عمّار

تلك الأنوار

2020-01-17

جلس عمّار مع عائلته وسط حطام المبانى فى حلب.. استغلوا يوما هدأت فيه القنابل وهدأ فيه أزيز الطائرات المقاتلة التى تحلق فى السماء فتبلغ القلوب الحناجر من الخوف والهلع وراحوا يتناولون طعام الإفطار بعد أذان المغرب فى ليلة من ليالى رمضان.. كانت الليلة هادئة جدًا خصوصًا مع انقطاع الكهرباء والتفافهم حول شمعة تجاهد لتبدد ظلام الليل.. لا صوت سوى صوتهم وسط ركام الأحجار كأنهم مجموعة من الأشباح فى بقعة مظلمة من عالم سحيق. تحدث عمار وهو يأكل فى هدوء: - " لا زلت أذكر أبى رحمه الله قبل الحرب, كنت أجلس معه فى منزلنا كل يوم فى رمضان لنأكل سويًا ساعة الإفطار ثم يوزع الحلوى على أولادى.. كان يزيد وعلى يحبانه جدًا.. ولما قامت الحرب مات أبى ويزيد فى القصف.. انهار البيت ويزيد فى حضن أبى يطعمه ".. ثم اختنق صوته بالحديث وسكت الجميع كأنما راح كل واحد منهم يسترجع ذكريات ما قبل الحرب المدمرة.. راح كل منهم يذكر سوريا التى يعرفها, وهدأت أصوات الملاعق وسط هدير الذكريات..كسر حاجز الصمت حسن ابن أخت عمار بقوله: - " تعرف يا خالى, قامت الحرب وأنا فى العشرين من عمرى.. وفقدت أمى بعدها بعامين.. أذكر كيف كنا نلعب هناك فى بيتنا ". وأشار بيده نحو بقعة مظلمة.. ثم ارتعشت يده الممتدة وارتجف ظلها على أحجار البيوت المتهدمة الجالسين حولها, فضمّه عمار وقال له: - " لا تحزن يا بنى.. غدا تعود سوريا كما كانت.. غدا تنبت الأشجار ونبنى البيوت ونعود لنلعب سويًا كما كنا ". ثم داعبه وقال: - " أم ستتهرب منى كما كنت تفعل حتى لا أهزمك فى الكرة.. آه لا أدرى أين ذهبت لقد رأيت عليًا يلعب بها منذ فترة فى الشارع بين الأحجار". استرق عمار نظرة لوجه علىّ الجالس فى هدوء يأكل مع أمه وهو لا يفهم ما يدور حوله.. لقد قامت الحرب وهو فى الثالثة من عمره.. لا يملك ذكريات كثيرة فى سوريا قبل الحرب.. لم يستمتع بجمال حلب ولم يملأ عينه منها قبل دمارها.. ثم هربت دمعة ساخنة من عين عمار وهو ينظر لولده على.. نزلت ساخنة على خده فى هدوء الظلام.. جميل هو الليل ومريح ذلك الضوء الخافت الذى سمح لتلك الدمعة أن تهرب دون قيد ولا حساب.. حاول عمار دومًا طوال سنوات الحرب أن يظهر قويًا من أجل عائلته.. من أجل من تبقى منهم, وهو يشعر أن عليه أن يحتويهم وأن يحميهم بحياته حتى تمر الحرب ويعود السلام.. لكن فى تلك الليلة سمح لبعض الضعف أن يخرج وسط أمواج الذكريات.. تحدثت علا أخت عمار: - " حان الوقت لأعلن عن مفاجأة.. لقد جمعت بعض الفاكهة والمكسرات بصعوبة بالغة وصنعت لكم حلوى نأكلها سويا بعد صلاة القيام ".. ثم راحت تنظر إليهم وتنقل نظراتها فى الوجوه: - " ألن يقول لى أحد شكرًا يا علا ؟ " ثم ابتسمت فقبلها عمار فى جبينها وقال: - " شكرًا يا علا.. أنتِ أشبهنا بأمى.. لقد ورثتِ منها روحها وحنانها". فى تلك اللحظة اقتربت قطة منهم فأسرع على وداعبها ثم مد يده إليها ببعض الأرز فى براءة ولكن القطة لم تفتح فمها الجائع فقال لها: - " ألا تريدين الأرز؟.. لا يوجد غيره ! " فاستدارت حول نفسها وجلست بين قدميه كأنها تنشد بعض الأمان فى هذا العالم الموحش ! تحدث عمار: - " تعرفون؟ أفكر فى تقطيع بعض الأشجار لبناء بيت جديد".. ثم ابتسم وقال بصوت عال: - " لا يمكن أن نظل بدون بيت فى الشتاء القادم, سوف أقطع بعض الجذوع فى الصباح وأصنع أعمدة ونبنى كوخًا صغيرًا قبل الشتاء.. على الأقل سوف يمكننا نقله لنغير مشهد الأحجار الممل " ثم تبادلوا جميعًا الابتسامات والضحكات الخافتة.. انتهى الجميع من طعامهم القليل وأخذ كل منهم ركنًا ساندًا ظهره لقطعة من الأحجار, وقام على مع عمته علا بنقل بعض الأكواب القليلة التى نجت من القصف لصنع الشاى لهم على النار ثم نادت على أخيها الأصغر: - " جمال.. جمال أحضر بعض الأخشاب وأوقد فيها النار لنصنع الشاى ".. فأجابها جمال ساخرًا فى أسى: - " لقد مضت أربع وعشرون ساعة دون نار ".. ثم قال وهو ينظر نحو السماء الساكنة: - " تبًا لهذا القصف ! ".. توقفت علا فى مكانها وهى تراقب عينى جمال المتطلعتين فى نجوم سماء حلب الصافية.. ثم تحركت وقالت " أتذكر يا جمال تلك الحلوى التى خبأتها منك فى دولاب أمى يوم قصف البيت؟ " خفض جمال عينيه وقال مبتسمًا: - " لقد قلتِ لى سأعطيها لك ليلًا.. ولكن المنزل سقط بعد أذان الظهر ". ثم قال فى شجن: - " يمكننا أن نبحث عنها وسط أكوام الحطام, لا أظن هذا الدولاب العتيق المصنوع من الصاج قد انكسر فى انهيار البيت, أتمنى حقًا أن أجد الدولاب فقد كنت أحتفظ فيه بكل أشيائى وذكرياتى.. حتى خاتم الزواج الذى كنت أنوى تقديمه لفدوى رحمها الله ".. لاحظت علا تأثر جمال بذكرياته وسكوته بعد تذكر فدوى.. لقد كانت فدوى أكثر فتيات العائلة أدبًا وجمالًا.. كانوا يعدون لحفل زفافها على جمال لكن الحرب فرقتهما.. حاولت علا جذب جمال من أمواج ذكرياته فقالت: - " آه لقد نسيت أين وضعت السكر, هل تساعدنى بالبحث فى ذلك الركن من فضلك؟ " فى تلك الأثناء جلس عمار ساندًا ظهره إلى ظهر زوجته صِبا يتحدث معها بعد تفرق الجميع.. كانت صبا مصابة فى ظهرها من أثر القصف فكان عمار يحاول أن يمنحها راحة بدلًا من استنادها للأحجار القاسية التى تضاعف ألمها ثم قال لها: - " تعلمين يا صبا؟ سوف نسافر سويا لباريس بعد الحرب كما حلمتِ.. سوف نلهو ونمرح كما كنتِ تتخيلين معى قبل الحرب".. ردت عليه: - " هل تظن أن تلك الحرب سوف تنتهى؟ " سكت عمار لحظات ثم قال: - " هل نسيتِ يا مُدرّسة التاريخ أن كل الحروب انتهت؟.. لا توجد حرب تستمر.. سوف يتوقف كل شئ يومًا ما وتعود العصفورة الجميلة إلى عشها ".. ثم سكت دون رد منها فقال: - " هل لاحظتِ اليوم أن النجوم ظاهرة وجميلة ؟ " فردت فى اقتضاب: - " لقد أصبحت أخاف يا عمار أن أنظر للسماء خوفًا من رؤيتى لطائرة مقبلة ".. فأجابها عمار " حتى لو أخبرتك أن مجموعتكِ المفضلة من النجوم واضحة تمامًا الليلة ؟".. تحركت صبا قليلًا ثم ضحكت بهدوء " صحيح.. أنا لازلت أذكر المنظار الذى وعدتنى به قبل الحرب " فأجابها ضاحكًا: - " سوف أشتريه لكِ من بارس عندما نسافر بعد الحرب " وتبادلا الضحكات سويًا بصوت هادئ.. فى تلك الساعة كان عمر ابن خال عمار يجلس بعيدًا مستندًا لحجر كبير مكتوب عليه " سوريا يا وطنى ", كان يحب أن يختلى كل ليلة بنفسه ويجلس هناك فاستغل ذلك الهدوء ليأخذ قسطًا من الانفراد بذلك الحجر.. وأغلق عينيه وأخذ يفكر فى السفر.. لم يخبر بعد أيًا من أفراد عائلته المتبقين.. لقد قتلت كل أسرته فى القصف وهو الآن يعيش مع من تبقى من عائلته.. وراح يفكر فى الابتعاد والخروج من حلب وعبور الحدود.. لقد أصبحت فكرة الهروب من هذا الواقع المرير تسيطر عليه.. يفكر فى بداية جديدة فى دولة أوروبية, ويمنى نفسه بحياة أكثر هدوءًا دون زخات القنابل صباح مساء.. يفكر فى إكمال دراسته التى كان يحلم بها.. كان كل حلمه أن يصبح مهندسًا للطيران, والآن صار كل ما يخافه هو صوت الطائرات فى السماء.. يتمنى ألا ينتهى حلمه بين أكوام الأحجار.. كم كان يحلم أن يخدم سوريا.. وطنه الذى عشق, والآن لا يجد إلا أن يجلس مستندًا على حجر مكتوب عليه " سوريا يا وطنى " !.. قطع أفكاره صوت أقدام ثقيلة, أقدام عمه العجوز غسان ممسكًا بعصاه ومعه على الصغير يمزح معه ويطلب منه أن يحكى له قصة فقام عمر ومد يده إليه ليجلسه.. ثم عاد لمكانه شارد الذهن.. - " آه يا عمر.. أراك تفكر فى السفر ! ".. تجمدت ملامح عمر وأدار وجهه ناحية عمه العجوز الجالس بجواره وهو ينظر للسماء مبتسمًا.. - " أنا أشعر بك يا ولدى, أعرف ما يدور بقلبك " ثم استدار بوجهه المجهد الملئ بتجاعيد الزمن وابتسم ابتسامة حانية: - " لقد كنت شابًا يومًا ما يا عمر وأعرف كيف تفكر.. سافر يا بنى.. انطلق وابحث عن مأوى آمن لتحقق حلمك ثم عد لوطنك إذا انتهت الحرب لتبنيه من جديد ".. سالت دموع عمر دون أن يحاول منعها ثم لم يملك نفسه أن يضع رأسه على صدر عمه ويبكى.. وفى ركن قريب كان جمال يضع بعض الأخشاب الصغيرة فوق بعضها ثم أمسك بحجرين صغيرين ليشعل النار.. ضرب الحجرين ببعضهما مرة وثانية.. وفى كل مرة ينطلق شرار خفيف وصوت مكتوم وفى الثالثة أمسك بهما وضرب ولكن.. حدث انفجار وتصاعد اللهب.. لقد عاد القصف.. كان الانفجار بعيدا عن هذا الحى ولكنه كان قويًا فاعتدل الجميع وراقبوا السماء بخوف.. ثم انفجار ثانٍ أقرب وأشد, وارتفع صوت الطائرة القادمة نحوهم, وانفجار آخر ولكنه فى هذة المرة كان قريبًا جدًا.. كان قرب الحجر الضخم المكتوب عليه " سوريا يا وطنى ".. وتصاعد اللهب وتطايرت الشظايا واختلطت الدماء بالتراب وصرخت النساء فى هلع.. فى تلك اللحظة أسرع عمار يجرى نحو اللهب بحثا عن أقربائه وعن على الصغير.. كان كل ما يرجوه ألا يفقد عليًا كما فقد أخاه من قبل.. كان يجرى بكل قوته ويعدو نحو اللهب والطائرة تستعد لقنبلة أخرى.. حاولت صبا أن تتحرك مع عمار لكنه سبقها واختفى عن عينيها وسط الظلام والدخان.. حاولت أن تتقدم وهى تصرخ: - "عمار.. عمار " كانت تخاف أن تفقد الزوج والسند الذى بقى لها وسط أتون الحرب.. رفيق الطريق الذى لا تتخيل الحياة, وأخذت تناديه: - " عمار.. عمار, استيقظ حبيبى, الأولاد ينتظرونك للإفطار " اعتدل عمار فى فراشه بحدة وحدق فى زوجته صبا فزعًا فنظرت إليه وقالت له فى حنان: - " ما بك؟ ".. نظر بعينيه عبر باب الغرفة ليرى عليًا وويزيد يلعبان بالبنادق والطائرات التى أحضرها لهما جدهما.. ثم قبّل رأس زوجته وأسند ظهره إلى فراشه وقال بصوت ثقيل: - " كابوس...كابوس بشع يا صبا ! ".

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد