سلام ودراويش الشر

تلك الأنوار

2020-01-17

الطرق العنيف على الباب في منتصف الليل. لا مجال للإختباء، فات الأوان. لقد أمهلوها فترة كافية لكي تصمت وتسلّم الصور التي التقطتها للمصنع والمستشفى. لكن سلام لم تستسلم مدركة في نفس الوقت بأن موتها يعتبر لاشيء مقارنة بالموت الذي سيصيب مدينتها إذا لم تتخذ قراراً حاسماً. **** قبل ثلاثة أشهر التقت بخالها الدكتور صامد في عيادته وطالبته بأن يُبقي السر طي الكتمان. دخلت مكتبه بخوف وطلبت من المريض الرحيل لأن لديها موضوع أهم للنقاش، نظرت إلى خالها بعيونها البنية المرعوبة وقالت له: أريد منك أن تتأكد من ماهية هذه الصورة ..اُنظر إليها، أليست صور للأجنّة؟ كان الدكتور في حالة صدمة بسبب تصرفات سلام، لم يناقشها لأنه أنشغل بالصور التي احضرتها له. - ماهذا؟ نعم تلك أجنّة ولكن من هذا الشخص الذي في الصورة - إنه أحد رجال السيد مجدون، سؤالي هو: لماذا يضع تلك الأبرة في رقبة الأجنّة؟ ما الذي يبحث عنه؟ - إنه ببساطة يقوم بسحب السائل داخل النخاع الشوكي.. يبحث عن الخلايا الجذعية تقريباً - وما الذي يريده بالخلايا الجذعية وإلى أين سيأخذها؟ - لا أعلم ..لكن مهما يكن لا أعتقد بأنه سبب عادي. فتلك الخلايا تحمل الكثير من الأسرار التي ما زال يضعها الطب في أهم أبحاثه المستقبلية. نظرت سلام إلى خالها بذهول. نعم هي تدرك بأن لا خير سيأتي من رجل مثل مجدون، ذلك الرجل الذي يتملص من كل جرائمه التي قام بها في السابق وكأنه ساحر لا يستطيع أحد السيطرة على أفعاله. علّمها العمل في الصحافة المثابرة في حلّ القضايا، لذلك لم توفر يوم بدون البحث والتفتيش عن أدلّة تستطيع بواسطتها أن تضع حداً للإجرام الذي يقوم به بعض "الكبار" التي وضعت لهم اسماً عريضاً في مقالاتها بعنوان " دراويش الشر". فكتبت يوما عنهم: " لا يوجد خير على هذه الأرض إلا وحوله الف شر. يتحكم بخيوط اللعبة "دروايش الشر" بكل طيبتهم التي يجيدون تأديتها. يعطونك رغيفاً بعد أن سرقوا منك أكياس الدقيق، ويمنحونك شجرة بعد أن ملأوا أرضك بمزارعهم التي لا يستفيد منها أحد سواهم، ثم يطلبون منك تقبيل يدهم وشكرهم على كل الصنيع الجميل الذي قدموه لك. لكنّ لا يمكن الصمت بعد اليوم، وصلنا إلى عصر تكنولوجي يفضح الجميع ولا يترك مجالاً للتظاهر والنهب من خلف الأعين. دروايش الشر هُم العدو الحقيقي لكل النبلاء والشرفاء في هذا العصر." استمرت سلام بمراقبة رجال مجدون خصوصاً في المستشفيات، والتقطت الكثير من الصور بدون أن يلاحظوا وجودها وهي ترتدي زي الممرضة المشغولة بمراقبة الأطفال في الغرف المجاورة لقسم الأجنّة. ثم بعد ذلك قامت بملاحقتهم لتعرف وجهتهم. قادتها مراقبتهم إلى مصنع كبير يبعد عن المدينة تقريباً نصف ساعة بسيارة تسير بسرعة متوسطة. لكنّها لم تعرف أبداً الدخول إلى المصنع بسبب الحماية الكبيرة التي تحيطه فقامت بإلتقاط المزيد من الصور من الخارج. ما الذي يفعله هذا الدرويش الشرير بتلك الأجنّة؟ تسائلت بكل حيرة. لم تنم جيداً لفترة طويلة بسبب هذا الموضوع الذي يؤرقها. فكانت تجلس مع أختها سارة وتناقش معها القضية التي تشغل بالها. خطرت على بال سارة فكرة خاطفة وقالت لها " ماذا لو تحدثنا مع المهندس بركات؟". تشابكت الأفكار في عقل سلام لوهلة ثم تسائلت بتردد " أتقصدي أن يقوم بالبحث داخل الموقع الالكتروني للمصنع؟". تفاجئت سارة بسبب سؤال سلام الفوري " يبدو أن القضية تدور في كل زاوية من عقلك". لم تفكّر سلام كثيراً بل ذهبت إلى مكتب بركات بكل السرعة التي تملكها. تردد بركات كثيراً عندما سمع قصة سلام، قال لها " يبدو أن الموضوع يحتاج إلى التدخل القانوني، لماذا لا تستدعي الشرطة؟" اعترفت له سلام " لم يخطر على بالي ذلك، لكن لا يوجد دليل دامغ على تورط مجدون بأي قضية سرقة أو نصب حتى الآن". " سأحاول مساعدتك بقدر المستطاع، ولكن سنواجه بعض الأخطار". ابتسمت سلام وكأنها سمعت خبراً سعيداً جداً ووافقت على العرض رغم كل شيء. راقبا معاً الموقع الالكتروني للمصنع، لم يكن موقعاً عادياً بل كان يُظهر بساطة التصميم وقلّة الأعمال التي يعرضها لزبائنه وذلك ما يثير الشكوك. حجم المصنع كان كبيراً لدرجة أنه كان يساوي عشرات الأضعاف مقارنة بالمصانع الأخرى، وفي النهاية يحتوي على هذا الموقع البسيط؟ ويقول بأنه يصنع المواد الكرتونية؟ ترهات! قطع بركات حبل افكارها قائلاً بنبرة إنتصار" سلام! هذا الموقع يحتوي على منصة مظلمة في الشبكة" لم تفهم سلام ما الذي يعنيه بالمنصة المظلمة! لكنّه استمر بالشرح: "المنصة المظلمة هي مثل الحفرة العميقة التي تمتد من عالم الشبكة الالكترونية الطبيعي إلى عالم أعمق ومن خلاله يستطيع صاحب الموقع القيام بأعمال مشبوهة بدون أي رقابة أو ملاحظة من أي أحد" شعرت سلام بالراحة عند سماعها تلك القصة، لأنه يبدو بأن المصنع يثير الشبهات أكثر مما توقعت. سألته كيف تستطيع الدخول إلى تلك الشبكة. ظهر على وجه بركات الخوف قليلاً وارتبك في الحديث عندما قال لها "هنالك طريقة واحدة فقط، وهي أخطر مما تتخيلي"نظرت إليه بعيون مليئة بالفضول وطالبته بأن يكمل. دخل إلى غرفته لفترة قصيرة ثم أحضر معه جهاز صغير يشبه جهاز الليزر. وقال لها "الطريقة هي بدخول شخص ما إلى المنصة الالكترونية المظلمة وذلك لن يحدث إلا اذا تحول الإنسان بطبيعته الجسدية إلى مجموعة من الأرقام الالكترونية ليصبح له كينونة أخرى داخل المنصة"حاولت سلام تفسير حديثه "أتعني بأنه يمكن لشخص ما الدخول إلى المنصة الالكترونية؟ أتعني بأنني أستطيع الدخول إلى موقع المصنع؟" شعر بركات بنوع من الندم لأنه أخبرها بتلك المعلومة الخطيرة وأربكه كلامها عن دخولها إلى الموقع" لكنّ تلك مغامرة خطيرة جداً" فكّرت بكلامه جيداً وحاولت أن تفتح مجالاً لإتخاذ قرار أكثر حكمة " لماذا لا تعيرني هذا الجهاز، ربما لن أحتاج إلى إستخدامه. سوف أنشر الصور عبر مدونتي وسأجبرهم على الإعتراف. ربما سأستخدمه كأداة تهديد لا غير." لم يكن بركات نقي التفكير، فكان يريد أن يتم تجربة هذه المغامرة التي سوف تفتح له باباً في بحوثه لذلك لم يتردد كثيراً في قبول عرض سلام المغري " نعم. سأعيرك هذا الجهاز وسأعلّمك إستخدامه ولكن يجب أن نكون على إتصال دائم لأنني أنا الوحيد الذي يستطيع مساعدتك في هذه المغامرة" أول عمل قامت به عندما وصلت إلى البيت هو نشر الصور التي التقطتها في المستشفى والمصنع لرجال مجدون الذين لم يوفروا جهداً ولا وقتاً لكي يصلوا إلى هدفهم الغامض. وصلت رسائل التهديد تباعاً إليها في اليوم التالي. أدركت بأن هذا التهديد يحمل في طياته سراً كبيراً لأنها إن لم تكن تنبش في أرض خطرة فلن تحصل على هذا الردّ ابداً. كل العلامات حولها تثبت تورط مجدون بقضية مخيفة قد تهدد سلامة البلد. **** عندما باغتها الطرق العنيف على الباب، لم تعرف أين تختبئ. لم يكن بحوزتها سوى الجهاز الذي منحها إياه المهندس بركات، ضغطت على الزر واختفت. لم يجد رجال مجدون أثراً لسلام في كل المدينة، لم يخطر على بالهم أبداً أنها وجدت طريقاً داخل الشبكة الالكترونية لتختبئ فيها وفي نفس الوقت تقوم بمهمتها. شعرت بأن جسدها تحول إلى ذرات الكترونية عندما استقرت داخل الشبكة. قواعد الحياة مختلفة هناك. كل شيء يبدو مختلفاً لكنّها تستطيع التنقل بسهولة. لم توفر وقتاً عندما انطلقت إلى الموقع الالكتروني لمصنع مجدون لكي تعرف ما الذي يخبئه هناك. كانت تنتقل من صفحة إلى أخرى وكأنها تسبح في الهواء. بحثت في كل الملفات عن ماهية المشروع الذي يشغل كل هؤلاء الرجال والذي يتم تحضيره في ذلك المصنع الضخم. وجدت ملفاً مهماً يحمل اسم " خطوات السلاح". صعقتها المفاجأة عندما علمت بأن المشروع كان عبارة عن سلاح بيولوجي يستخدم الخلايا الجذعية لصناعة مواد تزرع في الدماغ ويجعله قابل للتحكم من خلال برنامج الكتروني. اتضحت الصورة أكثر الآن.دراويش الشر يحاولون صنع جيش من الناس لكي يحققوا أغراضهم الخبيثة. تفاجأت أكثر عندما رأت الصور والرسوم البيانية التي تظهر بأن المشروع يستهدف ملايين من الناس المساكين الذين سيتحولون إلى مجرد روبوتات لا تعرف سوى السمع والطاعة. سيتم التحكم بهم لكي يقوموا بالقتال تارة وبالنهب تارة أخرى. بدل أن تتلطخ أيدي دروايش الشر بالقذارة سيكون لديهم من يقوم بذلك. أسرعت سلام وقامت بحفظ كل الملفات ونقلها إلى مدونتها ثم قامت بالبحث عن البرامج التي يستخدمها لصنع الأسلحة لتقوم بتخريبها. كل العمليات تعتمد على البرمجة الألكترونية فإذا قامت بتخريب كل التطبيقات التي تتحكم بالأجهزة المصنّعة للأسلحة والأدوات الطبية ستنجح في تعطيل كل العمليات. لم يكن حظ سلام جيداً بما فيه الكفاية لأن مهندس البرنامج في المصنع اكتشف خللاً ما، لذلك قام بالبحث في الجهاز بشكل مكثف، حتى وصل إلى نتيجة أن هنالك خلل ما ربما بسبب فيروس أو "هاكر". قام بفصل كل العمليات والبرامج التي تعمل في الموقع وفي الشبكة المرتبطة بها. خوفاً من تعطل البرامج وكان قراراً ذكياً فعلاً. لأنه وبينما كانت سلام تبحث عن بقية التطبيقات والبرامج لتقوم بتعطيلها، أظلمت الدنيا حولها. ما الذي يحدث؟ لم تستطع رؤية أي شيء. شعرت بأنها اختفت عن الوجود. حاولت "الطيران" من مكان إلى أخر لكن لم يكن هنالك شيء حولها سواها وهي التي لا ترى حتى نفسها. لم يكن بيدها حيلة سوى الإتصال ببركات رغم خوفها من خروجها من الشبكة قبل تعطيل كل البرامج التي تتحكم بمصنع الأسلحة ذاك. استيقظ بركات بعد منتصف الليل وهو الذي لم ينم جيداً قلقاً على سلام، هرع إلى الجوال متفاجئاً بصوتها الخائف. " انقذني يا بركات أنا في بقعة مظلمة لا أرى شيئاً". أدرك بركات سريعاً بأنها استخدمت الجهاز واختفت داخل الشبكة الالكترونية. ذهب ليفتح جهازه لكي يلتقط الإشارة من الجهاز الذي منحه إياها. " سلام، لا يوجد وقت الآن. يجب أن تخرجي من الشبكة بأسرع وقت، يبدو بأن المصنع قام بفصل البرامج عن الشبكة." لم تقتنع هي بهذه النصحية، كيف ستهرب الآن وهي في منتصف الرحلة؟ : " يا بركات لا يمكن أن أهرب الأن أبداً. إن خرجت الآن لن يكون لدّي أي دليل إتجاههم ولن أستطيع تعطيل برامج الأسلحة التي يقومون بتصنيعها، أريد منك أن تساعدني، أرجوك" لم يعرف بركات أي معلومة عن برنامج الأسلحة البيولوجية التي يصنعها مجدون ورجاله لكنّه يعرف بأن سلام لن تستلم بسهولة فهي وصلت إلى حدّ الغرق داخل الشبكة فقط لكي تحقق مهمتها. " إسمعي، لا يوجد وقت لذلك لديك خيارين فقط. إما الخروج فوراً أو ...." قاطعته سلام بكل إستجداء " أو ماذا؟ هل أستطيع الدخول إلى الموقع حتى ولو كان مفصولاً عن الشبكة؟" تردّد بركات كثيراً وشعر بأنه سيرمي قنبلة فور نطقه بالكلمات ولكنّه قال أخيراً " نعم، ولكن حينها لن تستطيعي العودة إلى الحياة الطبيعية مرة اخرى. ستصبحين جزء من الشبكة العميقة ولن أستطيع إعادتك أبداً" كان خبراً قاسياً بالنسبة لها، هل ستعيش هكذا متنقلة من موقع إلى آخر بدون وجود حقيقي في الحياة؟ هل هذا خيارها الوحيد الأن؟ فكّرت بكل ما ستفقده إن إتخذت هذا القرار. ولكن في نفس الوقت فكّرت بكل ما سيفقده العالم لو أنها استسلمت الآن وتركت الشبكة وعادت إلى الحياة الطبيعية التي ستصبح جهنماً حقيقية إن قام مجدون بتنفيذ خطته المرعبة. كانت بين خيارين: أنا أم العالم. " أريد أن أكمل مهمتي يا بركات، أمنحني هذه الفرصة" أجابها بركات وهو يشعر بأنه سيتسبب في خسارتها لحياتها "هل أنتي متأكدة؟" قالت بكل ثقة " نعم، ذلك قراري ولن أتراجع" دخلت سلام إلى عالم آخر بضغطة زر واحدة. عالم مضيء تستطيع من خلاله رؤية كل شيء. حتى إنها تستطيع رؤية جسدها وكل ما يحيط حولها من ملفات وبرامج. بثانية واحدة تحولت إلى طائرة محاربة تضرب وتستهدف كل مواقع البرامج والتطبيقات التي تتحكم بصناعة الأسلحة. وفي المصنع، حلّت الفوضى في كل مكان. توقفت الاجهزة كلّها وكأن شللاً أصابها، تعطلت المختبرات التي تحول الخلايا الجذعية إلى مواد كيميائية معقدة تماماً. ركض السيد مجدون وفريقه صارخاً " مالذي يحدث؟" وهو يشاهد كيف يتحطم مشروعه أمامه. حتى أن الكهرباء انقطعت عن المصنع وأصبح مكاناً مظلماً بدون أي فائدة. ارسلت سلام الصور والملفات ذات الصلة إلى إدارة الشرطة والامن العام وسرعان ما أحاطوا بالمصنع رغم أنهم لم يعرفوا من الذي قام بفضح تلك العصابة. هكذا بسرعة أصبح العالم مكاناً أكثر أمناً بسبب سلام التي لم تتوقف عند هذه المهمة فقط، لكنّها راحت تبحث عن مواقع أخرى لشبكات عصابات تقوم بالإضرار بهذا العالم المسكين. أبحرت داخل مواقع مصانع الأدوية التالفة وأتلفت مشاريعهم الملعونة، وعطلت الأجهزة التي تصنّع الأسلحة النووية والكيميائية بشكل كامل، وفضحت كل الأطباء الذين يتاجرون بأعضاء البشر. أصبح الجميع يعرف من هي سلام الآن ويتمنون لو يقابلونها يوماً ما. ولكنّها تعرف تماماً بأنها لن تعود مرة أخرى للحياة الطبيعية لأنها ستبقى تحارب داخل الشبكات الإلكترونية بكل قوتها مدركة في نفس الوقت أن تلك الشبكة المظلمة ليست سجناً بالنسبة لها بل حرية.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد