رباب

تلك الأنوار

2020-01-17

" كان يومًا داميًا، كأيّ يوم عصيب يمرّ على حلب، النّوافذ تشهق، والأبواب تدق، ورائحة البارود تنتشر في الأزقة، والحزن والخوف يرافقان الجميع كالظّلال، لم نكن نعرف ماذا يحصل فعلًا، أصواتُ الدمار تكاد تفقدنا حاسة السّمع، وأشلاء الضحايا تتطاير بين السّماء والأرض كالملائِكة، كان صباحًا كئيبًا، والشّوارع حزينة، وحتّى ثيابي كانت تأبى أن أرتديها للخروج من المنزل، نهضت من سريري كعادتي، ونظرتُ نَحو المرآة، وجدتُ وجهًا شاحبًا لسيدة في الأربعين، أكلت السنون من وجهِها، أفزعتني ولم أكن أصدّق أنها أنا، فتاة العِشرين، في حلب لا فرق بين عشرينيّة وأربعينيّة، وحتّى لا فرق بين الطفل والمُسن، هنا تتعلم كيف تكبر بين كل طلقة أو قذيفة، وربما يزداد العمر حينما يهدم حائط منزلك فوق أولادك! ارتديتُ ملابسي، وأمسكتُ حقيبتي وخرجتُ من المنزل كعادتي إلى العَمل، وكان يقف بانتظاري على رأس الشارع، أذهلني كيف خرج من منزله الواقع بين (حبكة) الاشتباكات؛ ليأتي ويأخذ بيدي حتى لا يتركني وحيدة، كان يعرف أنّني سأذهب، وأنّ عنادي يفوق كلّ شيء، ويعلم حبي لذلك العمل الذي كان السبب في معرفتي به، كان رائعًا كعادته، يقف على حافة الرصيف، مسندًا ظهره إلى عامود الكهرباء، يرتشف فنجان قهوته المعتاد، ويرتدي سروالًا من الجينز، كحليّ اللون، وقميصًا أبيضَ، وسترته التي أعشقها: ملاذي عند هطْلِ المطر، ينتظرني، وحينما تلمح عيناه عينيّ، يضحك ثغره حتى يكاد صوت ضحكته يفوق صوت القَصف، ويغيّبُ عنا أصوات القتل، تلمعُ عيناه لرؤيتي فأضيء أنا، كنتُ أتمنى في كلّ يوم وكلّ مرة يأتي بها ليأخذني أن أركض وأعانقه، ولا أسمحَ حتّى لأصوات الموت أن تفكّ عناقنا. -جاءت حبيبتي -هل أنتَ مجنون؟ -نعم.. بكِ! -صدقًا ما الذي جاء بك؟ ألا تفكّر أنّني سوف أموت إن حصل لكَ شيء؟ -أموت أنا ولا يحصل لكِ شيء؟ -مُحال.. سأحطّم الموت إن حاول الاقتراب منك. -لهذا السبب أتيت؛ لأنكِ تحمينَني حتّى من الموت! -آهٍ، أحبّك فوق الحب ألف حب، ولو كان هنالك أكبرُ من الحب لوهبتك إيّاه. -وأنا أموتُ بكِ. فردتَ لي يدك؛ لأضع أصابعي بين أصابعك، وجذبتني إليك، ولم نكترث لأصوات القتل من حولنا، كان الموت يحيط بنا، موتٌ من الطّراز الخاص بمدينة حلب، كنا عاشقين لا نأبه لهذه الحرب، كنّا من النوع الذي لا يرى العالم إلا من خلال محبوبه ولأجل محبوبه، نفتّش عن أساليبِ العيش تحت سقف واحد، كان هذا كلّ همّنا، أدق التفاصيل كانت تشغلنا، كالأريكة أو مكان التلفاز، وزاوية الشرفة، وطول السّجادة، ومكان السّرير، وأشياء أطفالنا، وحتّى فناجين القهوة التي سنحتسيها أمام المدفأة مع قطع الشوكولا المفضلة لدينا، والأرضية ونوع الخشب، ذلك السقف كان كل حياتنا، أو ربما كان حلمنا الذي نسعى لتحقيقه كل يوم. الحب.. هو أسمى الأحلام، وربّما هو الخيرُ الأسمى، قمّة السعادة، ولم يعد هنالك شيء آخر يستحق العيش سواه، كنّا نتكئ على ذلك الحلم عندَ حافة القصيدة التي لا نُريدُ أن تنتَهي، لكنّ صوت القذيفة كان أسرع من حلمنا الذي أيقظنا، حينما سقطت أمامنا واندثرت الشظايا في كل مكان، لم أكن أشعر بشيء سوى بوحيد يلتف حولي محاولًا حمايتي لتخترق ظهره عشرات الشّظايا ويطبع على صدري دمه. " مات وحيد، ولم أكن أرملة العشق الوحيدة، كان هنالك ثكالى وأرامل كُثر، كانت هذه حكاية رباب وما أكثر الرّبابات في حلب!! لم تنتهِ الحَرب، لا بالزّغاريد ولا بأصواتِ رصاصات نصرهم، ولا بتوقف سقوط القذائف، وبانعدام أصوات المدافع، لم تنتهِ الحرب فمازال الثّكالى يندبون أبناءهم.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد