خـطـيـــئة مـدمـن

تلك الأنوار

2020-01-17

أمي تعاتبني دوما وبشكل روتيني وتقول أنني شخص عاجز حتى عن اقتناء علبة كبريت وحملها معي قبل أن أدلف البيت مساء، كنت دائما ما أتحاشى حديثها و أتعمد البقاء خارجا حتى ساعة متأخرة من الليل ، لعلي بذاك أنال حظا من إراحة أذناي من عتاباتها المعهودة ، غير أنها تلقي دوما بنفسها خارج غرفتها و تقف أمامي و أنا الذي لم أفلح بعد بإغلاق باب الدار، فقد كان نوم أمي خفيفا ، حتى أنها صارت تميز خطوات أقدامي من الشارع و قبل بلوغ الدار، لا شيء يمنعها من إلقاء عتاباتها بوجهي ، أقسم أن خصاماتها قد تلاحقني بعد موتي ، تجاوزت أمي حد الحزن لحال ابنها الميؤوس من أمره ، و صارت تحزن لسيئة الحظ تلك التي ستجعل نفسها زوجة لشخص مثلي حتى إبليس توقف عن الوسوسة له ، فأفعالي كلها سيئة إلى حد جعلت أمي تتبرأ مني ومن أفعالي براءة الذئب من دم يوسف ، و تقول أنها ندمت على حملها لي بجوف بطنها لتسع أشهر ، و فطامي عن الرضاعة بعامين، و أني لست غير شخص سكير سينتهي به المطاف لا ريب بنار جهنم خالدا فيها أبد الدهر، أعترف ، وسط عالم المزيفين هذا ، أنني لست أتلكأ أبدا بأن يرمى جسدي بنار الجحيم ما دمت سأصادف هناك صديقي بائع السجائر، و آخرين أحببت دائما مجالستهم ، لا خاطر لي بأن أدلف الجنة ، حتى أنني عاجز بأن أتخيلني هناك بالنعيم ، فلن أصادف بجنباتها غير فقيه المسجد من أوسعني ضربا بعصاه أيام الصبا و أنا ذو الأربع سنوات ، همي الوحيد آنذاك أن أحفظ بعضا من آيات الله لأصرخ عاليا مرددا إياها ، راجيا أن تبلغ تلاوتي مسامع الله، هكذا قال الفقيه ذاك اليوم و هو يأمرنا بقراءة الآيات من اللوح الخشبي بصوت عال ، و أن الله لن يتغافل بجعل نعيمه جزاء من لم يترددوا بتلاوة الآيات عاليا ، و الصياح بها بكل ما أتوا من قوة ، اليوم لست أبالي بأمر دخول الجنة من عدمه ، و يفزعني أن أصادف بالجنة 'الحاج عبدو' ذا اللحية الكثة من كنت أتوقف لأقبل يده الخشنة و هو يطل من نافذة سيارته المرسيدس ، أو خارجا قدام فيلاته الفخمة ، لا ريب و انه الآن هناك بالجنة ، فقد كان شخصا مواظبا على الصلاة بالصفوف الأولى للمسجد ، غير أنني أمقته مقتا و أراه من كان السبب وراء وفاة والدي ، بأن مانع حمل جسده الخائر بسيارته المرسيدس ، اعتذر بلطف و أمر سائقه الشخصي بأن ينطلق بعيدا عن مكان الحادث ، فترك والدي يتمرغ بدمائه كديك مذبوح بعد أن باغتته دراجة نارية و هو منهمك باجتياز أحد شوارع المدينة المجاورة للبيت ، حتى سائق سيارة الإسعاف لن يتغافل الله برمي جسده بالنار بعد أن تأخر في الاستجابة لنداء الاستغاثة ،و هو ما جعل والدي يفقد الكثير من الدماء و يصير جثة على قارعة الطريق يتأفف حتى الصبيان من لمحها ، بل و حتى والدي لن أصادفه بالجنة ، مادام هو بدوره كان مجرد سكير قيد حياته ، سرت أنا الآن على خطى دربه، فمن شبه أباه فما ظلم. أن تردد أمي بوجهي العبارات نفسها التي عاتبت بها شخص والدي منذ سنوات جعلني انفجر ضحكا بوجهها ، أعلم أنه ما كان علي أن اضحك ، بيد أنني فعلت ، و كانت ضحكتي سخيفة و عالية ، ما جعل أمي تحتدم غضبا و تقول أن موتي خير من بقائي على قيد الحياة ، فالحياة بدون هدف موت مسبق ، تتبرأ مني و تقول أن فلذة كبدها الوحيدة هي ابنتها الكبرى التي تنفحها ببعض المال بعد أن التحقت قبل أسابيع للعمل بمصنع نسيج بالمنطقة الصناعية ، و إن كنت أنا قد عارضت فكرة خروج أختي للعمل بمصنع النسيج ذاك و عودتها دائما و الظلام رمى بستاره على الحي ، فتبرر هي تأخرها بساعات العمل الإضافية ، كلما حاولت خصامها تقف أمي قدامي مانعة إياي ، و تأمرني بترك أختي لحالها مادامت هي من تتحمل عبء مصاريف الأسرة و البيت ، و كنت حقا أستجيب لطلب أمي و اترك أختي لحالها ، فأعترف أنها من كانت تنفحني دائما ببعض المال لأنفقه أنا بشراء علب السجائر أو مخدر ما. تشبهني أمي دوما بالكلاب الضالة ، فلا فرق بيني و بين الكلاب على حد قولها فكلانا نشم ، الكلاب تشم بالوعات القمامة و مطارح الأزبال ، في حين أشم أنا هاته السموم كما ألفت أمي تسميتها ، جدتي تلح علي دائما بأن أقلع عن التدخين و أزور عيادة طبيب ما قبل أن يفوت الأوان و ينخر مرض السرطان جسدي ، تذكرت والدي الذي استنشقت رئتاه الملايين من أعقاب السجائر، فسقط لأسابيع طريح الفراش و هو يغرق وسط العشرات من علب الدواء ، أخبره الطبيب المعالج ذو النظارات الطبية أن موته محتوم لا مفر منه ، سيموت بعد أسابيع بسبب داء السرطان ، غير أن ذلك لم يحدث إطلاقا ، والدي توفي إثر حادث سير و تأخر سيارة الإسعاف في القدوم و حمله للمشفى ، ما جعلني الآن أتلكأ عن الامتثال لطلب جدتي ، فأبدا لن أدلف عيادة طبيب كاذب عجز حتى عن سقي أزهار مكتبه الذابلة. 'لن يكلفك الأمر و لو قرشا لتصير شخصا لطيفا و تتوقف عن حماقاتك هاته ، وتشغل أناملك اللعينة بعمل ما بدل حمل السجائر '، هكذا صاحت أمي بوجهي قبل أن احمل معطفي الجلدي و أرمي بنفسي خارجا ، و أقسم أن لا أعود لهاته الخربة مجددا ، كانت جدتي تجر عكازها الخشبي و هي تحاول منعي من مغادرة الدار أو بالأحرى تهدئتي ، نفاذ السجائر جعلني أشعر بالضجر، كنت دائما ما أقسم بعدم العودة للدار، فأتناسى قسمي كل مساء و أعود لأرمي بنفسي لجوف البيت كجندي عاد لداره بعد سنوات قضاها بأرض المعركة ، تقيأني باب الدار الصدئ ، صراخ أمي لازال يبلغني هنا بالزقاق، لعلها الآن تبكي بغرفتها ، كنت دائما ما أراها امرأة عظيمة أمام والدي قيد حياته ، ترد على خصاماته بصوتها الأشبه بمغني أوبرا ، كانت هي تهزم والدي دائما و يغادر هو الدار نحو مقهى الحي للعب الورق ، يفضل الهروب كباقي الجبناء، تخيلت والداي و قد بلغ خصامهما حد العراك بالأيدي ، أمي قوية ، و لا ريب أنها ستهشم رأس والدي و تسقطه أرضا ، بيد أنه بمجرد مغادرة والدي البيت ، تتقوقع هي على نفسها و تصير خائرة ، تختلي بنفسها بالغرفة و تبكي، حاولت يوما أن أدلف غرفتها لمواساتها ، منعتني جدتي من الدخول ، قالت أن أدع أمي وحيدة فهي بذاك تبكي لتستريح. عدلت معطفي الجلدي و الذي أهدتني إياه أختي الكبرى بذكرى عيد ميلادي الأخير، أحسستني أرتدي ملابس جديدة بحزن قديم ، توقفت لبرهة و نظرت ناحية الباب و كأني أودعه ، أو فقط خشيت أن أعود ليلا فتباغتني أمي بتغييرها لقفل الدار، سأنام جنب الباب ، فعاجز أنا عن الطرق بتلك الساعة المتأخرة من الليل ، أن أوقظ جدتي من النوم أكبر مصيبة على وجه البسيطة ، قد لا تتوقف عن الدعاء علي و شتمي طوال الليل أو لأسبوع ، دعوات جدتي مستجابة ، أقسم أنها كذلك ، هي لا تتوقف عن ترديد الأذكار و ما تحفظه عن ظهر قلب من أدعية و آيات ، دائما ما تحمل جدتي سبحتها التي أهدتها لها عمتي بعد عودتها من مناسك الحج ، تذكرت عمتي التي تعاتبني بدورها لعدم زيارتها و السؤال عن حالها ، أعترف أني أنشأت قطيعة رحم تجاه الجميع ، فلا بأس بقطيعة رحم إن كان لديك أقارب كقطيع غنم ، هكذا هم أقاربي ، معظمهم يتلفن لأمي ليتأكد فقط إن كانت قد أفلحت بجعلي أدلف زنزانة نتنة ! نظرت جنب الباب ، سأنام هناك ، لا ريب و أن كلاب الحي ستفترسني ، تلك الكلاب التي اعتادت أمي تشبيهي بها ، كان الوقت عصرا، مررت من قدام المسجد ليتقيأ بابه الخشبي الضخم العشرات من المصلين بجلابيبهم البيضاء ، سرت أخيط بجسدي المتهالك وسط زحام المغادرين للمسجد ، أحسستني شيطانا وسط سرب من الملائكة ، تذكرت عتابات أمي و ضربها لي في الصبا لتجعلني أواظب على الصلاة بالمسجد ، كان بودي تحمل عتابات أمي و ألام ضربها لي طوال السنة ، بيد أنني أبدا لن أتحمل مغادرة باحة المسجد حافي القدمين ، فمسجد المدينة هذا اشتهر منذ القدم بعمليات سرق الأحذية المتكررة ، حتى أنهم قاموا أخيرا بوضع كاميرات مراقبة بكافة أرجاء المسجد ، و لم يمنع ذلك لصوص الأحذية بالتوقف عن اختلاس غنائمها بين الفينة و الأخرى وسط زحام المصلين ، أقنعت نفسي أخيرا بفكرة أن تمشي وسط الشارع و تفكر في الله أفضل من أن تسجد في المسجد و تفكر في حذائك ! أفزعني صوت رنين الهاتف و استلني من ضجيج الذكريات ، التقطته من جيب المعطف و تصفحته ، كان المتصل صديقي ، من ألفت لسنوات مجالسته أو بالأحرى كان وراء إدماني للتدخين ، و لطالما خاصمتني أمي و عارضت أمر صداقتنا هاته ، فلا تطيق هي حتى لمحي واقفا بجواره ، إلى أن كلت و توقفت عن العتاب و الخصام ، تمقته أمي فقط بسبب عقوبة الحبس التي قضاها قبل عامين ، سنة واحدة خلف القضبان بالسجن المركزي بعد تهمة الاعتداء على جدته العجوز و سلب بعض من حوائجها و فلوس محفظتها ، حتى انه تسبب بكسر أنفها بعد رفض المسكينة النزول تحت طلبه بالتهديد ، شعرت بالحزن لجدته رغم أنني لست اقل سوءا منه بمعاملتي لجدتي ، فأعترف برفع صوتي بوجهها بين الفينة و الأخرى، غير أنني أبدا لن أبلغ حد كسر انفها أو حتى مجرد إخفاء سبحتها التي أهدتها إياها عمتي ، لطالما تساءلت مستغربا كيف أقدم على فعله الشنيع هذا و لم يتردد هو بسرد تفاصيل قصته هاته دون أن يبدي مشاعر الندم و الحزن بشخص جدته ، بل و يقسم على كونه عازما عن تكرار الشيء نفسه ، لولا أن الموت خطف روح جدته أسابيع فقط قبل مغادرته للسجن ، قلت محدثا نفسي ، لعل الموت أرحم لجدتك المسكينة !! لم يكن شخصا حساسا قط ، أبدا لم ألمحه حزينا لوفاة شخص بالحي أو مرض أحد الجيران ، فلو حدث و لمحته يذرف الدموع يوما ، كن على يقين أنه فقط تناول بصلة نيئة ! ضغطت زر الاتصال ليبلغني صوته الأجش ، كان وحيدا بغرفته الصفيحية بضواحي المنطقة الصناعية ، صار ذاك ملجأه منذ أن غادر أسوار السجن ، و تبرأ منه الجميع حتى والداه ، و امتنعوا عودته مجددا للبيت ، طلب إلي القدوم ، فوافقت على مضض ، إذ لم يكن لي خاطر لمحادثة أحدهم بعد خصامي الأخير مع أمي. لم تكن دور الصفيح بعيدة عن وسط المدينة ، تمشيت بخطى متثاقلة ، و طوال الطريق كنت أفكر بكل شيء و أي شيء، انتابتني فجأة رغبة في التفكير و كأنني سأفقد قدرتي على القيام به بعد برهة من الزمن ، فرحت أغتنم وظيفتها قبل أن أصير فاقدا لها، وجدتني واقفا أمام غرفته الصفيحية ، ناديته بصوت أقرب للهمس خوفا من أن أبيد النعاس من جفون ساكني هاته الدور الصفيحية ، فالجميع هنا نيام لساعات النهار الطوال ، و يظلون مستيقظين ليلا ، حتى أن شكل الباب القصديري لم يكن يغريني بالطرق عليه ، أخشى أن ينخلع من مكانه بمجرد وضع أناملي عليه ، أطل صديقي من نافذة صغيرة، ما يقتلني حقا ، أن لهاته الدور الصفيحية شكل بيوت حقيقية ، إذ جعل لها مالكوها نوافذ و أبوابا ، و البعض الأخر نالت داره الصفيحية حظ مدها بتيار كهربائي ! اختفت جمجمته الضخمة من النافذة ، قبل أن تظهر مجددا خلف الباب القصديري الذي أصدر صريرا مزعجا حال فتحه ، دلفت المكان ، كان مبعثرا حقا و كأنه غرفة عجوزين أوشك عزرائيل على خطف روحيهما ، رميت بنفسي على كنبة مهترئة ، فتطاير غبار قبيح من فوقها ، كان الصمت يقتل الغرفة ككنيسة كاثوليكية آيلة للسقوط ، لازلت أنا جالسا على الكنبة ، في حين كان هو هناك بالزاوية ، أدار وجهه أخيرا ناحيتي ، حمل بيده نبيذا و كأسين زجاجيين ، جلس بجواري و شرع يملئ الكؤوس التي كنا نجود بنبيذها على أفواهنا تواليا ، لم أحدثه عن جدته كعادتي ، انشغلت بالنبيذ ، شربت حد الثمالة ، أحسستني قد أتقيأ ، حاولت بعسر الوقوف على قدماي ، لست داريا كم من الزمن مر منذ أن دلفت المكان و جلست فوق هاته الكنبة المهترئة ، حملت معطفي و غادرت بتثاقل تلك الغرفة النتنة ، خارجا ، كان الظلام قد شرع بنشر ستاره على المدينة ، ليغادر بذلك أخيرا أناس هاته الدور الصفيحية دفء أغطيتهم و يرموا بأنفسهم خارجا. كالمأفون رحت أجوب ضواحي المنطقة الصناعية ، كان الظلام مطبقا ، و نباح كلاب ضالة يكسر صمت المكان ، لم أكن أمضي نحو هدف بعينه ، كنت أمشي فقط ، متحاشيا العودة لوسط المدينة خوفا من أن تتلقفني دورية شرطة بتهمة السكر العلني ، فأبيت الليلة بمركز الشرطة و هي تزج بي داخل زنزانة نتنة ، لمحت شخصا ما قادما من بعيد ، حاجتي للمال جعلت رغبتي في الحصول عليه بأية وسيلة تتزايد و تتضاعف ، حتى و إن بلغ الأمر حد الاعتداء ، فلا بأس بسرقة ورقة نقدية أو هاتف ذكي ، فذلك لن يوقف أبدا عجلة الحياة من مواصلة الدوران ، انزويت بنفسي خلف عمود كهربائي ، حاولت جاهدا كتم أنفاسي التي كانت تتزايد كثعلب جائع ، بصعوبة التقطت السكين من جيب معطفي ، مر زمن طويل لم أعترض فيه طريق المارة ، لطالما أبادت أختي حاجتي للمال بنفحها لي بين الفينة و الأخرى بأوراق نقدية ، كان الضوء المنبعث من مصباح العمود الكهربائي خافتا ، رأسي يؤلمني و يقول لي أشعل سيجارة و أوقف هذا الصداع ، ذكرياتي تقول لا ليس الآن ، والدك كان سيموت بسبب مرض السرطان ، غير أنه مات أخيرا بحادث سير ، أستفيق من سباتي و ألعن صانع السيجارة ، لا وقت للتدخين الآن ، بدأت خطوات القادم تقترب شيئا فشيئا ، انتظرت مروره قدامي ، كانت فتاة بمقتبل العمر ، لثانية رددت بقرارة نفسي ، من ذاك الأب الذي يدع ابنته تغادر الدار ليلا ، لعلها مومس ، لا ريب أنها كذلك ، تجاهلت أسئلة لا حاجة لي بالإجابة عنها ، و باغتتها من الخلف ، و وجهت خمس طعنات لبطنها لتسقط هي أرضا، التقطت حقيبتها و رحت مسرعا للابتعاد عن ضحيتي ، فلعل أحدهم سمع أنينها أو لمح من بعيد عرضي المسرحي القصير تحت العمود الكهربائي ، و راح يدنو رويدا رويدا ليتصفح وجوه الممثلين. انزويت بمكان خال و أفرغت الحقيبة لأستطلع ما بداخلها ، ورقتين نقديتين من فئة المئة درهم ، شاحن هاتف ، علكة، و بطاقة تعريف وطنية ، حملت البطاقة فقط لأستطلع صاحبتها قبل أن أحرقها أو أرمي بها بعيدا ، يجب أن أتخلص من أي شيء قد يكون وراء إدانتي ، فكانت هي بطاقة أختي الكبرى !! و قد تناثرت قطرات دم على الصورة ، نفضتها بلمح البصر لأتأكد إن كانت حقا صورة أختي ، فغرت الفاه مذهولا قدامها ، يا رباه ما الذي اقترفته يداي ! صرت قاتل أخته ! كانت آثار الثمالة قد غادرتني بعد لمح صورة أختي على البطاقة ، أطلقت ساقاي للريح عائدا و أنا أدعو الخالق أن لا تكون قد فارقت الحياة ، بدت طريق العودة أطول مما سبق ، كان جسدها لازال مرميا على قارعة الطريق ، وصلت متأخرا فقد سبقني عزرائيل بخطف روحها ، و ترك لي فقط جسدها لأواريه بتراب المدينة . أكتب كلامي هذا و أنا خلف القضبان هنا بزنزانتي النتنة ، يقتلني تأنيب الضمير يوما بعد يوم ، حتى أمي تبرأت مني و لم تزرني يوما بزنزانتي ، أخبرني أحد أبناء الحي ممن يأتي لزيارة والده بالسجن أنها تبكي اليوم بطوله بأن فارقت فلذتي كبدها دفعة واحدة ، سأغادر بعد سنوات و تصير لي أيضا غرفة صفيحية جنب صاحبي ، و لعل شبح الموت يخطف جدتي أسابيع قبل مغادرتي السجن و إن لم أهشم أبدا أنفها بل فعلت الذي هو أسوء من ذلك ، شققت قلبها و قلب أمي المكلومة بسكين حاد بعد قتل أختي الكبرى .

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد