أُنشودة البونقو الأخيرة

تلك الأنوار

2020-01-17

(مشهد علوي كاشف .. رفرفة أجنحة غُرابين يحُطان فوق شجرة صفصاف تكسر رتابة صباح قاهري مُلبد بالغيوم والكثير من الأمنيات المُجهضة، حتى أنه يبدو صباح مجهول الهوية، فلا تاريخ له ولا رزنامة ويمكننا الإشارة أيضًا إلى أن عقارب الساعات الملتصقة بمعاصم المارة لا تدور، فهم يسيرون) جماعات نحو حافة ما لا يرونها وكذلك نحن، فكل شيء يحدث الآن لا يحتاج لمواقيت؛ بل يحتاج لجنون لا مشروط وخيبات أمل واسعة الأحداق لتستمر الحركة في المكان الواحد ذو اللا زمن. عاد الصمت ليُطبق على أقواس الساحات العامة وأركان المدينة التي تبتلع سكانها وتجترهم مراراً دون خجل أو فتور، هكذا كانت المشيئة إلى أن دوى رنين حاد مُنطلق من جرس دراجة هوائية لينقر بإلحاح على جدران أذان كبار السن القانطين بحي "شبرا" أحد الأحياء العجائبية للقاهرة، تلك الفسيفساء الضخمة التي تبدو بنياتها من الأعلى كأعشاش النوارس .. الرجال المتقاعدون في هذا الحي غالبًا ما يدلون برؤوسهم باكراً من خلف شرفات غرفهم ليراقبوا المارة بتطفل بالغ منتظرين في الوقت ذاته أن يصدح ذلك الجرس الصدئ المُثبت على مقود دراجة هوائية مُتهالكة مُعلنًا وصول عامل توزيع الجرائد النحيل مرتدياً قبعته الصوفية المُرقعة إنجليزية الطراز ليرافق صوته رنين ذلك الجرس مُنادياً: - أخبار .. أهرام .. جمهورية .. اقرأ تفاصيل مُحاكمة الوزير الفاسد .. اقرأ أخبار الأهلي والزمالك .. أخبار .. أهرام .. جمهورية .. سعر الجريدة جنيه ونصف فقط يا سادة. وما أن ينتهي من النداء الأول حتى يُشار له من أعلى البنايات فيتوقف للحظات ثم تتدلى سلال مُبطنة بأقمشة مزركشة من نفس الشرفات التي يجلس خلفها أولئك الرجال المسنون، صنعتها لهم زوجاتهم شفقة منهنَ على أزواج لم تعد سيقانهم قادرة على حملهم لدقيقة أو لنصف دقيقة بهيئة مستقيمة دون عكاكيز، فتكون تلك السلال هي وسيلتهم لشراء ما يرغبون من بضائع باعة الشوارع الجائلين. يتحرك عامل توزيع الجرائد نحو السلال المُعلقة بحبال مربوطة نهاياتها بأعلى الشرفات تهزها رياح الشتاء القاهرية النشطة صباحاً فتهتز السلال يمينًا ويسارًا إلى أن يمد العامل يده في الصندوق الخشبي زيتوني اللون المُثبت بالجزء الخلفي من دراجته ويُخرج نسخة من كل جريدة من الجرائد الثلاث ويضعهم في تلك السلال بيد وباليد الأخرى ينتشل أربعة جنيهات ونصف متروكة له أيضًا في قاع كُل سلة، ثم بعد أن ينتهي من الجميع يضع قدمه اليمنى على دواسة الدراجة ويدفع باليسرى إلى الأمام منطلقاً نحو حي آخر يقطنه رجال كهؤلاء وتتدلى من شرفاته نفس السلال. في أثناء ذلك كان ( يعقوب حسين ) الشاب الثلاثيني الأعزب ذو البشرة البيضاء المُشربة بحمرة، الممتلئ جسده قليلاً يستقل الحافلة مُتجهًا نحو مقر عمله في "مصلحة تحصيل فواتير الكهرباء" فهو يعمل منذ سنوات كقارئ عدادات وفي خلال طريقه شاهد مجموعة من اللوحات الدعائية الخاصة بعضوية البرلمان لمرشح الحزب الحاكم عن دائرة "شبرا"، كُتب عليها بخط عريض "انتخبوا صليب أنطوان جرجس .. صوت الفقراء والمهمشين"، وبجانب تلك اللوحات توجد أخرى لمرشح مُنافس كُتبَ عليها بذات الخط "انتخبوا منصور بلال أحمد .. معاً ننهض بالوطن"، ولطرافة المشهد فإنه لا يمكن لناخب واحد من أهالي الدائرة الوثوق بوعود أولئك المرشحين فلم يعد أحد يصدق شعارات اللوحات الانتخابية ولا رجالُها. بعد نصف ساعة وصل (يعقوب) لمصلحة التحصيل في تمام الثامنة صباحاً وقد كُلِفَ بتحصيل فواتير الكهرباء من عقارات وحوانيت شارع "شيكولاني" أحد شوارع حيه "شبرا". حمل دفتر تحصيله ثم استقل سيارة المصلحة قاصداً العناوين الموضحة أعلى كل فاتورة وفي حدود الثانية عشر ظهراً كاد أن يُنهي عمله وقد أصبحت حقيبته مكتنزة بأموال دافعي الفواتير، حتى أنه حين يمشي مُسرع الخطى يُسمع صوت اصطكاك العملات المعدنية داخلها بجلاء، فقرر العودة للهيئة بما جناه لليوم وأخذ يجتاز درجات سُلم آخر عقار تواجد به بخفة نزولاً إلى أن وصل للرصيف المُقابل لبوابته، لكنه توقف للحظات وتذكر أنه نسي حانوتًا واحدًا مُتبقيًا لم يُحصِل منه قيمة الاستهلاك بعد، إنه حانوت صغير عتيق مختص ببيع التماثيل الخشبية يملكه كهلاً من جنوب السودان تجاوز الثمانين لجئ لمصر فارًا من ويلات الحرب الأهلية هناك يُدعى (لويس ماركو) وتربطه (بيعقوب) صداقة وطيده رغم فارق الخمسين عام بينهما، فقارئ العدادات يُمكن اعتباره الزائر الوحيد منتظم الحضور لحانوت الكهل الجنوبي الأرمل؛ لأنه حتى الزبائن أصبحوا غير شغوفين بتزيين بيوتهم بتماثيل خشبية قصيرة مكتنزة نحتت بحزن، لهذا قلت زياراتهم له شيئاً فشيئًا إلى أن انعدمت بشكل شبه تام، لكن المثير في حياة نحات الحي الفار من الحرب أنه يُصر على النوم ليلاً في حانوته وسط تماثيله رافضًا استئجار غرفة كسكن مستقل بعد وفاة زوجته قبل خمس سنوات، إنه الآن مُجرد مُسن هزمته الشيخوخة ولا يملك إلا انتظار ضيفًا ثقيلاً سيحمله لبُعد آخر ولعالم آخر بعيد عن حانوته وذاك الشارع والحي الذي قطن بهما ما يربو عن الثلاثة عقود فأصبح مألوفًا للقاهرة وهي مألوفة له، حتى أن قططها أحيانًا تترك أرصفتها وتذهب لتطوف بحانوته ويجلجل في الأرجاء حينها مواءً طفوليًا عذبًا من تلك الطوافات جالبًا معه دفئًا وبخورًا وبركة. اقترب (يعقوب) من البوابة ثم طرقها بلطف فأُشير له بالدخول، وما إن ولج حتى رآه جالسًا على كرسيه منكبًا على نحت شيء ما يبدو أنه مجسمٌ لرجل داكن اللون يحمل في يده إزميلاً، يبدو أنه ينحت تمثالاً لنفسه!. أخذ (يعقوب) يقترب أكثر حتى وقف إلى جانبه تماماً وحتى الآن لم يرفع الجنوبي رأسه نحوه فكسر (يعقوب) الصمت قائلاً: - كيف حالك يا عم (لويس). فأجابه بعربية ركيكة: - أنا بخير طالما أن تماثيلي بخير. عندها سحب عامل مصلحة الكهرباء كرسيًا من الخوص قريبًا منه وجلس مُقابلاً لصاحب الحانوت ليفتتح حديثًا طويلاً معه حيث قال: - هل بعت عدداً جيداً من التماثيل منذ آخر زيارة لي هُنا؟. هز (لويس) رأسه نافياً ليقول: - لا .. لم أبع إلا ثلاثة فقط. فتنهد (يعقوب) وقال: - لماذا تُصر على استنزاف ما تبقى لك من صحة في النحت؟ لماذا لا تجرب تحويل هذا الحانوت لمقهى؟ ألا تبدو تلك فكرة جيدة؟. رفع (لويس) رأسه وثبت عينيه ذات البؤبؤين المنطفئين نحو مُحدثه وقال بصوت متحشرج: - أتريد مني مفارقة تلك الأرواح لأبيع الشاي والتبغ لأجساد مترهلة خاوية من أي بهجة!. - عن أي أرواح تتحدث؟ إنها مجرد قطع ملونة من الخشب!. قام (لويس) من مقعده ومد يده نحو أحد رفوف الحانوت وأمسك بطبل عتيق صنع من جلد القردة حيث أنه قد أتى به من جنوب السودان وأبقاه طوال ما يزيد عن ثلاثين سنة رطبًا طريًا له جلجلة صوت بهية حين يُقرع ثم التفت نحو (يعقوب) وقال: - أتعلم أن هذا الطبل أيضًا له روح؟. ضحك الشاب القاهري وأسند ظهره على كرسيه ثم تكلم مُتهكمًا: - منذ قليل كانت التماثيل والآن أُضيف الطبل لذوات الأرواح! .. والله إن حديثك العذب العجيب لا تخبو جذوته أبدًا يا عم (لويس). ثم ظل مبتسمًا على نفس وضعيته لثوانِ إلى أن عاد النحات الهَرِم إلى مقعده ليدور بينهما حديثٌ مسترسلٌ حيث قال: - هذا الطبل كان لجدي .. أتعلم ما كانت مهنته؟. - لا .. أخبرني. - لقد كان قارع طبول، لكنها ليست أي طبول .. لقد كان يقرع الطبل فقط إن مات أحدهم في القرية فيسمع البقية من الجيران في القرى الأخرى الصوت فيأتون معزين باكين. الدَّرْداب ليس دائماً دليلاً على الفرح يا بُني، ففي كل شيء وعكسه تكمن فلسفة الحياة ولهذا كان يخبرني جدي أن هذه الطبول تسكنها أرواح من قضوا، وستناديك حتماً لتقرعها عالياً لترقص تلك الذوات على إيقاع أصابعك فوق الجلد المشدود. - إذن فلتحكِ لي عن التماثيل وعن أرواحها أيضًا! ثم إنك لم تخبرني عن قريتك تلك أبدًا، أين تقع؟ وما اسمها؟ وكيف حال السكان هناك؟. أخذ (لويس) شهيقًا عميقًا ليهدئ من نفسه المشتعلة حنينًا لأيامٍ خوالْ ذهبت بشبابه، لكن لا تزال ذاكرته محتفظة بتفاصيل الأمس المزركش برتوش قوس قزح ثم اعتدل واستطرد: - أنا من قرية تُدعى "أمبوبو" تقع ناحية مدينة "راجا" بجنوب السودان، بيوتها شُيدت من الخوص وأغصان شجر الليمون اللينة لهذا تفوح أسقفها بعطور فواحة تُكسب باحات تلك المنازل طهارة وغموضًا في الوقت ذاته، سكان تلك القرية جميعهم من "البونقو" بما فيهم أنا. - من هم "البونقو"؟. - نحن قبيلة رحالة أو هكذا كُنا أتينا من عمق الجنوب متتبعين المراعي الخضراء والعشب الغض بطول الوادي وعرضه إلى أن وجدنا ما يُمكن أن نسميه وطناً فحللنا فيه وحل فينا. - إذن وما قصة التماثيل وأرواح التماثيل التي أخبرتني عنها!. - إن من عادات "البونقو" أن يُنحت تمثالٌ يمثل شيئًا ما لكل شخص يموت في القبيلة، فإن مات مُعلمًا على سبيل المثال نحتنا له تمثالاً على هيئة رجل يرتدي بزة غربية ممسكًا بيده اليمنى قلمًا، ثم نغرس التمثال على حافة قبره حتى يتذكره كل من يمر بالقرب منه، وإن مات صيادٌ نحتنا له تمثالاً بهيئة رجل ممسكًا بسيفٍ أو برمحٍ، وهكذا تسير الأمور في قريتنا. - ولهذا أنت ستبقى مُصرًا على نحت التماثيل ومؤمنًا أيضًا أنها ذوات أرواح كما الطبول؟. - تمامًا يا (يعقوب) ، تمامًا. إن سحر هذه التماثيل لا يقل أبدًا عن سحر من نُحتت لأجلهم، أنت لن تعي ما أقوله لأنك لم تعش يومًا مع أُناسٍ أقصى أمانيهم أن تكون جدران بيوتهم مبنية من الإسمنت، أو يكون لبيوتهم الخوصية بابًا من الحديد لا تقتلعه رياح الشتاء عندما تهب على "أمبوبو" غاضبة في كانون، نوعية الناس تلك أرواحهم لا تموت بل تسكن كل كَرمة وكل زهرة نرجس وتبقى إلى الأبد أرواحًا نضرة. ثبت (يعقوب) قدمية على أرضية الحانوت ثم دفع بجسده كرسيه إلى الوراء مُصدرًا صوت أزيز خفيف إثر احتكاك أرجل الكرسي بالأرضية ثم قام دون أن يُحصل من الجنوبي شيئاً وتثاءب مُمغطًا ذراعيه لأقصى اتساعهما ثم قال: - سأعود لك في المساء لتحكِ لي المزيد. قال تلك الجملة وتحرك نحو بوابة الحانوت قاصدًا العودة لهيئة الكهرباء التي يعمل بها لتسليم حصيلة اليوم من الفواتير، بينما أخذ ( لويس ) في الغناء بلهجة سودانية حانية فبدى وكأنه يُهدهد طفلاً مرددًا: - أنتي لونك هو لوني لما يومك يلقى يومي حطي همك فوق همومي نضحك سوا .. نحزن سوا نحنا إللي قدرنا ع التعب. أبعدت الطرق المرصوفة قارئ العدادات عن حانوت الأرواح وظل صاحب الإزميل يُغني في اِلتياعٍ بالغ لتغني معه بالمقابل كل تماثيل حانوته في مشهد مهيب لا يُنسى! حل المساء على حي "شبرا" واصطبغت الشوارع وواجهات البنايات بلون برتقالي مُرتعش صادر عن أعمدة الإنارة التي سلمت رؤوسها للريح لتهتز ويهتز معها ضوؤها وقلوب سكان الحي المعلقة في الأرجاء أيضًا، وفي تمام التاسعة مساءً عاد (يعقوب) لوطن الحِكَايات ليجد العم (لويس) مُتصلبًا على كرسيه وقد ازرق وجهه قليلاً نتيجة برودة الجو وبرودة جسمه كذلك، فأسرع نحوه وقام بهزه بلطف ثم بعزم أكثر فأكثر إلا أنه يبدو قد أسلم الروح منذ ساعات دون صخب أو نزاع مرير مع حاصد الأَنْفُس ذاك الضيف الثقيل الذي لم يمل من انتظاره، لكن عندما حلت ساعته أسلم روحه وهو يغني ممسكًا بيده تمثاله الخشبي الذي قد صنعه لنفسه والذي سيُغرس فوق قبره قريبًا، وبدت حينها التماثيل مجتمعه على الرفوف بصورة أقرب مما كانت عليه وكأنها تُلقي نظرة الوداع على من شاركها الحب والمبيت والغناء، لم يمسح (يعقوب) دموعه بل تركها تشق أخاديد الصمت على وجنتيه لدقائق ثم مد يده ليسحب الطبل المجاور للجثة وبدأ يقرعه بإيقاع متسارع لما يزيد عن ساعة حتى اجتمع أمام بوابة الحانوت أغلب سكان الحي ليشهدوا وفاة آخر نحاتين "البونقو" الغريب الذي مات بأرض غريبة، في الوقت ذاته يبدو أن أحد المتجمهرين قد أخبر كاهن الكنيسة المجاورة للحانوت عن الحادثة فأوفدت الكنيسة عددًا من الشمامسة لينقلوا الجثمان البارد المتصلب لصحن الكنيسة للصلاة عليه ثم دفنه صباحًا. كُل ذلك حدث ولا تزال تماثيل الجنوبي القصيرة المكتنزة تُغني وحيدة على الرفوف لا يسمعها أحد سوى جسد النحات الميت! إنها تُرنم أنشودة "البونقو" الأخيرة، فلا ترياق لمن اجتمع عليه اليأس والنسيان والحرب، إنها الأنشودة الأخيرة لأرواح آتية من الجنوب البعيد، أرواح منبعثة من سنابل القمح ومن فيضان النيل، لذا فكُل ما علينا فعله كشهود عيان أن نبني أكواخ الأمل بداخلنا لنقرع في باحاتها طبول حربنا وسلامنا، طبول مَآتِمُنا العابرة وأفراحنا المُستقرة فينا كجذوع النخل، "طبول البونقو" خاصتنا!. علينا ببساطة أن نتعلم صيرورة الحياة التي ستظل تأكل الحياة نفسها حتى يفنى الجمال ويبقى أشد أشكالها قسوة وأعظمها حقارة، ولنعمل من أجل الآتي فغدًا يومٌ جديد، وقصة أخرى ستروى، وشموع أخرى ستوقد، وعطر آخر سيُسكب على أجساد أناسٍ غرباء يقفون فوق أرض غريبة. تــــمــت حُررت في / 28 من مارس ٢٠١٩م. بورسعيد – جمهورية مصر العربية. تأليف/ محمد خلف حسن محمد الإدريسي. اسم الشهرة/ محمد الإدريسي.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد