الى مريم

تلك الأنوار

2020-01-17

الى مريم ل: صوريا الجزء الأوّل: "مريم" أرى كلَ أطياف الخجل على وجه "طارق"، ارى يده المرتعدة خجلا، أراه غولا ذو ذيل رفيع و قذر، اراه جرذا قذرا،كيف حبلت من هذا الغول بثلاثة أطفال؟ أراه آثما، كم سجائري أطهر... أرى القرف،و أرى "سندس" وجها يتيما يُشاهدني نصف عارية على أرضيَة غرفة النَوم، أحاولُ بفتات قوَتي أن أنقذ ما بقي من براءة الطفولة التي يحملها وجهها، و انا ادفع باب الغرفة بقدمي فأغلقه في وجهها. يأخذ "طارق" من خزانة الثياب قميصا جديدا، لقد تقيَأت على قميصه، لقد وسَختُه ،بقيتُ مرميَة على الأرض، أنتظر خروجه من الغرفة، يغيَر ثيابه،أدري أنَه لن يُغاذر، يخاف أن أهرب بعد خروجه.. بدأتُ أحسَ بآثار مخالبه على جسدي، بدأ جسدي بولادة الندبات.. أخاف لو أحبل مرَة أخرى، هذه المرَة سيكون الولد ابن حرام، لأنَه بالنَسبة لي لا فرق بين الزنا الذي يخرج عن حدود اللَه و عن رجل يطرح امرأته أرضا ضربا سبَا ليأخذ منها متعته غصبا عنها و هي ما عادت تريده. أختفيتُ في الحمَام للحظات، فأكتشف أنَي أعاني نزيفا حادَا... ******** عدتُ الى الغرفة أبدَل ثيابي المخلوعة بثياب ستُخلع ساعة يعود الغول. ضرب وجهه بكلتي كفَيه، مرَة فاثنتين. ثمَ غاذرني.. من النافذة، رأيتُه يهرَّب "سندس"و "سيرين" الى أخته. ****** أظنَ أنَني سأرمي نفسي من الشُرفة يوما ما، سمعتُ كثيرا عن نساء انتحرن من شُرف منازلهنَ، و كنتُ أتساءل عن السبب، عن قصَتهن، اليوم أنا أعرف القصَة ، أنا أعيشُها. في غيابهم، لا أدري ما يحصل لي ، أجد حواسي من جديد، كأنَي أضيَع سمعي ، بصري ، بشرتي و كلَ شيء و هم حولي، أنا الآن ، أجد شيئا من الفراغ ، أجد شيئا من النَبض.. "سعيدة" هي من تعتني ب"مهدي"، انَه الولد الذي يحمل اسم اخي و لكن ليس حتَى حليبي، الحليب الاصطناعي أكثر فائدة من حليبي. أخذت مفاتيح السيَارة،ساهوم في الشوارع حتَى أتعب من البحث، و عمَ أبحث؟ لا أدري. وجدتُ أخيرا مكانا لركنها، فنزلتُ أمشي الى مقهى ساحة الثورة ، قابلتُ فندق "أوريون"، آخر مرَة جلستُ فيها في هذا المكان، كنت أحمل تحليل المخبر الذي يثبتُ حملي ب"مهدي"، طلبتُ فنجان قهوة من النَادل و استمعتُ لشكاوي أكثر من ثلاث نساء أتين فرادى واحدة تلو الأخرى تستجدينني مالا، فأجبتهن الثلاثة نفس الجواب الجاف: _"ربَي ينوب" أنا أحرق أعصابي ، أنا أبحث عن مشكلتي لأنَها موجودة ، أنا أعرف أنَي أعيش مشكلة ، فاجعة و لكنَي لا أستطيع تحديدها ، أريد أن أعرف ما أعاني ؟ أن أضع اسما ، أن أعطيها ثوبا ، لحما ، شحما ، أريد أن أكسوها اسما حتَى أجد لها حلَا ، لكنَي أحرق فقط أعصابي ، انَها هناك ، هُلاميَة لا شكل لها ، تتلاعب بحياتي ، تدَخن سنوات العشرينيات، تمنحني جرعات من الكآبة و من الكُره و الحقد على ثلاثة أطفال لا ذنب لهم سوى أنَي أمَهم. أحسَ أنَي خطأ ، أحسَ أنَه لا داع لحياتي و لا معنى ، و لم الحياة أصلا؟ لم الحياة اذا كان الموت أقرب من حبل الوريد؟ كأنَ الموت هو الأصل، أريد الرَحيل ، و لكن أن أترك ثلاثة أطفال خلفي يحملون ذكرى أليمة أنَي أمهم ، هذا ما لا أريده ، أريد أن أقود سيَارتي ، و في المقعد الخلفيَ ، تحمل "سندس" "مهدي" في حضنها و تجلس الى جوارها "سيرين" ، هكذا يمكننا الرَحيل جميعا ، يمكننا أن نرحل معا و لا أحد سيبقى يتيما ، يكفي أن تصرعنا شاحنة نقل كبيرة. يجب أن أدخَن... تركتُ المقهى ركضا الى سيَارتي ، أحتاج سيجارة ، أحتاج كبريتا، أخيرا داخل سيَارتي ، أرخيتُ المقعد الى الخلف و دَخنتُ ، دخنتُ ، دخنتُ.. ****** _ ماذا تريدين؟ فقط اخبريني ماذا تريدين؟ سالني هادئا ، يائسا، كانت "سعيدة" عندنا تحضَر العشاء في المطبخ كانَها صاحبة الدار، وكنتُ في حجرتي ، مستلقية على السَرير، أشاهد "مهدي" نائما.. و يستمر "طارق" في سؤالي: _ ماذا تريدين؟ _لا أعرف، أخيرا حضرتني الكلمات. _ الطلاق؟ _لا. _اذن...؟ _ لا أدري، ...لا أريد شيئا. بقي مندهشا يستدعي الكلام... _ هل تريدين "مهدي" أن يبقى معنا ؟ و أنا أمرَر يدي على صفحة وجه"مهدي" الناعمة، أجبته شاردة : _ لا أدري، لكنَي وعدتُ "سعيدة"، لقد انتظرته شهورا. بعصبيَة ردَ عليَ: _كذلك ، انتظرته أنا. _نحن لنا،"سندس" و "سيرين".. ابتسم و حاول أن يغضب، أن يناقش، حتَى يخفي ابتسامته التي أولدتها كلمة قلتُها "سهوا" ، تلك "النَحن" سقطت "سهوا"... _ أريد "مهدي" أن يبقى معنا.. _ تريدني أن أعطيها "سندس" اذن أو ربَما "سيرين"؟؟ _ لم تريدين أن تعطيها بناتك؟؟ مشكلة "سعيدة" ليست مشكلتنا.. _ أنا من وعدتُ أختك.. _انَهم أولادك. _ أنا فقط أريد أن أساعدها، و لقد وعدتَها. مازال متعبا ينظر الى الأرض، و أنا كنتُ أفكَر: _"طارق"... رفع وجهه: _نعم؟ _تزوَج.. تقدَم بخطوتين من السَرير، يطلب بحاجبيه المعقودين تفسيرا: _ماذا؟ _تزوَج.. ******** انَها المرَة الأولى التي أنظر فيها الى الغيوم، كما أفعل هذا الصباح، من تحت أغطية النَوم، جسدي المتعب من الحياة، و المتورم من الكدمات، ارتخى بعد ليلة من الانقباض نوما الى جانب "طارق"، لقد شرَع النَافذة قبل خروجه ، يريدني أن اصحو ، أن أحضَر له الغذاء،لكنَي لا أريد النَهوض، الغيوم ، تلك الكتَل القطنيَة ، هل سبق لأحد أن نظر للغيوم حقَا، تُهتُ نظرا في بياضها، في رقصها الهادئ، على وقع موسيقى لا أسمعها، وحدها الغيمة تسمعها، يا حظَها..ترسل لغيمة أخرى ذراعيها، تشدَ اثوابها وتدوران و تدوران.. وترقص غيمة أخرى.. و تغطَي السَماء. لا أحد نظر الى الغيوم، لا أحد توَقف ينظر في السَماء، من المؤسف أنَي عشتُ كلَ هذه السنين لأكتشف الغيمة اليوم، اكتشفتُ أنَها تتقن الرَقص و الدوران و السَفر في السَماء. يبدو البيت غريبا دون ضجيج البنات، لا أدري كيف تفعل "سعيدة" للاعتناء برضيع و طفلتين و "سُفيان"، سحبتُ جسدي خارج الأغطية...، شعري المبعثر على كتفيَ، منامتي الرَماديَة ،و جسدي الممتلئ ، و وجهي..انَها مرآتي تعكسُ صورتي ،و لن أناقشها فيما ترسمه على صفحتها، لن ارفض اليوم الصورة التي تعكسُها، لن أطالبها بتغيير جسدي ، أو أيَ شيء آخر، لقد تعبت المسكينة. و وقفتُ أمام غرفة البنات، أمام الأسرَة الخالية ، تمنيتُ لو كنتُ ساتحسَر على غياب الأجساد الصغيرة ، تمنيت لو للحظة واحدة أتحوَل أمَا محبَة و زوجة مطيعة ، تمَنيتُ أن اصبح البنت التي أرادتها أمَي ، لأنَني لا يمكنني أن أكون ما أريده في عالمهم ، أخشى أنَني لم اعد أريد شيئا.. لم اعد أريد شيئا.. حضَرتُ قهوة الصَباح لأستيقظ، و سجائري ، و سافرتُ بالفنجان و الدَخان الى حديقة البيت ، أطفأت سيجارتي الثانية ، و تركتُ القهوة تبدَد دفئها، عندما عدتُ مجدَدا الى الغرفة ، كانت السَماء تمطر،.. ****** الجزء الثاني: "طارق" الوحش الذي خلقته، و خلَفته خلف شباك غرفة النوم، يدفع أخطاءه اليوم كلَها، يدفع الضعف، يدفع كلَ ما بقي، كلَ الصفعات التي وجَهتها الى وجهك، كلَ الضرب الذي جلدت به بشرتك، و كلَ الاهانات التي سمَمتك بها قبل النَوم و انت ترفضينني ، أنا اليوم ادفع الثمن، أدفع أضعافا.. أنام في غرفة موتك، و افتح عينيَ صباحا على شباك ، يهديني صباحا آخر، هو نفس الشباك الذي أهداك صباحك الأخير،... "مريم"... "مريم"... و اكرهك أكثر، أكره كلَ أدوات الزينة ، و كلَ فساتينك المعلَقة في الدولاب، أكره الذهب المخبَأ في صندوق الخشب، أكرهك أكثر. و احاول كلَ يوم ، ان أجلس مع نفسي، أن أبحث عن السبب، لماذا ؟ و كلَ يوم ينتهي متعبا أكثر منَي.. "مريم"، لماذا؟ أيَ لعنة مسَتني لأفقدك هكذا، أيَ امرأة تنتقم هكذا..؟ يحشوني الغضب في أبشع مناطق نفسي، لا استطيع أن أتكلَم أحيانا، لا أجد شيئا، و لا شيء أفجَر فيه هذا الغضب، أنا احمله معي ، أحتمي به من نظرات النَاس، النَظرات المشفقة تتبعني، و لكن هم لا يعرفون أنَي كنتُ الوحش.. هم لا يعرفون شيئا. اعلمي، أنَنا على عتبة الدار ننتظر عودتك، اعلمي أنَ البنات تنتظرن، و اعلمي انَي الأكثر انتظارا، ذلك لأنَ الذين يعلمون الحقيقة المرَة هم الأكثر أملا ، ... "مريم"، أنا أكثر أطفالك يُتما، ... أنا الأكثر فقدا،.. أنا الأكثر غضبا،.. "مريم"، أنا الأكثر غضبا...

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد