضرة عامرة بالحب والشباب والأنوثة..

*** 275

بعد أذان الفجر، وفوق عربة خشبية ذات عجلتين من الكاوتشوك يجرها حمارٌ أبيض، جلس عبد الحفيظ وزوجته وأبناؤه يرافقهم أثاث منزلهما المتواضع وحقائب بالية حوت ثيابهم.. لهث الحمار وهو يضرب بحوافره في رمل الصحراء الشاسعة.. أما عبد الحفيظ فألقى نظرة أخيرة على كوم أمبو.. رآها فيها كما رآها أول مرة.. مدينة للأشباح.. وقبل أن يشيح ببصره، لمح جمال وقد ارتكن إلى قبر دهيبة.. شاب عجوز يائس.. ميت ومحسوب على الأحياء.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد