الليلة ولدت ابنتي الأولى

تلك الأنوار

2020-01-17

حملتُها بين يديّ ..بجسمها الصغير ذاك .. ، كنتُ خائفًا في البداية أن تكون يديّ الخشنة.. قاسيةً جدّا على جسدها الهشّ ... ، تأمّلتُهاا لساعاتٍ ... صوت بكائها.. الذي تخيّلته سيكون مزعجًا ... بدى كأنّه موسيقى ... ، كُلّها ..بدت رائعةً .. كأنّها معزوفةٌ لبيتهوفن ... ، مثلكِ تمامًا ، هي ظريفةٌ بشكلٍ غريب جدّا ..لدرجة جعلتني أعتقد انّ الربّ خلق ملاكًا على شكلكِ أنت ِ .. ، تمنّيتُ لو كنتِ هنا بجانبي الآن..تمنّيتُ أن أراكِ تداعبين أنفها الصغير ..، هو ظريفٌ كأنفك....، و حتّى فُمها الذي لا يكادُ يظهر ... يشبه فَمكِ.... ، كلّما نظرتُ داخل عينيها اللتّان لم تفتحَهما كلّيا بعد .. أشعرُ أنّها تحملُ جزءًا ٌ من روحكِ..، ....أعرف أنّه من المستحيل أن تبتسم في يومها الأول من الحياة ..و لكنّني أكاد أقسمُ أنّها تبتسم ... إبتسامةً مثل إبتسامتكِ ... سمّيتُها ..ميسان .. كما إتّفقنا أن يكون إسم إبنتنا تمامًا ... ، كي أناديها كلّ مرّة ..و أنا أذكر جيّدًا ... أنّنا وقفنا ذات يومٍ في ما مضى ..و تحدّثنا عن هذه الليلة.. التّي كان من المُفترض أن نكون فيها معًا.. و لكنّنا ...و للأسف لم نفعل .. أنا سعيد جدّا هذه الليلة ..لأنّني أرى جزءا منّي يولدُ ...و لكنّ فرحتي لن تكتمل ما دمتِ لستِ هنا ... ، أذكرُ أنّني كنتُ أخبركِ مرارًا .. أنّ سعادتي لن تكتمل إلاّ بكِ ... ، و ها هي لا تكتمل ... لا أعرف لما تركتني هنا وحيدًا... مع زوجةٍ لا أعلم عنها شيئًا سوى أنّها تجيد الطبخ أكثر منكِ... و أنّها تنصاع لأوامري دائمًا ...و ذلك حقّا ما يزعجني و يجعلني اشعر بالملل نوعا ما...ذلك حقّا ما يجعلني أفكّر فيكِ بين الحين و الآخر ..و يقودني إلى ركنٍ منزوٍ في ذاكرتي المظلمة.. ركنٌ أشتاقُ فيه.. إلى عنادكِ ... و أحنُّ فيه إلى شجاراتنا الصاخبة تلك التّي تجعلنا نبدو مثل الأطفال .. ، أشتاقُ فيه ..إلى عباراتنا و شتائمنا المتكرّرة ... ، و العناق بعد كلّ شجارٍ .. ، تلك القبلة التّي تتقاسمُها شفاهُنا ، و الحلوى التّي نتشاركهُا .. ،..الغمّيضة آخر الليل ... ، الموسيقى أوّل الصباح.. ، إبتسامتكِ المشرقة ، و تلك الطريقة التي تُمسكين بها يدي خوفًا و كأنّني أبٌ ..يوفّر لكِ الأمان ، ..حقّا كلّ شيء يدفعُني لأفكّر في جميع تفاصيلك.... ، يُعجبني كيف كنتِ صديقتي .. ، و أختي ..و أمّي ..و حبيبتي ... كيف كنتِ كلَّ شيء ، أمّا ...هي فتعتبرني زوجًا فقط.. لا غير مجرّد عقدٍ ... و مراسمٌ زوجيّة تافهة .. بعض الزغاريد ...، صور تذكارية .. و بؤس مدى الحياة ... ، هي ليست مثلكِ أبدًا ..هي ..لا تسأل عن ذلك السواد تحت عينيّ ..و لا تكتشف ذلك الحزن في ابتسامتي ... هي لا تشعر بذلك الصداع داخل رأسي ..خاصة و أنّها هي نفسها مصدر ذلك الصداع ... هي فعلاً لا تهتمّ ... أعرف أنّها إمرأة جيّدة..و طيّبة .. و لكنّها تقليدية جدّا ... لدرجة أنّها عاديّة للغاية ..و ..أنا لا أحبّذ العادي ... أنا فقط أريد الجنون .. أقصدُ جنونكِ أنتِ.. ، أريد يدكِ التّي لم تتركني قطّ .. ، و إبتسامتكِ التّي لا تفارق مخيّلتي .. أريد تلك النظرة الغريبة التي تنظرين بها إلي .. و الغيرة المفرطة التّي تُزعجبني ... ، أريدُ بؤسكِ ... ، و سوادكِ ...، سُروركِ و بكائُكِ .. أنا حقًّا أريدُكِ .. رغم كلّ شيء... الجميع هنا يسألونني عنكِ ... ، أمّي تزورني في غرفتي المظلمة هنا.. دائمًا ... ، تتأملّ وجهي حتّى تغلبها الدموع فتنهمرُ على وجهها المتعب ...و كأنّ همومي تُثقِلُها ..فتبكي بدلاً عنّي ... ، حدّثتُها عنكِ الليلة..، فعانقتني و هي تبكي ككلِّ مرّةٍ .. و قالت .. " أحمد ..أرجوك ...إنتهى الأمر .. هي عند الربّ يرعاها ... " ...لم أصدقّ ..و لن أصدّق ..، أذكرُ جيّدًا أنّني صرختُ عاليًا .. بكلماتٍ أنا نفسي لم أفهمها ... ، غضبتُ كثيرًا ...و تعالى صياحي في المكان ... و في لحظةٍ أحاطت بي مجموعة من الممرّضين ...، قيّدوا يديّ ..و و ضعونني فوق فراشي ، جاء طبيبي مسرعا في يده حقنةٌ ..غرسها في جلدي ... حتّى خارت قواي.. ، و نظر في وجهي و قال ... ، " أ مازلت تختلقُ قصصا جديدة عن حبييتك الميّتة !!! ، ماذا عن ميسان.. ؟؟ هل كبرت !!؟ أين زوجتك الخياليّة " ...ثمّ إبتسم إبتسامةً ساخرة ... ، و أكمل " أنتَ غبّي جدّا .. ، مرّت خمسُ سنواتٍ الآن ..و أنت لا تزال تتحدّث عن ابنتك و عن حبيبتك...لا تزال تختلقُ قصصا جديدة ...خمسُ سنوات فيٍ مستشفى المجانين ..لم تُكن كافية لتُقنعكِ أنّ تلك الفتاة قد ماتت في حادثٍ نجوتَ منه أنتَ بأعجوبةٍ ... " و حتّى أمّي .. حتّى أمّي تُصرّ أنّك رحلتِ .. و أنّني فقط أختلق قصصا عنكِ ... جرّاء إضطراباتٍ نفسيّة ، و أنّ كلّ شيء أتذكّره عنكِ هو مجرّد خيال ... ، مجرّد قصص لم تحدث أبدًا ... ، ظللتُ أصرخُ أخبرهم طوال الليلة ..أنّك حيّة .. و أنّك تتنفّسين في مكانٍ ما ... ، أنّكِ وعدتني بالبقاء ... ظللتُ على هذا الحال ..حتّى هزمني مفعول الدواء ..و لم أعد أقوى حتّى على الكلام ... ، ينسحبون هم ببطء...، نظرات أمّي ترمُقني بحزنٍ .. ، تتردّد للحظةٍ و لكنّها تخرج معهم من الغرفة ... ، يُغلقون الباب ...و يعمّ الظلام من جديد..... ظلّ صوت الطبيب داخل رأسي طوال الليلة ...يخبرني انّك مجرّد خيال ... ، و ظللتُ أصرخ بصوتي المنهك ... ، أنّك الشيء الوحيد الحقيقيّ في حياتي..... كيف تكونين خيالاً .. و أنا لا ازال اشعر بيدكِ الناعمة تلامس وجهي منذ التقينا البارحة ...أو قبل البارحة ..أو منذ خمس سنواتٍ !!! أنا حقّا لم أعد.. أعرف .... >> أكملتُ كتابة الرواية.. ، كانت هذه الرسالة خاتِمتها ... ،رميتُ الأوراق فوق الطاولة .... ، و ناديتُ : - ميسان تعالي إلى أبيكِ ... حدّثيني عن المدرسة ..كيف كان يومكِ .. Ahmed Sassi

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد