زواج سدسن

تلك الأنوار

2020-01-17

أغمض عينيّ على أكوام من الفساتين المزركشة، وباقات من الورود المنثورة أسفل سريري، يلمع على الطاولة الصغيرة الذهب الكثير الذي اشتراه لي أبي هدية زواجي، حزام، وشبكة تملأ صدري، وأساور وخواتم لم أحصرها بعد، وأقراط منوعة عليها فصوص ملونة، بجوارها طاولة صغيرة مرصوصة عليها علب التجميل. أنا منهكة جدا، منذ يومين و ( المنقشة ) تنقشني بالحناء، نقش هندي بديع، أصبحت قطعة فنية مثل فساتيني المزركشة، إلا أنني منهكة، انتهت أيام النقش، وليال الحناء وحفلات الأصفر والأخضر والتراثي، وغدا سيكون زواجي. انتصف الليل، وهدأت الأصوات في البيت، وأنا في الدور الثاني معزولة عن العالم حتى أستريح ليوم السفر اللذيذ، تتحرك أمي وأخواتي بهدوء خارج الغرفة، وأنا أغمض عيني بقوة عيني ولم يأت النوم. أفتح هاتفي وأقلب صور عامر، أقرب شاشة هاتفي من وجهي وأهيم حتى ينقطع ضوء الشاشة، يذهب البرد وتسكت أصوات الريح المخيفة في الخارج عند رؤيتي صور عامر، في الخامسة والعشرين من عمره، يكبرني بأربع سنوات، جسمه متناسق لا زيادة فيه ولا نقص، كانت أروى تقول لي أنه منحوت نحت!! لكني أرى أن النحات ليس مبدعا أكثر من الخالق، شعره أسود كسواد عينيه الواسعتين والغريبتين، وأنفه مستقيم ، شاربه مرسوم بعناية فوق فمه الصغير كحبة لوز، يسمح لي قميصه أن أرى صدره البارز، وعضلات بطنه وصدره المنحوتة، متوسط الطول، قوي البنية وملامحة رقيقة كنسمة صباح في فصل الربيع. لم أدر متى نمت ليلة الأمس، لكنني استيقظت على رائحة البخور تتسرب بخفة من تحت الباب، أصوات صخب خارج الغرفة مصحوبة بأغاني " منى علي " ما زال الوقت مبكرا، ولم يستيقظ الجميع رغم الصخب الذي يعم البيت. نادتني أمي إلى الغرفة الصغيرة التي حولها أبي إلى حمام بخار حين عاد من أمريكا قبل شهر، رائحة ماء الورد تفوح بقوة داخل الغرفة الحارة، الهواء خانق عند الدخول لكنه يصبح عاديا مع مرور الوقت، اختفيت وقتا طويلا في الغرفة، ثم خرجت كقطعة جبن عليها نمش أحمر مائل إلى السواد، نظرت في المرآة، أعجبني لون الحناء حين مال إلى السواد، أقلب كفيّ الأنيقين، ناسب بياضي لون الحناء فأصبحت لوحة رسم. لم أدر كيف يمر وقت العروس سريعا، كنت أصفف شعري المنكوش بعد تجفيفه بمجفف كهربائي استعدادا للكوافير، توقفت " منى علي " عن الغناء، فتحت نافذة غرفتي، وكان المؤذن يؤذن لصلاة الظهر، صليت بلا وعي، لم أدر هل أتممت صلاتي أم لا؟ كنت ابتسم في صلاتي وأدعو بفرح، أعطتني أمي بعد الصلاة لحما طريا وشهيا يليق بعروس تحمل الجنسية الأمريكية " سدسن " في يوم زفافها، تناولت القليل منه، وبدأت الكوافيرات بتجهيزي. خرجت من غرفتي بصحبة أمي وخالاتي إلى غرفة الضيوف، ترتص النساء فوق بعضهن كقطع السردين المزدحمة في علبة السردين، عرش مزخرف أعلى الغرفة تحوطه الورود والأضواء الملونة، وأنا أمشي ببطء وخجل، كدت أتعثر، رائحة البخور تغلب رائحة عرق النساء الذي اعتدت عليه في حفلات الزفاف التي كنت أحضرها حين كنت عزباء. يصيبني الهلع من مرور الوقت سريعا على غير عادته، كم من الدقائق جلست بين النساء حتى مالت الشمس نحو الغروب؟ لم أنظر في ساعتي إلا مرة حين دخلت، كانت الرابعة مساءً، ثم انفرط عقد الوقت ولم يلاحظ ذلك أحد، مشاهد سريعة من رقصات النساء، وقبلات صديقاتي ونساء لم أعرفهن، وغابت الشمس وانقشع سواد النساء من الغرفة، وخرجت من بيتي، وأصبحت امرأة, لا أرى شيئا، كنت أسمع أمي تقول لي: - مدي رجليك أكثر قليلا، فأجيبها: - أشعر أن رجلي مقيدة... علت أصوات الزغاريد، أبواق السيارات تزمر بانتظام، مفرقعات نارية كثيرة جدا، أصوات أطفال يلعبون بالقرب، وأنا أمشي بروية، أحدهم فتح باب سيارة لا أدري كيف كانت، حملني أخي أحمد من يدي وأدخلني السيارة، صعدت عمتي سلوى عن يميني وأبي عن يساري، ورجعت أمي إلى البيت تبكي. وصلت بعد العشاء إلى بيت زوجي " عامر " لم أر شيئا حين دخلت، أمسكني عامر من يدي اليمني حين دخلت، وجلس معي على العرش أعلى الغرفة، وحين كشف أبي عن وجهي، كانت النساء مرصوصات في الغرفة فوق بعضهن، ورائحة البخور تملأ الغرفة، ثم انقشع سواد النساء من الغرفة، ودخلت غرفتي، وعند الصباح كنت قد أصبحت زوجة. مر شهران شهيان كحبات التوت البري الأحمر، كلما فكرت بالخروج للمساعدة في أعمال البيت، تحلف علي عمتي أن الوقت ما زال مبكرا على المساعدة، كان كل شيء يصلني إلى باب غرفتي أنا وعامر، لم نخرج من البيت إلا نادرا، صادقت نساء البيت رغم أني لم أجلس معهن إلا قليلا. انتصف الشهر الثالث، وبدأت أساعد في البيت، وكان عملي قليلا جدا، وأحيانا لا أعمل شيئا، بدأ عامر يتأخر في الخارج على غير عادته، أفرغ خزانته إلى حقائب وأغلقها ورصها عند باب الغرفة، كنت أظن أننا سنذهب لنقضي وقتا في مكان آخر وحدنا. فجأة وأنا أرقب عامر حزينا يجمع ما تبقى في خزانته في حقيبة صغيرة، يبتسم لي ثم يطرق للأسفل، بدأ رأسي يؤلمني، وبدأت أشعر بالدوار، تقيأت على نفسي، وغبت عن الوعي من شدة خوفي، وحين أفقت كانت ممرضة بجواري تبتسم، طلبت مني عينة بول، وخرجت من الغرفة، ثم عادت مع عامر وعمتي يبتسمون، احتضنتني عمتي وقالت: مبارك عليك أنت حامل. كنت فرحة حتى أني نسيت حقائب عامر، ثم نسيتها لأني مرضت في الأسبوع الأول من حملي، كرهت الأكل إلا القليل منه، وأصبحت كسولة وكثيرة النوم. بعد أن انتهى الشهر الثالث، قال لي عامر بعد تردد: - سأسافر قريبا... - إلى أين، متى ؟؟!! - إلى أمريكا، بعد يومين أو أقل. - هل تمزح كعادتك، أم أنك جاد هذه المرة؟ - ما أقوله لك هو الحقيقة رغم مرارتها. لم أتمالك نفسي، بكيت حتى سمع صوتي إلى الخارج، حاول عامر أن يبدو ثابتا أمام أهله إلا أنه كان منهزما من الداخل، كان يبكي قلبه، وبعد يومين شبعت فيها من البكاء أخرج عامر حقائبه إلى الخارج، وتجمعت الأسرة في غرفة الجلوس الكبيرة، كلهم سلم على عامر و أنا أرجف بجوار عمتي، احتضنني منزعجا وخرج. أغلقت باب غرفتي، بادلني الرسائل في الأسبوع الأول، وأخبرني أنه وصل أمريكا، بدأت رسائله تقل يوما بعد يوم، وأصبحت عمتي امرأة قاسية، كنت أنتظر رسائله واتصالاته طويلا وأضيق من تأخره ومن نزق عمتي الذي تحول إلى مضايقة وإهانة أحيانا.... ... ثم تعودت. *_عبد المجيد الصباحي

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد