رحلة متأخرة

2021-01-18

 

"الرجاء الانتباه، يرجى من السادة المسافرين على متن الخطوط الجوية الكويتية، رحلة رقم 117 والمتجهة إلى لندن، هيثرو. الرجاء التوجه للطائرة من خلال البوابة رقم 20 حالاً، وشكراً" رفعت رأسها، تنفست الصعداء، نظرت لتذكرتها، ابتسمت، حملت حقائبها وتوجهت إلى البوابة. قطعت الممر المؤدي لداخل الطائرة تحملها أجنحة الفرح، استقبلها المضيف عند بوابة الطائرة، رحب بها وأرشدها لمقعدها، جلس بقربها رجل بريطاني، حياها وأراد أن يفتح معها باباً للحوار. - هل أنتِ مسافرة من أجل العمل أم للسياحة؟ أرخت رأسها بين مسند المقعد ونافذة الطائرة، تحدق بالسماء. إنها نفس السماء التي كانت تنظر لها منذ أن كانت بالمرحلة الابتدائية، كل الطالبات يلعبن بالفرصة إلا هي، تلك الطفلة الصغيرة، بابتسامتها البريئة، وخصلها المتناثرة حول وجهها، الهاربة من الشريط الأبيض الذي يجمع شعرها عند المنتصف ويتدلى إلى منتصف ظهرها، تجلس وبيدها كراسة بيضاء، وقلم رصاص، وبقربها علبة ألوان خشبية. تضع لوحتها البيضاء بحضنها، على مريول المدرسة بخطوطه الزرقاء المتقاطعة، ترسم طائرة تحلق بسماء زرقاء، ترفع رأسها للسماء لتتأكد من وجود الطائرة، رغم أنها بخيالها، ترسم غيوم متناثرة، والشمس مختبئة خلفها باستحياء، تلون ما رسمت، ثم ترفع كراستها للسماء لتتأكد من تطابق الرسم بالواقع. يدق الجرس معلناً نهاية الفرصة، تعود للفصل، وبختام الدرس تسألهن المعلمة عن رغبة كل واحدة منهن بما تريد أن تعمل حين تكبر، ترتفع الأيادي وتختار المعلمة واحدة لتقف وتجيب السؤال. - نور، أخبريني، ماذا تريدين أن تعملي حين تكبرين؟ - دكتورة. - هذا رائع، وبأي تخصص من تخصصات الطب ترغبين أن تكوني؟ - كلا، لا أرغب أن أكون طبيبة، أريد أن أكون دكتورة، أعلّم في الجامعة، أهيئ الطلبة لاستقبال الحياة الوظيفية بعقل متميز ومتفرد. - أول مرة أسمع إجابة جميلة كتلك، بورك تفكيرك يا صغيرتي. ابتسمت وجلست على مقعدها، وأكملت المعلمة تلقي إجابات الطالبات. نظرت إلى السبورة السوداء المعلقة على الحائط، والكلمات المخطوطة بالطباشير الملون عليها، شردت بفكرها بين ألوان الطباشير، متعجبة من قدرتها بالتغلب على سواد السبورة، وحين تمحى تحيل السواد إلى بياض. كانت تتخطى الصفوف بتفوق مبهر، تخرجت من الثانوية العامة بتقدير امتياز، يسمح لها بالانضمام لأعرق الجامعات، إلا أن والدها رفض فكرة سفرها خارج البلاد، كما رفض دخولها الجامعة إلا أن تكون على ذمة رجل، يسندها ويعينها على هذه الرحلة الجامعية الخطيرة، فبحسب تعليم أبيها البسيط، وإخوانها الذين لم يتلقوا تعليماً يتجاوز المرحلة المتوسطة، يرون أن الفتاة يكفيها التعليم البسيط، وتحتاج لتعلم المهارات الحياتية، من طبخ وتنظيف وترتيب المنزل، والقيام بشؤون الأسرة، وتنفيذ كل ما يسعد زوجها. كانت تصلي وتدعي أن يرسل لها الإله زوجاً ينقذها من هذا الظلم الذي وقع عليها، ويساعدها على تحقيق أحلامها وطموحاتها المتكسرة على صخرة المجتمع، حتى انتهى عام وهي لم تتعدى باب منزلها. عام رحل وطوى معه صفحة حلم بمستقبل دراسي، بمستقبل وظيفي، وبالتأكيد مستقبل مرموق. بأحد أيام الشتاء الباردة، حل الربيع باكراً على قلبها، حين خُطِبَت، لشاب يعمل مع أحد أخوتها، بنفس الوظيفة التي لا تحتاج لمؤهل دراسي لدخولها، فقط تدريبات قاسية ومعرفة بأنواع الأسلحة وكيفية استخدامها. قبلت، وزفت إليه خلال شهر، بحفل زفاف حسدها عليه كل من حضر، وكادت تحسد نفسها بفرحها الذي حل عليها بتحقق كل أمانيها دفعة واحدة، زوج وسيم، مفكر، رائع، متعاون، متفهم، ووعدها حين خطبها بمساعدتها على إكمال دراستها الجامعية. بعد انقضاء شهر العسل، الذي قضته بين فرح وتردد باختيار اللحظة المناسبة لإخباره بالبدء بإجراءات التسجيل للفصل الدراسي الثاني بالجامعة. قررت حسم أمرها بإخباره حين يعود من أصدقائه في المساء. استعدت كثيراً تلك الليلة أكثر من استعدادها لفرحها، جهزت طاولة الطعام بما لذ وطاب، وزينتها بالزهور والشموع، عطرت المكان كما عطرت فستانها الجديد. دخل عليها متأخراً، غترته على كتفه، وعقاله على رأسه، وبفمه سيجارة غير مشتعلة، يغني ويترنح. كان بحالة سكر، وهي تعاني من الصدمة، لا تعرف ماذا تفعل، ماذا تقول، وكيف تتصرف. - هل أنت سكران؟ - وما سكرت إلا بحب ريم، وما أنتِ إلا لها بديل. - من هي ريم؟ - هي حبيبتي، وتاج رأسكِ، هي عشقي ومعشوقتي، ملكتي ومالكة قلبي. بعينين دامعتين، وصوت متحشرج، تقاوم غصة الحياة. - ومن أنا؟ - لا أذكر اسمكِ، أعلم بأني تزوجتك لإرضاء أمي، بعد أن غضبت عليّ حين علمت بعلاقتي بريم. حاولت أن أنساها بالمشروب، ولكن لم أستطع، فأخذتكِ بقباحتكِ ودمامتكِ. لم تقاوم صراع الدموع بعينيها، فتناثرت كحبات لؤلؤ انفرطت من عقدها. - لكن.. أنا.. وأنت.. - أنتِ خادمة لي، فقط لا غير. - ودراستي؟ - هل صدقتِ أنه يمكنكِ إكمال دراستكِ؟ يكفي ما تعلمتيه. لن تدخلي الجنة بشهادتكِ، ستدخلينها بطاعتي. - ولكن...... كف طبعه على وجنتها، سقطت مغشياً عليها، بصق عليها بعد أن ركلها وذهب إلى غرفته. نهضت فجراً بعد أن استجمعت قواها، لملمت بقايا كرامتها المتناثرة على الأرض، اغتسلت وتوضأت وصلت، دعت الله كثيراً، أن يخفف جراح قلبها، ويرمم خدوش روحها، ويمدها بالصبر. اتصلت بوالدتها، فردت عليها ألا تعود، فغير مسموح لها أن تتطلق، وكلها مسألة وقت وسيصبح أفضل. وبالفعل لم يكن يحتاج إلا للوقت، فصار أقوى، وتفرعن عليها. تزوج ريم وأسكنها معها بنفس المنزل، وجعلها تعمل خادمة لكلاهما، ومن بعدهما أولاده. حرمها من نعمة الإنجاب، ولم يقترب منها، عزلها عن العالم، ولم يسمح لها أن تزور أحد، أو يزورها أحد، حتى نست أحلامها وروحها، وغرقت بعالم زوجها لعقدين من الزمان، توارى خلالها والديها تحت التراب، وإخوتها وارتهم الدنيا بمشاغلها، ولم يعد لها بهذه الحياة سوى نفسها. قررت أن تنهض من الرماد كطائر فينيق خالد، لتستدرك ما فاتها وتعوض تفاؤلاً بالقادم. "يرجى من السادة المسافرين على متن الخطوط الجوية الكويتية، رحلة رقم 117 والمتجهة إلى لندن، هيثرو. الرجاء التوجه إلى الطائرة من خلال البوابة رقم 20 حالاً، وشكراً" توجهت للبوابة، استقبلها المضيف، رحب بها وأرشدها إلى مقعدها، جلس بقربها رجل بريطاني، حياها وأراد أن يفتح معها باباً للحوار. - هل أنتِ مسافرة من أجل العمل أم للسياحة؟ - للدراسة. - لا بد أنكِ بروفيسور أو دكتور رسائل!! - بل طالبة بكالوريوس. - مؤكد أن حياتك كانت مليئة بالأحداث التي جعلتك تتأخرين جداً. واسمحي لي لا أقصد أن أشير لشيء، كعمرك ولكن توقعت أنك كما ذكرت مسبقاً. - عمري قارب الأربعون سنة، لكن رحلة متأخرة الوصول خير من رحلة متوقفة لا تصل أبداً. استأذنته وابتسم لها رداً بموافقته، وضعت السماعات على أذنيها، وأرخت رأسها بين مسند المقعد ونافذة الطائرة، تحدق بالسماء. ها هو الحلم سيتحقق أخيراً، وإن طال انتظاره. ها هي تسعى لنيل شهادة حلمت بها، بعد أن نالت حريتها. تخطو أول خطوة تشعرها بأنها على قيد الحياة، على قيد الفرح، على قيد النجاح، وعلى قيد كل شيء جميل.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد