في انتظار شيء ما

تلك الأنوار

2020-01-17

انسلت أشعة الشمس الأولى للصباح لتكشف عن هيكل العجوز ضخم البنية وقد غطى ظهره وبر أسد تملأه الرقع، حمَل قنينة ماء وخبزا يابسا في حقيبته الجلدية، هي المرة الأولى التي استيقظ فيها ولم يجد الخبز الساخن في انتظاره، بللَ قطعة الكتان على جبين زوجته، ثم أقفل الباب وراءه. تطَلع إلى الأفق حيث البياض يملأ قمم الجبال، توحي قسمات وجهه التي لا تتبدل أمام أي شيء، وبرودته كبرودة الثلج، أنه مجَرد من كل الانفعالات، التهمت الغابة شيئا منه، وجعلته مثل سائر كائناتها، حتى أن وبر الأسد على ظهره يزيد من صحة ذلك... مضى يشق الطريق في صمت، وحده صوت الأغصان وهي تصرخ أسفل جزمته، والطيور التي تحذر بعضها البعض في هستيرية وجنون، كان بإمكانه معرفة أزواج الأعين التي تراقبه دون أدنى حركة، فمضى بنفس الملامح الهادئة. في آخر النهار، كان ظله قد قارب الشمس وهي تختفي خلف الجبال مرسلة ما تبقى من أشعتها الحمراء الخجولة، فتسلق الجبل عائدا وقد امتلأت حقيبته بما اقتلعت يده من نباتات وأعشاب، كما امتلأ حذاءه الغليظ بالثلج الذي حولته حمرة الشمس إلى لآلئ سرعان ما تذوب، فيممَ إلى بيته مطبق الفم بعينين متطلعتين، تشتعلان سوادا وسط لحيته البيضاء. وهو في قلب الغابة فاجأته رصاصة مرت أمامه مُكسرة وجومه، تلتها خطوات مسرعة صوبه، وكلاب تنبح، أيقظ ذلك بعض الطيور، وجعل أخرى تعود لأوكارها حتى يعم الصمت من جديد. توقف ثلاثة صيادين أمامه، بَدوا حائرين من صيدهم، تقدم أكبرهم آسفا على خطئه، وشرع يبحث خجِلا، في جسد العجوز، عن المكان الذي استقرت فيه الرصاصة. قال العجوز: لا أظنك تنوي اصطياد بومة للعشاء، وقد شارفت الشمس على الغروب. بدت أمارات الإهانة واضحة على محياهم، أنقد أكبرهم الموقف بابتسامة صفراء، فأردف آخر: في البلدة سمعنا حطابا يقول أنه رأى أسدا في الغابة صباح هذا اليوم، لذا أتينا لاستطلاع الأمر. أنتم تعلمون جيدا أن الجلد الجاثم على ظهري يخص آخر أسد زأر في هذه الغابةـ قال العجوز. الصياد: يقال أنه ترك صغارا داخل أحد كهوف الجبل، لسوء الحظ الجليد يغطي المكان. العجوز، مخاطبا نفسه، رافعا بصره صوب الأفق: ما يزال الشتاء طويلا... داخل كوخه، أخرج سيقان النباتات من حقيبته، كانت قد امتلأت بالتراب والثلج الذي استحال إلى قطرات عكرة، تطلع إلى زوجته، و شعَر برغبة ملحة في حديثها... مضغ السيقان حتى أمسى لونها كلون الخريف، تطلع مرة أخرى إلى زوجته، المبولة قرب سريرها ما تزال فارغة، لم تتناول شيئا منذ أمس، نزع المنديل عن جبينها، محاولا إيقاظها، فتحت عينيها قليلا، وضَع سيقان النباتات الممضوغة في فمها وساعدها على تناولها. قالت بعد أن ابتلعت السيقان بمشقة: "نسيت أن تضع الملح". ثم لاحت منها ابتسامة أو نصفها. ابتسم، وشعر بالأسى أكثر من أي وقت مضى. فتح المطمور، كان فارغا سوى من حبة بطاطس هَرِمة صارت زرقاء وصلبة، أخذ اليقطينة الجافة، نزع الغطاء عن الصهريج الحديدي خارج الكوخ، كان سطح الماء قد تحول إلى طبقة رقيقة من الجليد، ملأ اليقطينة بالماء مُعيدا الغطاء المتصدع، رفع الكلب رأسه في تكاسل، ثم عاد ما أن أغلق العجوز الباب. كانت نار الموقد قد خمدت فجرا، مُخَلِفةً رمادا دافئا، وضع فيه العجوز اليقطينة كي يسخن الماء، ثم جلس ينتظر، وعلى وجهه علامات ترقُب مغلفة بالأمل والأسى ... أشرب زوجته الماء، وأعَد بطانيتها، آلام مفاصله تنبؤه أن عاصفة قادمة، أخذ بطانيته ووضعها فوق زوجته، فكر أنهم في حاجة إلى الطعام، وأنه قد كان عليه إحضار زوجي حمام من الغابة. أشعل الموقد بما تبقى من حطب قليل، تذكر أصيص الحبق الذي أعدته زوجته الصيف الماضي، كان يرقد متيبسا في أسى قرب النافذة، انتزع أغصانه ورماها في الموقد... أحكم إغلاق النافذة والباب ثم نزع وبر الأسد عنه، وفرشه أرضا قرب الموقد ثم نام ورائحة الحبق على كف يده. صباح اليوم الموالي، أيقظه طرق على الباب، فتح بصعوبة إذ كان الثلج يغطي المكان، وجد أمامه الباشا وكلبه، حيَاه، وسأله كيف واجه عاصفة أمس، تطلع العجوز إلى ما حوله، فقدت الأشجار أوراقها التي اختلطت بكُوَمِ الثلج وبيوض الطيور المنكسرة... قال العجوز: لم أنتبه إلى قدومها ليلا، لا أفعل إلا حين يُنتَزَعُ الكوخ من مكانه، ثم تذكر أن مفاصله قد نبهته إلى ذلك ليلة أمس. قال الباشا: أرسلني المقدم كي أطمئن عليك، قال أنه لم يجدك في مكانك المعهود منذ ثلاثة أيام.. ـ اشتد مرض زوجتي، لن أستطيع القدوم، من الأفضل أن تأتوا بأحد كي يحل مكاني. ـ أنت تعلم، إنه فصل الشتاء، والغابة في حاجة إلى حارسها... ـ سوف آتي ما أن تُشفى زوجتي. قال الباشا: بالشفاء إن شاء الله، ثم اختفى بين الأشجار بمشيته السريعة الخطى. جلس العجوز على الكرسي الخشبي منقبض الصدر أمام زوجته، يتطلع إلى تنفسها الشبيه بتنفس الغابة فجرًا. "رغم عاصفة أمس، ما تزال السماء تحمل شيئا في بطنها" ـ قال وهو يخاطب كلبه، ثم أردف: الثلج بللَ الأغصان، سيتوجب علي تجفيفها قبل وضعها في الموقد... في المساء، أشعل النار، ثم وضع فوقها حجلة اصطادها من الغابة، بعد أن نزع ريشها بالماء البارد، ورمى أحشاءها إلى الكلب.. زوجته تتعرق، أخذ منشفة وجفف جبينها، ثم جعلها تشرب بعض الماء كي تُعوض ما فقدته. غاب نهار الشتاء القصير في ظلمة المساء المبكرة، نضجت الحجلة، ظل الموقد ملوثا بدمائها، عمد العجوز إلى إضافة الحطب لإخفاء الأمر. لم تستطع زوجته تناول اللحم حتى بعدما أن مضغه من أجلها، فوضع ما تبقى داخل المطمور وقد عَقَد الحزن حلقه... واصل النظر إليها بنفس الطريقة التي كان يراقبها بها قبل أربعين سنة، وهي تنظف الملابس على ضفاف نهر أبي رقراق رفقة بنات القرية، في نفس ذلك الصمت والترقب الطويلين، غير أن هذه المرة، كان قلبه قد غاص في صدره من فرط الأسى. استيقظ في منتصف الليل على وقع أنينها، كانت تتعرق، تصرخ، تنادي باسمه، وفي مقاءيها دموع صغيرة متلألئة، أحس العجوز أنه خائر القوى، حاول أن يخمد الإحساس بالهلع الذي كان يتعاظم داخله، اجتاحته رغبة دفينة في البكاء، بقي عاجزا إلى أن نامت، بينما ظل هو في مكانه فريسةً للأرق. عاودته ذكريات غابرة، تذكر ذلك الفجر البعيد، حين قفز الاستعمار من نوافذ القرية، ناهبا كل بيت، ومحرقا كل نوالة، مات جل السكان، لم تصمد سكاكينهم القابعة تحت الوسادات أمام أسلحة الجنود الفرنسيين، قُتل والده، واٌعتُدي على أمه حتى الموت أمام عينيه، ثم غادروا وتركوه وحيدا يعض على إبهامه في هلع صامت، كان حينئذ في الثانية عشرة من العمر، انعلجت في صدره انفعالات شتى بينما الماضي يتذكره. بلغ إلى سمعه طرق على الباب، مثل رصاص البندقية، اشتد خفقانه، علم أنهم الجنود مرة أخرى، أخذ يصرخ حاضنا رأسه، استمر الطرق على الباب بشكل متصاعد، إلى أن استيقظ، كانت زوجته أمامه تتعرق، نهض من كرسيه، والدموع من أثر البكاء على جفنيه قد غيرت إلى حد ما ملامحه، فتح الباب، كانت الخيوط الأولى للفجر هي أول ما بلغ إلى مرآه، قبل أن ينتبه إلى الصيادين الثلاثة، وعلى مُحَيَا أكبرهم ابتسامة خيلاء سرعان ما داراها بوقار مصطنع لدى رؤيته العجوز. قال الصياد: آمل أننا لم نوقظك من النوم. قال العجوز: كنت غافيا وحسب. جئنا كي نعتذر عن أمس، لا أصدق أننا كدنا نُصيب حارس الغابة. أومأ له العجوز برأسه، على أنه يقبل اعتذاره. أخذ ذكر أرنب من أحد زملائه، ثم مدهُ إلى العجوز قائلا: تفضل، اصطدته الليلة الماضية حين كان يحاول إفراغ وكره من الثلج .. حمل العجوز الأرنب من أذنيه المرزوقتين دما باردا، فطن من خلال ذلك إلى أنه قد تم اصطياده قبل مدة أطول مما أورد الصياد في كلامه، كما خمن في قرارة نفسه، أن اصطياد أرنب وهو يفرغ وكره هو أمر مشين، تماما مثل رؤية كلبه العجوز وهو يلعق ذيله عند مدخل البيت. رنت أعين الثلاثة إلى داخل الكوخ، محملقين في وبر الأسد الذي كان لايزال مفروشا قرب الموقد، قبل أن يشكرهم العجوز، بابتسامة لم تكد تظهر خلف لحيته . اختفى الثلاثة خلف أشجار الأرز الكثيفة، نظر العجوز إلى الأرنب مرة أخيرة مُشفقا عليه ثم رماه للكلب، الذي شرع يشتمه في كسل... لثَم جبين زوجته، ثم تهالك على كرسيه خائر القوى يتفحصها في يأس، وكأنه يريد أن ينفذ إلى أعماقها، بينما صور الماضي تعُجُ في رأسه مثل حشرات البق على روث البهائم. ماتزال كومة الحطب التي أحضرها أمس متراكمة جنب الموقد، فكر أنه سوف يزور مكتب المقدم، ثم يأتي ببعض الحطب ثانيةً في حال تضاعف مرض زوجته ولم يستطع مبارحتها. كان مكتب المقدم مغلقا، وكرسي الباشا فارغا، سأل الحارس المُختفي خلف جلبابه الأسود عن مكانيهما، فأخبره بعد التهامه للنفس الأخير من سيجارته البخسة ورمي العقب بعيدا: ولاد الحرام، يحاولون مجددا البحث عن أسد الأطلس المزعوم داخل الكهوف المغلقة، سوف يتسببون في انهيار ثلجي ويطمرون القرية بأكملها ـ مشيرا إلى سفح الجبل ـ ذهب القايد والباشا للاطلاع على الأمر. وأردف بعد رؤيته لوبر الأسد على ظهر العجوز: عليك إقناعهم بأن أسد الأطلس الأخير يجثم على ظهرك. قال العجوز: حاولت، لكن رؤوسهم أصلب من الأرض. أخرج الحارس سيجارة أخرى وشرع في تدخينها حين توارى العجوز عن الأنظار. حين وصل إلى كوخه، كان الكلب قد تناول طَرَفَيْ الأرنب، ووضع ما تبقى من جسمه جانبا، بينما رمى الأمعاء بعيدا عنه، الأمعاء التي تمزقت ملوثة المدخل بالفضلات والأعشاب الخضراء المهضومة المختلطة ببعض الحصى، نظف العجوز المكان بحدائه الغليظ، انتابته نوبة غضب سريعة حين توجب عليه تنظيف الحذاء نفسه... وضع الحطب الذي التقطه قرب الموقد، وكذلك الوبر، ملأ اليقطينة ماءا، وفتح المطمور مخرجا ما تبقى من الحجلة، بدا أنها نيئة رغم عدم كونها كذلك، لم يفكر في إشعال الموقد، تناول جزءا من صدرها، وفكر في الأرنب الذي أعطاه إياه الصياد، كما خمَنَ، كيف لأحدهم أن يكون بصدد تنظيف مأواه من الثلج، ثم فجأة تكون أحشاؤه النتنة متناثرة عند شرفة شخص غريب، يا للسخرية...أعاد الحجلة إلى المطمور ثَانية، مرتشفا الماء وطاردا العبث عن رأسه. غشى جو المكان كآبة استسلم لها في صمت، قبل أن يشرع في تنظيف شعر زوجته من القمل، لطالما أحبت ذلك، كما أن كون الإنسان مُعْتَلًا، لا يمنعه من الاستمتاع بما يحب. بلغ إلى مسامعه دوي انفجار، تلاه انفجار أكبر، وضع رأس زوجته فوق الوسادة، و أطل من النافذة، كان الدخان يتصاعد من سفح الجبل، تذكر كلام الحارس، انهيار ثلجي هو آخر ما يحتاج العجوزان في وقت كهذا، وفكر أن أصابع الديناميت، هي إحدى أسوء الأشياء التي جاء بها الاستعمار، أسوء حتى من السراويل الداخلية الضيقة... حين استيقظ في اليوم التالي، كانت زوجته قد توقفت عن التعرق، كما توقف أنينها، لقد صارت باردة مثل الثلج، ساد السكون. باتَ المكان صمتا، الآن وأبدا، انفرد العجوز بآلامه. ابتلت عيناه دموعا، حاول على نحو مُؤْسٍ إيقاظها، لم يفكر في الصراخ، تهالك فوق مقعده، أشياء شتى تناوبت دواخله، وأحس لأول مرة بحقيقة أن الأرض ليست ثابتة، وأنها تدور بكل ما فيها من صخب حوله.. استمر الصمت للحظات، قبل أن يشرع في الانتحاب والبكاء بدموع حارة ملتهبة صاعدة من أعماق صدره، يا لها من حياة قاسية. اختلط الواقع بالوهم، شعر وهو لا يكاد يعي شيءا من فرط البؤس، أن لغط الغابة انتقل إلى داخل كوخه، وهو عاجز مثل اللاشيء، أمام كل هذه الأشياء، جاثٍ على ركبتيه، غارسا أصابع في الأرض الباردة، مثل رضيع لا يستطيع التحكم في دموعه. لم يعِ بنفسه إلا حين انتصف الليل، كانت فكرة الموت ورائحته قد ملأتا المكان حتى لم يعد هنالك مكان لضوء القمر، في العتمة تحسس جسد زوجته، انتابه شعور مضطرب، بأنها لا تزال معه، رفع رأسه محدقا في السقف وقد تسلل هاجس غريب إليه، قبل أن يُسارع إلى إغلاق الباب والنوافذ، فقد علم بأن روح زوجته ما تزال داخل الكوخ. انقضى أسبوع، لم يتناول خلاله شيئا، أسبوع من العزلة والعتمة والجوع، الثلوج قد غطت معظم الكوخ، الكلب استعاد جزءا من فطرته، حين عاد إلى النباح طلبا للطعام، والعجوز في ركن الكوخ، مثل بقايا طين منكسر، البؤس ينضح من كل مساماته، كان ينتظر حصول شيئا ما! قُضمَت أظافره حتى اختفى جلها، ولم يتبقى منها سوى الجزء الأبيض السفلي المخضب بدماء فاترة متلبدة، يصعب إدراك أهو نائم، أم مستيقظ، حي أم ميت، لم ينم منذ أيام، يغفو لفترات منقطعة وحسب، يتمنى أن يشفق النعاس على بؤسه، اسود جفناه كما لو كان يغطيهما الكُحْلُ، اختفت سحنة الرجل خلف لحيته، كان متعودا على قَصِها بانتظام، حتى في مواسم الجفاف حين يحتفظ رجال القرية بلِحاَهُم، كي تراهم الأرض فتلتحي هي الأخرى وتُخصِب، هو لن يحمل المقص ويحْلق لحيته، شيء ما بداخله يعلم أنه لن يحمل المقص، إلا لكي يطعن نفسه.. زوجته التي نامت إلى الأبد، ما تزال باردة، الثلج جعل حرارة الكوخ تنخفض فأخذت جثتها تتعفن في بطء شديد، وزوجها، يراقب الروح التي تتجول بين جدران الكوخ الأربعة، في ترقب. فجر كل يوم، تُسمع الانفجارات من الجبل، لو كان أسد الأطلس مختبئا هناك لرفع الراية البيضاء. ثلاثة أسابيع مرت، الشتاء في أوجه، استحال الثلج المحيط بالكوخ جليدا، الكلب، أخذ يصطاد الطيور من الغابة، يذهب صباحا ولا يعود إلا عند غروب الشمس، ينبح حين يسمع وقْعَ خطوات العجوز داخل الكوخ... غشى الكوخ سكون وعتمة أبديين، لا يخدشهما شيء إلا قطرات المطر، في بعض الأحيان، يرتفع صوت بكاء مكتوم مخترقا الصمت. حارس الغابة، الذي صرع آخر أسود الأطلس وأضخمها بيديه، قد تحطم لموت زوجته، من كان ليصدق أن الدنيا قاسية إلى هذا الحد؟ توقف الصيادون عن تفجير الكهوف أسفل الجبل، بعد أن انقطعت خيوط آمالهم الأخيرة. في ذلك الصباح، هلَ ضوء أصفر باهت عبر ثقوب الجدران، كان الكوخ قد تحول إلى إصطبل مهجور ونتن، الذباب والبَقٌ ملآ المكان، و جرُذ يتسلل كل ليلة من إحدى ثقوب الجدران، المطمور مفتوح، وعظام الحجلة مرمية بجانبه خالية ولو من ذرَة لحم، و جثة زوجته قد انتفخت وتحللت أحشائها فأخذت ديدان صغيرة تخرج من ثقوب جسمها... نهض من مكانه، بعد كل ذلك الصمت، ثلعتم وهو يتكلم، خاطب الروح المتنقلة داخل الكوخ بلكنته الأمازيغية: سوف أنظف المدخنة ثم أشعل النار، بإمكانك تنظيف المكان... ظل يكلمها: لا ليس هكذا، دعيني أنظف المكان وقومي أنت ب.... المشهد نفسه، وقع قبل أربعين عاما، بعدما احتلت قوات الاستعمار قريته في الريف وقتل والديه، فعمل أجيرا في حقل والده الذي استولى عليه الفرنسيون، بعد سنتين فرَ ليعيش حياته متنقلا بين القرى، حِرَفيا تارة وعطَارا تارة أخرى، كان يتسلل إلى العراصي حين يكون جائعا. كان ذات مرة قد تسلل إلى إحدى عراصي العنب القابعة قرب نهر أبي رقراق، حين سمع صوتا آتيا من جانب النهر، كنُ مجموعة نساء يُنظفن الملابس، كانت أصغرهن سنا، في اليوم التالي كانا مُجتمعان معا، في حضور والديها، يتلون الفاتحة، بعد أن اقتنع والدها بحكايته، ورأى فيه الرجولة التي جعلته لا يطلبها إلا من باب منزلها. كان في سن السابع عشرة، وهي في الثالثة عشرة، أركبها عربته، وأخبرها أنهما سوف يعودان إلى منزله بالريف، غير أنهما توقفا حين صادفا جبلا شاهقا، ظنا أنهما سوف يمضيان في طريقهما في صباح اليوم التالي، غير أنها ظلا هناك، لأربعين سنة... حين دخلا الكوخ أول مرة كان مجرد أربعة جدران وسقف خرب، قذرا تسكنه الجرذان، زوجته، ولكونها حديثة الزواج به، لم تستطع إبداء قلقها حول المسكن، فأخذت تذرع البيت، هنا وهناك دون أن تعلم ماذا ستفعل. تطلع إليها وقال بعد أن لمس ارتباكها: سوف أنظف المدخنة ثم أشعل النار، بإمكانك تنظيف المكان... مع مرور الأيام، تكيفا معا، ومع الغابة والجبل، علم أن الطريق التي خطها له الله لم تكن محظ صدفة، علم أن الجوع الذي دفعه إلى التسلل إلى عرصة العنب، لم يكن مؤلما إلى ذلك الحد، جعلته ينسى رصاص الاستعمار، ووالديه اللذان قُتِلا أمام عينيه، أحس أن زوجته، ومنذ أول يوم للقائهما، قد شمرت عن ذراعيها مُنتزعة ماضيه المفجع من داخل قلبه، تماما مثلما تُخرج البيض الغير مكتمل التكوين من رحم الدجاج المذبوح. صار المكان شبه نظيف، يبدو أن العجوز قد فقد عقله وصحته، خفت صوته الخشن، وذبل جسمه، كان جالسا أمام الموقد يضع أي شيء يجده هناك.. لا لن أفعل ذلك، قد أموت جوعا، قد يقتلني البرد لكنني لن أفتح الباب، قد تهب الريح فتحملك بعيدا قال مخاطبا روح زوجته. لا، لا يمكن للجوع أن يقتل ذلك الانتظار المطوي في قلبه. تطلع بعينين ذابلتين إلى الباب، حيث كانت روح زوجته ثم قال: أنا أيضا أحبه، لكن الكلب لن يموت جوعا، إنه يصطاد طعامه من الغابة. ساد الصمت لبرهة، قبل أن يصرخ بصوت عال، مخاطبا الروح التي جلست قربه أمام الموقد كي تنعم ببعض الدفيء : أنا أنتظر وحسب، أنتظر شيئا ما ! ينتظر شيئا مجهولا، كما ينتظر فريسة الكابوس صحوة النجاة... العجوز، لم يدر ما يفعله، أو ما ينتظر، إنه يترقب وحسب، شيئا لا يعلمه، أسابيع العزلة، جعلت روح زوجته مرئية، بل وأكثر وضوحا من الشمس التي لا يسطع نورها الخافت إلا من خلال ثقوب الجدران. مضى العجوز، يسير جيئة وذهابا في عتمة الكوخ، يحمل الأشياء ثم يرميها في الموقد مرددا: أنا أنتظر، أنتظر شيئا ما! ذات يوم سُمِع طرق على الباب، مرفوقا بصوت الكلب العجوز، كان الصياد قد أتى ثانية، نادى العجوز ،لم يتلقى أية إجابة ، حاول النظر من النافذة، لكنه لم يستبصر سوى العتمة، سُمِع وقع أقدامه وهو يغادر الشرفة، توقف الكلب عن النباح. داخل الكوخ، كان العجوز مستلقيا قرب جثة زوجته التي لم يتبق منها سوى العظام بارزة، بينما تحولت ملامحها رائحةً نتنة تملأ المكان، وروحا طافحة... لا شيء يتحرك في العجوز، جفَ حلقه، لم تقوِ عضلاته عن التحرك، مستلقيا قرب جثثها، تائه النظرات يراقب روحها المُتجولة في المكان، مازال ينتظر، كان قريبا... يا لها من حياة عابثة قاسية، تعبث في قسوة، وتقسو في عبث. المدخنة فارغة، لم يتبقى فيها إلا بضع جمرات تلتهب في صمت حين يتسرب الهواء إليها من أسفل الباب... في غفلة من الزمن، سُمع وقع أقدام على الشرفة، الكلب ينبح، بشكل عنيف هذه المرة، أحدهم يكسر الباب، يزداد نباح الكلب، أحدهم يلعن الباب والكلب، سُمعت طلقة بندقية، صمت الكلب أخيرا وإلى الأبد، كُسر الباب، اشتعلت جمرات المدخنة حُمرة، دخل الصيادون الثلاثة، واضعين أكمامهم على أنوفهم، "يا إلهي ما هذه الرائحة"- قال أحدهم، بينما أسرع آخر خاطفا الوبر من قرب الموقد، ثم فروا غير مبالين بالجثتين فوق السرير.. عبْر باب الكوخ المفتوح، حَلق الروحان عاليا، من نفس الطريق التي سلكاها قبل أربعين سنة، عاليا في ذلك الامتداد الأبيض بالسماء حيث الشفق ما زال يتردد، إلى أن اختفيا خلف الجبل..

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد