ميزان

تلك الأنوار

2020-01-17

غادر فراشه والشمس لم تغادر بعد دثارها، بتؤدة مشى كيلا تقلق خطواته الصغيرة أمه النائمة قرب رضيتعها، لقد كانت ليلة عسيرة طويلة بيضاء، امتزجت فيها جعجعة الطائرات بأنين الرضيعة وهمسات الأم العاجزة. رغم التعب عجز عن النوم، ظل ملتصقا بالجدار متلويا في فراشه، يعد الغارات ويتوقع مكانها بحسب شدة صوت الإنفجار، وزاد في سهده تلك الأسئلة المتراكمة، لماذا يقصفوننا؟ لماذا يقتلوننا؟ هل أبي في الجنة أم في النار؟ هل ستموت أختي بالحمى كما مات أقرانها؟ هل سيعيدون بناء المدرسة؟ متى سأشتري حذاء جديدا؟ كبرت الإجابات على عقله الغض، أي طريق سلك كي ينال منه جوابا ارتطم في آخره بجدار من الغموض، وحين أحس بدنو الفجر قام وارتدى معطفه البالي، وأخذ من صرة كانت قربه رغيف خبز يابس وأربع حبات تمر دسها تحت ثيابه فذاك هو قوته طيلة اليوم، وبنظرة المحب العاجز فاقد الحيلة ألقى آخر نظرة على أمه وأخته النائمتين. ود لو يضمهما إلى صدره ينال من ريحهما رشفة تشفيه من لظى الايام، وقبل أن تخرج من عينيه دمعتان خرج من البيت وفي نفسه همس أنه لن يعود. الحارة عتيقة، والبيوت تشبه في سكونها والعتمة التي تغرقها القبور المنسية، جدرانها طينية حمراء كلما قصفت الطائرات تصدعت وتفتت، وسكانها من لوعة الأسى على فقد الأحبة أضحوا فيها كالأموات. من آخر الحارة هبت ريح باردة تسربت نسماتها من شقوق ثيابه فاصطكت أسنانه، تذكر لحظتها أباه فرفع كفيه الصغيرتين إلى السماء وقال:" اللهم أني أسألك خير هذا اليوم وأعوذ بك من شره"، وقطعت طائرة مرت من فوقه كالبرق تلك الدعوة أن تصل إلى السماء، فأخفض رأسه وتأبط ميزانه ومشى. لولا ذاك الميزان لماتوا جوعا أو لأكلوا أوراق الشجر، ولكن الأم الحكيمة لم تستسلم للأقدار حين مات المعيل، قامت تجري فباعت أول وآخر ما قدم لها زوجها، خاتم الزفاف، واشترت بثمنه ميزانا مستعملا أعطته لطفلها كي يقف به في وسط السوق، تارة يزن للتجار الصغار والباعة المتجولين وتارة يزن للزبائن الذين لا يثقون في التجار، وسارت به وبعائلته الحياة على هذا النحو، كانوا راضين منها بما يسد الرمق ويسكت ضباح الجوع. كان طعامهم اليومي خبز وتمر وحليب للرضيعة وكثير من الشكر لله، أما في أحسن الأحوال وحين يمر اليوم سعيدا وتكون الغلة كبيرة يشترون طماطم وخيار، ولكن هاجسا وحيدا ظل يؤرق مضجع الصبي ويكدر كدر حياته أكثر، إنها الكلاب، الكلاب التي غزت الشوارع وتكاثرت حتى أضحت تهديدا للناس، فكثرت معها حوادث الاعتداء، وبلغت مرات حد القتل، لذا راح يتمشى ببطء في حارات صنعاء القديمة متلمسا الجدران يجتهد كيلا يحدث صوتا، وزاد الظلام في صعوبة مهمته، فلم يدري أتلك الخيالات التي يراها كلاب أم شيء آخر، وسارت رحلته بأمان حتى بان له ضوء الشارع الرئيسي، حينها تنفس الصعداء وأحس بالأمان، ولكنه ما إن دلف النور حتى رأى كلبا أسود قابعا في وسط الطريق يتأمل الصبي وكانه يعرفه. حينها أحس أنه قد فقد رجليه، وكأنه طافٍ في الهواء، سرت في عظامه برودة و حركت أسنانه الصغيرة رجفة عابرة، تبادل النظرات طويلا مع الكلب، ولم يعرف كيف وجد نفسه يدخل يده في جيبه ويخرج الرغيف، شقه إلى نصفين، ورماه إلى الكلب، وفعلا نجحت الخطة، انشغل الكلب بالرغيف وأكمل الصبي سيره ببطئ نحو السوق. كان أول الواصلين، جلس قرب مدخل السوق وراء ميزانه ينتظر ما ستجود به الحياة، مرت ساعتان ودبت الحركة في المكان، أتى الباعة والزبائن والتجار حتى اكتظت بهم الطرق وتداخلت الأصوات ودار المال ولكن لم يقصده أحد، واضعا يده على خده ظل ينتظر دون جدوى، أحس أن في هذا اليوم غرابة ما، جال ببصره في الوجوه لعله يجد فيها رجاءه فلم يجد شيئا، انتصف النهار وبلغت الشمس والزحام أوجهما ونال الصبي إرهاق وداهمته رغبة ملحة في النوم بسبب انعدام العملوقلة الحركة، التفت إلى مدخل السوق يتأمل الداخلين فوجد وجها مألوفا، كلبا كلب أسود، طار من عينيه النعاس لحظتها وراح يتأمله، كان مثل الكلب الذي لقيه صباحا، بل إنه هو، ابتهج من الأمر وقال في نفسه لا بأس إن عدت به إلى البيت بدل الطعام، لقد مسعت أبي يقول ذات مرة إن الكلاب أوفياء، رفع يده وراح يلوح بها إليه كي يأتي، ولكن الكلب ظل متجمدا في مكانه ينظر إليه لا يحيد بصره عنه وكأنه يريد من الصبي أن يأتي هو، فلما رأى الصبي ذلك أسرع نحوه متغلغلا بين الأجساد المتعرقة، فرحا بالصداقة الجديدة، ولم يقطع عليه الطريق إلا صرخة شيطانية صمت أذنيه وأفقدته توازنه وأسقطته أرضا على وجهه. للحظات فقد الوعي والإدراك. لم يفهم شيئا، ولم يعرف مالذي حدث، قام عن الأرض والطنين في أذنيه، تأمل نفسه فوجد قطرة دم وحيدة تسيل من أنفه، التفت حوله فلم يرى سوى الغبار والشظايا وألسنة اللهب تتصاعد من الدكاكين والعربات والناس، نظر خلفه فوجد عشرات الجثث مكدسة متفحمة متناثرة هنا وهناك، بحث عن مكان الغارة فوجده حيث كان جالسا قبل دقائق، وبحث عن الميزان فلم يجده.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد