الغداء

2021-01-18

لا أحد يعرف لمَ دعوت هذا الرجل للغداء. حتى أنا ذاتي، لا أعرف. فقد وجدت نفسي واقفاً أمامه، قائلاً له بكل صراحة " لنتناول الغداء معاً " . عندئذٍ فغر فمه وللحظات ظل صامتاً قبل أن يقول بدهشة " هل تعرفني؟! ". لا، لم أكن أعرفه وليست لدي نية لمعرفته. أنا فقط رجلٌ غريب قرر أن يدعو شخصاً لا يعرفه لتناول وجبة الغداء معه، ولا أعتقد أن في ذلك بأسا أو أذى. حسناً، سأخبركم الحقيقة. لستُ رجلاً شديد الصلاح لأفعل هذا دونما سبب ولكنني رجل جبان وأنا بدعوته أعاقبُ نفسي. **** في الصباح، عندما حاولت النهوض من فراشي شعرت بأوتار ظهري تتقطع. لقد كان الأمس يوماً مهلكاً لكننا في اليوم الان. وبعد ساعات سأكون قد استملتُ أجرتي وهذا كفيلٌ لجعل الأوجاع تنزلق من على ظهري ثم لا يعود لها أثر. لم تكن زوجتي حاضرةً لتعُد الإفطار لي. فقد رحلت عن المنزل. لا أذكر منذ متى غادرت، لعله أسبوعان أو ثلاثة. لا أعرف على وجه التحديد ولا أعتقد بأن لهذا قدراً من الأهمية. لقد غادرت وهذا فقط ما يجدر بي تذكره. أخطو نحو المطبخ بكسل، وأشرع في تناول رغيف جاف، يؤملني حلقي فأبتلع كمية كبيرة من الماء. يا الله ما هذا الألم! **** " أرجو أن يكون هذا كافيا " قالها باستحياء وهو يضع بضع أوراق نقدية في كفي. لم يكن ملمسها يوحي سوى بملغ ضئيل جداً مقابل ما قمت بعمله ولقد شق هذا ظهري. كان علي أن أصرخ في وجهه. أن أسدد له لكمة عنيفة في أمعائه. أن أبدي امتعاضي حتى!. لكنني كنت خائفاً من أن يركلني خارجاً ثم لا أتمكن من العودة. فقد كان هذا أول عمل أحصل عليه مُنذ شهر. إذ أنني كلما كنت أحصل على واحد ثم أتذمر تجاه الأجرة البخسة يتوقف أصحاب العمل عن الاتصال بي ويستبدلونني بجائع أخر. فأغرقُ في فوهة الإفلاس والجوع دون أن يقلق هذا راحة أحد. وها أنا ذا أتلقى أضعف أجر لي منذ عام كامل ولا يسعني حتى أن أفتح فمي. اه يا زوجتي اللئيمة لربما أن هذا يسعدك الان. **** تجاوزت الساعة الواحدة ظهراً ومازلت أقبض على النقود في يدي فلم تكن كرامتي قد احتملت أن تنظرت إليها علاوة على أن أدسها في جيبي. فقد شعرتُ بمهانة بالغة وخلت للحظة بأن هذه النقود تسخر مني وتقول لي بخباثة " أيها الذليل الجائع أنا ثمنك ". أفقدني تخيل هذا صوابي. فأخذت ادق راسي بحائط أحد المرافق الحكومية التي صادف مروري بجواره. ولما تعبت، جلست محنياً راسي كطفل عنفه والده للتو، وأخذت في البكاء. "سأحرقها. لا لا، سأقطعها لألاف القطع. سأدوسها بحذائي المتسخ وأتبول عليها. سأذل هذه النقود اللعينة" يا لي من طفل متهور. دسستها في جيبي وقررت إنفاقها مقابل وجبة غداء. قلت لنفسي " ليست ثمن لك، إنها فقط ثمن وجبه طعام سرعان ما ستصبح خراءاً ..إنها خراء ولا شيء أخر" **** " أنا غريبٌ عن هذه المدينة " لم أكن غريباً لكن الرجل منا يشعر بالوحشة تجاه مدينته من وقت لأخر. رمقني بنظرة متفحصة ثم أردف " هل أضعتَ الطريق؟ " لم أجب. كان رجلا نحيلاً في الثلاثين من عمره على ما يبدو. يرتدي بنطالاً بنياً وقميصاً أسوداً سلبتهُ الشمس قدراً هائلاً من سواده. كان يضع نظارة مستطيلة العدسة ذو طراز قديم وقد أضفت على وجهه العادي قبحاً رهيباً. هل يمتلك هذا الكشك أم أنه عامل فقط؟ . لا أدرى ولا أدرى أيضا لمَ أخترته من بين جميع الرجال في هذا الشارع المكتظ ليشاركني تحويل هذه النقود الى خراء!. " لنتناول الغداء..معا " " هل تعرفني؟! " أخذت نفساً وقلت بجدية " أسمع، لدي نقود وأنا جائع ولا أعرف أحداً ليرافقني " " يمكنني أن أدلك على مطعم قريب " " أنا اشعر بالوحدة " قلتها وأنا اطرح على الأرض نظرة بائسة. لقد بدا هذا دراميا للغاية، لكنه نجح. **** أستغرق اغلاقهُ للكشك ثلاث دقائق وتسع أخريات حتى وصلنا لأقرب مطعم. " هل ترغب في أن تأكل شيئا معيناً؟ " بادرته كان هادئاً ويجلس باستقامة، بيد أن ملامح وجهه لم تظهر بأنه مرتاح على الاطلاق. " حسنا، سأطلب أنا لكلينا "قلت له، فأومئ برأسه مستحسناً الفكرة. ثم أتبعت " قل لي، كيف تبدو رائحه الجرائد؟! " " رائحة الجرائد؟! " " نعم " صمت لبرهه وكأنما يسترجع رائحتها في راسة ثم أردف " كرائحة الفناء " رفعت حاجبي مستغرباً من رده " الفناء! ..لقد توقعت رداً أكثر شاعرية كذاك الذي يكتبه عشاق الكتب، يتغزلون برائحة الأوراق ويكتبون نصوصاً طويلة عن هذا الهراء. أردتُ أن أعرف ماذا عن عشاق الجرائد فهي أوراق مختلفة في الملمس والرائحة. الفناء؟! يا له من تعبير! " أشرت للنادل وحالما أتى قلت له " لتقدم لنا الاطباق التي تستغرق وقتاً طويلاً لإعدادها " قال النادل بأدب " أطباقنا تعد حسب الطلب، لذا هي تتأخر نوعا ما " ثم أردف " لعلك تريد غسل يديك سيدي " نظرت نحو يدي. كان عليها أثر طلاء من ليلة البارحة. شعرت بالإحراج أمام ضيفي. يا له من نادل وقح. اين نحن؟ تلفتُ حولي، فظهر لي مطعم أنيق لم يسبق لي أن دخلت واحداً مثله. كراسي وثيرة وديكور رائع واناس يأكلون بعناية ورقة بالغيين. إنه أحد هذه الأماكن القليلة في العاصمة والذي يقصدها الناس ليتظاهروا بكل الأمور الرائعة الممكنة والتي ليسوا عليها خارجه. " لا لا أريد " ثم لوحت بيدي كي يذهب وكأنني أهش الذباب من حولي. لم تكن حركة لائقة. أنا أعترف. عدت لأرمق ضيفي بنظرة ضيقة متسائلة " الفناء؟! " " أنت تعرف جريدة اليوم لن يشتريها أحد غداً، لها عمر محدود وقصير للغاية مما يجعل من السهل مراقبتها وهي تتحول لشيء أخر. مثل أن تصبح أوراق للف السندوتشات في المقاصف المدرسية أو قمامةً فقط " " إذاً أنت تعتقد بأن الشيء يفنى عندما لا يعود ما وجد لأجله؟! " " أعتقد هذا " " إذاً انا فان! " " كبشر نحن مخلوقات فانية " " أقصد أنني قد فنيت. بل أنني قد فنيت منذُ زمن طويل فأنا لم أكن يوماً ما خلقت لأكونه " حك ناصيته بسبابته وبدا أنه يرتب لقول شيء مهم " نعم. يمكنك أن تقول هذا ولكن هذا بافتراض أنك تعرف ما خلقت لتكونه، هل تعرف؟! " دفنت وجهي بين كفي. أغمضتُ عيني لبرهة ثم هززت رأسي نافياً " لا. أنا لا أعرف " " حسناً. لا تبتأس. إن هذا الجهل هو ما يدفعنا للاستمرار " أحضر لنا النادل كوبين من الماء. وضعهم على الطاولة بعناية ثم قال بصوت متلطف " أرجو أن تحدد يا سيدي طلبك بدقة حيث أن أطباقنا الرئيسية تصل للعشرة " " لتأتي بالعشرة! " قلت بانزعاج وأنا ألوحُ له كي ذهب. بدا أنه غير متأكد مما قلته، فأعاد السؤال عن الطلب. " أسمع. أنا رجلٌ بائس وهذا رجل بائسٌ أيضاً. معك حق ملابسنا رثة ووجوهنا قبيحة، لكننا نستطيع دفع ثمن الغداء، لذا أنصرف أرجوك " شعر النادل بالحرج وأخذت يتلعثم " انا لم اقل..اقصد..انا..حسناً، حسناً " ثم التقط نفسه بخفة وذهب. نظر الضيف نحوي ثم قال " هل أنت متأكد من قدرتك على دفع الثمن؟. يبدو المكان باهظاً! " نظرت للسقف نظرة حالمة وقلت " أتعلم؟! لقد وددت أن أكون رساماً" " هذا لطيف. لمَ لم تصبح كذلك؟! " " لأنني أردتُ بعد فترة وجيزة أن أكون فلاحاً " " هذا تغيرٌ هائل! " " ما الذي أردتَ أن تكونه؟! " " لا أعرف، ربما شاعر! " " نملك جذور فنية لرغباتنا. ها نحن ذا نكتشف أول رابط بيننا، لربما نصبح أصدقاء! " " أنا أسف. لكنني لست مهتماً بصداقة أحد " " هل أنت شخص منطوي؟! " " لا. ليست لدي مشكلة في أن اقضي أوقاتي مع الأخرين، هانا اقعد برفقة رجل غريب لتناول الغداء دون أن أبدي إنزعاجاً ظاهراً من ذلك. لكنني لا أريد صديقاً وحسب " " إذاً يخيفك أن يخترق أحد مساحتك الشخصية؟! " " بل يخيفني الأمل " " الأمل؟! " " أنت تعقد الآمال على أولئك الذين تقربهم منك. تفترض بأنهم سيكونون معك في مواجهة الوحدة وسيهمهم أن تكون دائماً بخير. وستشعر معهم بالاطمئنان على ظهرك. ثم ماذا؟! أنت وحيدٌ بين الحشود، تأكلك الخيبة في صمت. يا لهذا الوجع!. لا أظن بأنني مستعدٌ لتحمله" ساد الصمت " زوجتي تركتني " " هل تفتقدها؟! " " لا.. لكنني أشعر بأن شيء ما ناقصاً. هنالك حجر مفقود من الحائط وهذا يجلب البرد! " يشرب قليلاً من الماء بهدوء " ماذا تعمل؟ " يسألني " أقوم بطلاء جدران المنازل " " هذا قريب من رغبتك الأولى! " " لقد رسمت البارحة زهرة كبيرة في جدران إحدى الغرف " " هل كانت رائعة؟! " أعدل من جلستي وأقول بحماس طفل " رائعة؟! لقد كانت مدهشة، لن تصدق بأنني ظللت لنصف ساعة اتأملها حال انتهائي منها. لقد شعرت بذلك الشعور، ذلك الذي يأخذ الهواء بعيداً. لقد شعرت بالعشق! " " لطالما تساءلت كيف يبدو " " شعور أن تصنع شيئا ثم تقع في غرامة؟ " " شعور العشق " " كيف كنت لتصبح شاعراً إذاً؟! " " أعتقد بأن هذا سببٌ لكوني بائع جرائد ولكن لا أعتقد بأن الشعر قائم على الحب، هنالك مشاعر أخرى تسنده .. كالغضب والخوف و الكراهية حتى! " " هل تكره أحدا؟ " " إننا لا نكون بشراً عندما نحب الجميع! " " هذا عنيف للغاية! " يهز رأسه نافياً " يكون الأمر عنيفا عندما تقوم باذيه الأخر لأنك فقط تكرهه، دون ذلك فمن الصحي جداً أن تكره " " أنا أكره نفسي " " ليس في ذلك خطر مادام أنه لا يدفعك لأذيه نفسك " " كأن اقتل نفسي مثلاً؟! " " هذا نوع من الأذية " " لقد فكرت في الأمر " " ولماذا لم تفعل؟ " " ككل الذين لم يفعلوا، كنت خائفاً " " من الموت؟! " " لا. من أن تكون هنالك حياة أخرى أشد سوءاً " " مازلت ذاهباً إليها في نهاية الأمر! " " الجميع يعرفون بأنهم سيموتون ولكنهم لا يمانعون في أن تطول المدة. " يضع النادل الغداء على الطاولة بهدوء وينصرف. أنظر لضيفي وأقول " هل تريد أن تعرف بأنك في مطعم راقي دون أن تبصر؟ " " فقط تحسس كمية الطعام على الاطباق! " ضحكنا.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد