قفص صغير

تلك الأنوار

2020-01-17

بينما المطر يواصل هطوله بغزارة... كانت ترتعش برداً تحت أسمال خفيفة تشربت بمائه، تواصل عملها الذي اعتادت القيام به دون كلل، على أرصفة رمادية، لمدينة لا تكترث لأمثالها. بيديها الصغيرتين وبما ترك البرد والتعب لجسدها الهزيل من قوة، تشد على أزهارها المبللة لكي لا تنزلق من بين أصابعها، تتنقل بين عدد قليل من أناس يعبرون الرصيف مختبئين تحت مظلاتهم، تقدم أزهارها على أمل أن يشتروا منها، فيتجنبوها، ويسارعون الخطى حين تقترب منهم، ترجوهم وتلحُّ عليهم، فيتجاهلونها، تتوسلهم، فيدفعون بجسدها الضئيل بعيداً عنهم، لتترنح وتتمكن من البقاء واقفة مرة، أو تهوي وتسقط على الرصيف أخرى. على الرغم من أنها لطالما كرهت فعل ذلك، وتحملت ما تناله من سخرية.. تذمر، وتجاهل غالبا.. إلا أنها كانت مضطرة لأن تقبل المال، الذي يقدم لها أحيانا على سبيل الشفقة، دون أن يأخذ أي أحد زهرة واحدة منها، ولا أن يكترث بها شخص واحد، أو يبدي لها ولو شيء من التعاطف، من التقدير لأزهارها، لعملها.. ربما هم لم يفهموا أنها لم تطلب شفقةً من أحد، وأن كل ما أرادته هو قليل من اهتمام، قليل من حب.. .......................... في مكان ليس ببعيد عنها كان يجلس على مكتبه بجانب النافذة التي تعرض فيلما وثائقيا عن تساقط الأمطار، يُجري العديد من مكالمات الهاتف المتتالية التي لا جدوى منها، إذ ليس من السهل أن يتمكن من إيجاد ممثلة بديلة عن ممثلته الغائبة، لتؤدي عرضاً مسرحياً مدته أقل من خمس دقائق والذي من المفترض أن يبدأ بعد ساعة واحدة. بعد أن فقد الأمل أغلق سماعة الهاتف بغضب، ثم أخذ نفساً عميقاً والتفت إلى النافذة يقلب الأفكار في رأسه، لعله يجد حلاً ما لهذا الظرف العسير، لحظتها لاحت أمامه صورة بعيدة لتلك الفتاة من خلف الزجاج المتعرق، فنهض عن الكرسي وصرخ قائلا: هذه هي.. أخذ مظلته وخرج بأقصى ما أمكنه من سرعة سعياً للوصول إلى حيث رآها. اشترى منها كل ما كان معها من أزهار، ثم قدم نفسه لها... وعرض عليها أن تؤدي دوراً مسرحياً قصيراً مقابل بعض المال، شعرت بالخوف، فهي لم تفهم بالضبط ما هو المطلوب منها، أو ما إذا عليها أن تقبل أو ترفض هذا العرض الغريب، لكن بعد أن ألح عليها، وشرح لها أنها ستؤدي دورا بغاية الأهمية، وأن عمله ونجاح مسرحيته متوقف عليها، وافقت. ما كان لأي ممثلة أن تكون قادرة على التدرب وأداء دور مفاجئ سيبدأ بعد ساعة أو أقل، لكن بالنسبة لتلك الفتاة ذلك لم يكن بالأمر الصعب، فالمشهد الذي ستؤديه، هو نفس ما تقوم به من عمل يومياً، والفرق هنا أنه على خشبة المسرح. حان الوقت لأداء الدور... خرجت الفتاة إلى المنصة دون أن تضطر لأن تُغير ثيابها وترتدي ثياباً خاصة بالعرض الذي ستؤديه، بل بهيئتها المعتادة أدّت دورها كما ينبغي تماماً. مشت بين الممثلين وبدأت تتوسل إليهم ليشترو منها، لكن لم يلتفت أحد إليها وكما تعودت نالت حصة إضافية من السخرية والتجاهل...لم يتغير أي شيء بالنسبة لها، سوى أنها هذه المرة، فوجئت بهذا الجمع الكبير من الحضور، الذي بدأ يتفاعل معها، فوجئت بمشاعر وعواطف لم تعهدها من الغرباء تجاهها، مشاعر بدت بكامل الوضوح على وجوههم فقد تأثروا بشدة بذلك العرض التمثيلي حتى أن البعض منهم كان يبكي! كان التعب والبرد والجوع، وكذلك وقوفها أمام حشد من المتفرجين، قد استنفذ كل طاقاتها، إحساس غريب بدأ يعتريها، زاغ نظرها..أحست وكأنها تلتف حول نفسها، أو أن المكان هو من كان يلتف من حولها، كذلك الأرض تبتعد من تحت قدميها وتتركها معلقة في الفراغ، سقطت أزهارها على أرض المنصة... أغلقت عينيها...تمايلت وارتمت أرضاً إلى جانبها، شعرت بأنها طارت إلى فضاء أوسع، وأنها تحررت من قفصها الصغير. صاح المشاهدون... علت أصوات التصفيق... حصلت على الكثير من الثناء والمديح...ومشاعر حب وإعجاب لم تحلم أبدا بالحصول عليها في حياتها.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد