جامع السكاكين

تلك الأنوار

2020-01-17

جَامِعُ السَّكاكِين أَنا سَاحِرٌ مُتخَفٍّ, لا يَعلمُ أحَدٌ بي, أُحوِّلُ الفتياتِ الَّلواتي أُحبُّهنَّ إلى سَكاكينَ أَحتفِظُ بِها في مَنزلي, أَخرجُ نَحوَ الشَّارِعِ عِندَ الصباحِ البَاكرِ تَمرُّ بي فَتاةٌ طَازَجَةٌ كَتفَّاحَةٍ شَهيِّةٍ, أَقتربُ منها: صباحُ الخَير, كَم السَّاعةُ الآن؟ وبينَما تَنظرُ إلى سَاعَتِها أُلقي عَلَيها تَعويذَتي فَتَتَحوَّلُ فَجأةً إلى سِكِّين في الهَواءِ فَألتَقِطُها قَبلَ أنْ تَقع وَأُخبِّئُها في جَيبي أُتابِعُ السَّيرَ بِاتِّجاهِ مَحطَّةِ القطارِ, هُنالِكَ حيث تعبرُ الفَتياتُ بي كَحقول القَمحِ أَستقِّلُ قِطاراً وأَتَّجهِ نحوَ الرِّيفِ, نحوَ الحقولِ الوَاسِعَةِ الشَّهيَّةِ, أَقتربُ مِنْ فتاةٍ قرويَّةٍ تَنزلقُ الشَّمسُ عَن جبينِها بِنعومةٍ كَالمَاءِ عَن الرُّخامِ, شَهيَّةٍ كَرَغيفٍ سَاخِنٍ صباحُ الخَيرِ, هَلْ لي بالقليلِ مِن المَاء؟ وَبينَما تُخرجُ قربةَ الماءِ أُلقي تَعويذَتي عَليها فَتَتَحوَّلُ إلى سِكِّين, أُمسكُها وأخبِّئُها في جيبي, ثُمَّ أعودُ إلى المَدينةِ, أَصِلُ عِندَ حُلولِ الظلامِ إلى الحيِّ التجاريِّ, الذي يصبحُ في الليلِ تِجارياً بِشكلٍ آخَر, المومِساتُ على جَانبيِّ الطريقِ, تَبرقُ أجسادُهنَّ كُلَّما عبرَتْ سَيَّارةٌ بِأضوائها الخافتَةِ قُربهنَّ, تبرقُ أَجسادُهنَّ ضَوءاً وشَهوةً, أَقتَربُ مِن فتاةٍ سمراءَ كَما لَو أنَّها آخرُ الغروبِ, أَتحسَّسُ كَتفَها النَّاعمَ بِأصابِعي, وَأعبرُ بِشفتي عَلى عنقِها اللذيذِ كَقطعةِ (كَاتو), أَصْطَحِبُها إلى خَلْوَةٍ وَأُلقي عَليها تَعويذَتي ثُمَّ أَحتفِظُ بِها في جَيبي. وَأعودُ إلى مَنزلي مُنتصفَ الليلِ, أَدخلُ هَادِئاً كَما لَو أَنِّني أَمشي على الرَّملِ, أَفتحُ بابَ غرفَتي كَما لو أَنَني أَفتحُ بابَ مقبرَة, أُلمعُ سَكاكيني الجَديدَة, ثُمَّ أَفتحُ خِزانَتي وَأضيفُ هَذهِ السَّكاكِين إلى المَجموعةِ التي أحتفظُ بِها. أنظرُ إلى السِّكينِ في أَقصى اليَسارِ, أَتَنَهَّدُ, إيه, جارَتي المِسكينةُ, عَينَاها اللامِعتاِن كَنَجمَتَين, نَهداها الصَارِخَان كَرمَّانَتَين, وَشِفاهُهَا الكرزيَة, السِّكِّينُ التي قُربَها, المُغنيَّةُ في حفلِ زَواجِ أَخي, صَوتُها العَذبُ كَنهرِ الفُراتِ, عَيناها الحادَّتانِ كَذئبٍ, الضاحِكتَانِ كَطِفلَتين, جَسدُها المَالحُ, ابْتسامتُها الوارِفَةُ كَغابَةِ سَرو, رَائحتُها العَبقريَّة كَياسَمينٍ شَاميٍّ. في البِدءِ كَانَتْ لِكلِّ سِكِّينٍ قصةٌ طَويلَةٌ, ثُمَّ أَصبَحتْ قِصصَاً أَقصرَ, فَأَقصرَ, ثُمَّ أَصبحَتْ مَشاهدَ خَاطفةً, في البِدءِ كَانَتْ فتاةً أولى أَصبحَتْ لِوحدِها سِكِّينا أَحتفظُ بِها في خِزانَتي لِأخدشَ نَفسي كُلَّما عَبرَتْ بِقَلبي ثُمَّ فتاةً ثانيَةً جَعلها المَوتُ سِكِّيناً أُخرى, ثًمَّ ثَالثةً فَرابِعةً. والآنَ أَنا مُدمنُ سَكاكين, سَاحرٌ, يعجبني مذاق فتاةٍ ما, فأُلقي تعويذة حب خاطفة, وَأحتفظُ بِالسَّكاكينِ في خِزانَةٍ تُشبِهُ قلبي كثيراً, في خِزانةٍ وَاسعةٍ كَالحلمِ, مُوجِعةٍ كَالذِّكريات.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد