في القلب والمساء والذاكرة

2021-01-18

 

في القلب و المساء و الذاكرة في الجامعة أمضى حسن عشر سنوات في الجامعة، عشر سنوات وهو يؤرخ أو" يخرخر" كما كان يقول، كيف انتهى به المطاف إلى التاريخ؟.... لا يدري... كيف رماه البحر إلى شاطئ الخرافات والأراجيف المنطقية المتآكلة؟.... ما زال لا يدري .... كيف صار متحفا زاخرا بالممياوات ولُقية يعلوها الغبار؟ ... لا أحد يدري..... لم يخطر بباله يوما أن يكون خبرا ولا أثرا؛ وها هو اليوم يقف وحيدا كجدار منهد لا يتقدم إلا في العمر. درس التاريخ القديم من السومريين إلى الأكاديين إلى البابليين إلى آخره، درس مجمل التاريخ ومفصله وما قبل التاريخ، نبش في العصور الحجرية والطباشيرية والبرونزية دون أن يجد شيئا، استوعب الاشتراكية والرأسمالية واقتصاد السوق، حفظ كل التكتلات العمالية وطوابير العمال من اليمين إلى اليسار إلى الوسط ليجد نفسه في النهاية دون عمل. عشر سنوات كاملة من الوهم اللذيذ، من علامات النصر والهتافات و"الطاباجات" والمواجهات والاعتصامات، هو من أصخم جوانب الحي الجامعي بشعاراته ومناظراته، هو من قاد المسيرات الحاشدة وتفاوض مع أعوان الإدارة، هو من يجلس اليوم كقرد معزول في مدينة منسية ميتة لا تعرف عنه شيئا، حتى أمه لا تعرف عنه سوى أنه كان مجتهدا وينجح كل سنة، وأنه حصل على شهادة كبيرة مزركشة. على قارعة الطريق ها هو حسن بقامته القصيرة ولحيته الكثة وعينيه الحادتين يقرفص عند ناصية الشارع، هيئته متسخة قليلا؛ قميص أبيض حائل مرقط ببقع زيت، وسروال جينز استحال لونه إلى رماد، على جانبه الأيمن تتربع حقيبة جلدية بنية قذرة وغير بعيد عنه ينتصب صندوق خشبي يخبئ في أحشائه قنينتي بنزين مهرب، ويتدلى منه قمع بلاستيكي أحمر. الذين يعرفونه لا ينادونه إلا ب"اللصانص" رغم أن هذه الكلمة لم تكن تعجبه كثيرا لأنها حمالة أوجه وتبطن أكثر مما تظهر، لصانص: شهادة، جامعة، وعي، ثقافة ... لصانص: بنزين، نفط، مازوط .... كان يراها تعبيرا دقيقا عن فشله المزري، وعن تبخر سنوات شبابه دون فائدة، كيف قضى كل هذا العمر في مطاردة الهباء؟... مازال لا يدري.... ها هو حسن بعد عشر سنوات يقف كخرقة بالية تلهو بها الريح، عليه اليوم أن يصعر خده للصفعات ويستعد لتلقي بساق وهمس ولمز الفاشلين الذين لم يغادروا جدران مدينتهم، الفاشلين الذين ما زالوا تحت وصاية آبائهم والذين يفكرون في الزواج وهم تحت وصاية آبائهم، والذين تزوجوا وأنجبوا وهم تحت وصاية آبائهم، كل صباح عليه أن يرسم ابتسامته الساخرة على وجهه وأن يستعد لتوالي الأسئلة الطائشة التي تُقصد قلبه ... كم قضيت في الجامعة يا حسن؟ لِم لم تتوظف بعد يا حسن؟ لم لم تصبح شرطيا كبيرا؟ لم لم تتعلم مهنة أبيك منذ البداية وتستريح؟ لكُنتَ اليوم " مْعلَّم" في الزليج. عليه اليوم أن يعترف بأن علمه وثقافته ليسا سوى هباء، وأن عليه أن يدور مع عجلة الخبز التي تطحن كل من يقف في طريقها، الخبز؛ تلك المادة المقدسة التي كنا نقبلها نضعها في مكان عال كلما صادفناها مرمية في الطريق، تعلمنا ممن جربوا الجوع قيمة تلك المادة المقدسة، اليوم عليه أن يتعلم من جديد احترام الخبز وتقبيله ووضعه في مكان عال جدا؛ لأن الخبز هو البنزين المحرك للحياة، وإذا وجدت خبزك كفاف يومك فأنت محظوظ وموجود. في البيت و المساء و الذاكرة يكره المساء كثيرا؛ لأن كل ما فيه يذكره بحزنه الأبدي، الشمس الآفلة، الظلام الزاحف رويدا رويدا، والعينان المنهكتان اللتان أتعبهما الانتظار ... لا شك أنه سيراه اليوم أيضا، سيرى انعكاس فشله في عينيه الذاويتين، سيجلسان حول المائدة كالعادة يحملقان في التلفاز الذي يعيد أخبار الموت والدمار المكررة، أو يحملقان في بعضهما دون أن ينبسا بكلمة واحدة، كان بوده قول الكثير الكثير، بوده أن يقول: ـ كيف حال صحتك اليوم يا أبي؟ أنت ترهق نفسك كثيرا في العمل.. لكن، أنى له ذلك وهو يعرف أن هذه اللقمة المرة التي يدخلها جوفه ممزوجة بعرق ودم أبيه، كيف يجرؤ على الحديث أمامه، ثم عن أي شيء سيتحدثان يا ترى؟ عن ارتفاع ثمن البنزين، عن أحوال الطقس، عن ثمن الخضروات، ما فائدة دراسته وثقافته وكتبه إن كان لا يستطيع أن يكلم والده، لا يستطيع أن يحكي له نكتة وأن يضحكا معا كطفلين، كيف صار غريبا عنه إلى هذا الحد! كيف لم ينتبه للزمن الزاحف على ملامحه! كيف شاخ هكذا فجأة دون أن يلحظ ذلك! سقطت شظايا من شعره الأشيب، من أسنانه الأمامية، من وجهه وأنامله المتيبسة، أكَلَه الإسمنت والآجر والحصى فأصبح شبيها بسيارة خردة مركونة في الخلاء .... تذكر كيف قضى خمسين عاما وهو يحفر ويردم، خمسون عاما وهو يبني ويقوض دون تعب، تذكر أيام كان يأخذه معه للعمل، تذكر كيف كان يحمل ـ وهو طفل صغير ـ أكياس إسمنت أثقل منه بمرتين، كيف كانت تتورم قدماه ويداه من البرد، ويتخشب ظهره من الانحناء ويتلطخ وجهه بالخرسانة، لقد عرف دائما أنه ينتمي لطوابير البغال، لكن ما يؤلمه اليوم هو أنه بغل "إنتلجنسي"، فليس المؤلم أن تكون بغلا لكن أن تعي أنك بغل. يستطيع اليوم تحمل آلام الظهر والمفاصل، لكنه عاجز عن تحمل تلك المطرقة التي تهوي على رأسه كل ليلة وتلْطخه بكل قسوة مرددة على مسامعه: "دافع عن البغال، أنشئ نقابة للبغال، لا بد للبغال من حياة كريمة" ، يتقلب في فراشه، يتحمس كثيرا، يتعرق أكثر .... لكنه في الصباح عندما يقف أمام المرآة، عندما يرى انعكاس وجهه الذابل وأذنيه المرتخيتين يقف أمام الحقيقة المرة ويهمس لنفسه: ـ البغل يبقى بغلا، يمكنك استغلاله بكومة تبن وفي أصعب الحالات بحفنة شعير. في غرفة السطح كان يعيش في غرفة منزوية في السطح كراهب، غرفة عسكرية الطراز لا يؤثثها سوى سرير وكرسي وطاولة والكثير الكثير من الكتب، كانت الكتب منثورة في كل مكان من الغرفة، فوق الطاولة وتحتها وحول السرير وعلى الحصير، ورغم محاولاتي المتكررة لجمعها وتوضيبها إلا أنه كان ينثرها دائما حول سريره ولا يتورع عن دوسها بقدميه، كما لا يتورع عن قذفها في وجه الجدار بعد قراءتها، كما لو كان يشعر أمامها بالخذلان، لقد خذلته في اللحظة التي كان في حاجة إليها، تخلت عنه وتركته واقفا في الوسط عاجزا عن التقدم أو التقهقر، عاجزا عن الإيمان بأوهامها المتآكلة وعاجزا عن لفظها والعيش كبهيمة. على الجدار المقابل لسريره كانت تتدلى لوحة خطية مكتوب عليها حرف "لا" بلون أحمر نازف، كانت لوحة مبتذلة كجميع اللوحات السوقية التي لا نعرف راسمها والتي نفهم معناها في رمشة عين، ومع ذلك فكثيرا ما فاجأني بقراءاته وتحليلاته العجيبة لها، كان يطيب له أن يقف أمامها مادحا قائلا: ـ انظر إلى "اللا" هنا، انظر إليها كيف تمشي على رأسها غير مكترثة بأحد.. أذكر أنه قال لي يوما ونحن واقفان أمامها ـ أؤكد لك يا صديقي أن "لا" هذه قد انتحرت أو تم اغتيالها، والراجح عندي أنه تم اغتيالها، انظر إلى الدم الناشز من رأسها. ـ ما أعرفه هو أنهم يتحدثون عن "لاء" وحيدة مشهورة في التاريخ، فكيف يتم إغفال هذه "اللاء" إن كانت موجودة. أذكر أنه مط شفتيه قليلا ناظرا إلى أعلى اللوحة في سهوم ثم قال: ـ إنها وظيفة التاريخ يا صديقي، المؤرخ لا يكتب إلا ما يمليه أسياده، التاريخ فن، إنه فن خنق الحقيقة. عودة إلى قارعة الطريق كنا جالسين على آجرتين قرب صندوق البنزين المهرب، كان الوقت ليلا وكان كلب ينبح في الجوار، حاولت أن ألقمه حجرا عله يصمت لكنه أوقفني قائلا: ـ دعه يا صديقي، النباح حق دستوري ومظهر من مظاهر الحضارة، الحضارة الحقيقية لم تظهر مع صناعة الخزف ولا مع اختراع الكتابة كما يزعم ممتحلو التاريخ، الحضارة الحقيقية بدأت مع القدرة على النباح. ـ لكننا ننبح أيضا. ـ نعم، نحن ننبح بقدر.... يتم تحديد وقت النبحة ومدتها وقوَّتها، على نباحك أن يكون مرخصا له وألا يوقظ النائمين الآمنين. في القلب في مفكرة ممزقة تعود لسنة 2007 وبخط مضطرب ومع بعض التشطيبات كتب حسن يقول: أريد إطلاق الجيوش التي تغلي في صدري، أن أحرر قلبي من آشور وإسبارطة ونوميديا ..... أحن إلى البرية، إلى أن أكون إنسانا حقيقيا ....... المدرسة عدوي الأكبر، قمامة كبيرة لجمع القاذورات وحشوها في عقول الخراف.... يا إلهي، كيف ابتلعت كل هذه القذارة! كيف حزمت كل هذه القمامة فوق ظهري دون أن أشتمَّ رائحة العطن! ..... لقد خذلتني كل الجيوش ..... لم أستطع غزو فارس ولا حصار روما ولا فتح الأندلس، لم أستطع أن أكون الإسكندر ولا حنبعل ولا طارقا، لم أستطع حتى أن أكون أنا، أنا كما ولدتني أمي أول مرة...... أنا قبل أن أُعلّب وأصبح علبة منتهية الصلاحية. في النهاية جمع حسن الكتب وحملها إلى ركن قصي خلف البيت ثم كومها عند الحائط، مرت عيناه على الأسماء البراقة في موكب جنائزي مهيب.... الاستقصا، مجمل تاريخ المغرب، الإلياذة، سيكولوجية الإنسان المقهور، هكذا تكلم زردشت، الثقافة والإمبريالية، المسالك والممالك ...... وجوه تعرف عليها ووجوه بقيت مغموسة في التراب لم يتبين عناوينها، هاله منظرها الرث وتكومها البائس عند الحائط، ففكر مع نفسه: ـ أيمكن أن تنهار في آخر رمق؟ أتتنكر لعنادها وتطلب الغفران؟، إنه يعرفها جيدا ويعرف هذا العناد المتغلغل فيها وفي من كتبوها، يعرف أنها تقدس أوهامها حد الجنون وأن من كتبوها يعتقدون دائما أن أوهامهم أفضل من أوهام الآخرين، لكن هذا العناد الطفولي هو ما جعله يتعلق بها كل هذه السنوات وهو ما يجعله يحرقها الآن، هذا اليقين الأعمى الذي يجعلك تقدس حلما أو حتى وهما؛ ولذلك فهو يريدها أن ترحل رابطة الجأش مفعمة بالتحدي كما عهدها دائما، يريدها أن تترك له شيئا، أي شيء، ولو كان رماد صمود مذروٍّ جنب حائط. بللها بالقليل من البنزين، وجلس يقلبها بعود في يده ويقرأ تفاصيل وجوهها المكفهرة، فكر في إهراق بقية القنينة على جسمه وإكمال الطقوس المقدسة، لقد كانت هذه الكتب محرقته التي لا تخمد، فلم لا يحترق وسطها وينهي الأمر؟. أوقد الولاعة ثم جلس جنبها يتأملها وهي تتلوى بين ألسنة اللهب، هي تحترق وهو يحترق، أحس بدخان يخنق رئتيه ونار مستعرة تكوي كبده الحرى، فتساءل عن سر هذه الكآبة التي تنخر قلبه وهذا الكسوف الذي أطل فجأة من عينيه. لم يكن أول من أحرق الكتب ولن يكون الأخير، فلِم كل هذا الكمد؟. ملوك الطوائف أحرقوا كتب ابن حزم، والمرابطون أحرقوا كتب الغزالي، والموحدون أحرقوا كتب ابن رشد، النار تسري في دمنا نحن المغاربة، لقد عرفنا منذ القدم خطر هذه الطفيليات التي تنخر عقل الإنسان وتحوله إلى واهم. آن له أن يعيد عجلة التاريخ الراكدة للدوران، أن يفعل ما فعله أجداده؛ أن يحرق الكتب، ها هو حسن يقف اليوم على ناصية التاريخ ويبدأ من جديد، ها هو يحرق ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين والتاريخ بأكمله، التاريخ مضيعة للوقت، فليذهب التاريخ للجحيم ولتأتِ الحياة.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد