شيء من الطفولة

2021-01-18

 

"ورنش.. ورنش" الشمس تتوسط كبد السماء، ترسل لهيبها بلا رحمة على الجميع.. تتابعه في إصرار وهو يشق طريقه في زحام السوق بين أمواج البشر بجسده الضئيل.. يتوقف لهيبها على سطح جلده الأسود اللامع، ويلقي خلفه ظلاً نحيلا ليده اليمني تقبض على حقيبة قماشية مهترئة تحوي بضاعته الزهيده من معجون تلميع الأحذية، وفرشاة تلميع، وقطعة قماش متسخة، وصورة فوتوغرافية ملونة لبلدة من الريف الأوربي.. يده اليسرى تمسك صفيحاً معدنياً صغيراً، دائري الشكل، يهزه بلا كلل ليصدر أصواتأ قصيرة تنبيه الناس المتدافعين حوله ببضاعته.. "ورنش.. ورنش" داهمته رائحة الشواء، تنبعث بجوار موقف المواصلات العامة إذ تكدس الناس بالعشرات في إنتظار وسيلة نقلهم التالية، رائحة دخان الشواء لذيذة، تعلن عن بضاعة صاحبها بنفسها، وحوله يتحلق بضع أشخاص يلتهمون الشطائر على عجل.. تتقلص بطنه وتعتصره في ألم.. تصدر أصواتاً محتجة، تذكره أنه لم يضع فيها شيئاً منذ الأمس.. يقف مشدوهاً للحظات يرمق رجل الشواء يخرج اللحم المترادف من على السيخ المحمي، يشق الخبز بسرعة ومهارة، يصنع عدة شطائر، يضيف إليها بعض الطماطم والملح والليمون، ثم تختطفها من بين يديه جحافل المتحلقين حوله في لهفة.. يتصبب العرق على وجهه المحملق، فيمسحه بكم قميصه ثم يواصل طريقه، تطارده رائحة الشواء في إصرار كأنها تسخر منه، يضع أصبعه على أنفه ليمنع ضجيج بطنه.. "ورنش.. ورنش" يشق المزيد من الزحام، ويتسول الناس بعينيه ليطلبوا منه تلميع أحذيتهم.. كشك صغير ينبعث من صوت هادر يكرر بلا نية في التوقف ( يلا يالماشي تعال غاشي، يالبعيد تعال قريب، قرب قريب شغل عجيب، عصير مركز واحد جنيه ).. يجلس تحت ظل شجرة ضخمة بجوار الكشك، يسند ظهره للحائط المتهدم القريب، يقرأ بصعوبة عبارات قرأها مراراً كتبها أحدهم على عجالة بالفحم والطباشور.. (التبول ممنوع بأمر الشرطة) (ممنوع البول يا حمار) الرائحة الخانقة التي تفوح من الحائط حيث جلس، والخرائط المتداخلة التي ارتسمت على الأرض الترابيه تحته، أخبرته أن الناس لم يلتزموا بالتحذير كثيراً.. يرمق المارة بعينين زجاجيتين.. في المطعم المقابل للشارع تجلس إمرأة مع زوجها وبجانبهما طفل صغير، في مثل سنه.. لكنه أكثر جمالاً ونظافة.. اعتصره شئ مؤلم في قلبه، أشد ألماً من ضجيج معدته الدائم.. شيئاً لم يفهمه.. غصة حارقة في حلقة وهو ينظر للصبي الصغير.. تمنى لو امتلك عائلة ليبدو سعيداً مثله.. الطفل الآخر يبدو يلتهم شطيرة كبيرة بهدوء وتمهل، ينظر له نظره عابرة ثم يعود ليواصل ماكان يفعله.. أشاح بوجهه بسرعة حتى لاتتمرد معدته مجدداً برؤية مشاهد الطعام.. رجل بدين له لحية بيضاء طويلة يعبر الشارع في تمهل، يرفل في جلباب أبيض متسع، وعمامة ملتفة بإحكام على رأسه، يحمل مسبحة في يمناه تجري حبيباتها بين أصابعه المكتنزة في رتابه، يتضخم بعطر فاغم غمره عبيره وغطى على روائح البول المحيطة به، لحين.. رجل نحيل يضع صحيفة مطوية تحت إبطه، ويحمل وكيساً يحتوي على خضروات مختلفه، يبدو مهموماً وهو يحملق في الأرض إذ يسير بتمهل.. فتاة شابة تتحدث في هاتفها المحمول بعصبية.. باعة متجولون يصرخون بما يمتلكونهم من بضاعة.. "برد برد".. شاب يقود طفلاً، إمرأة تحمل أكياساً ملونة كثيرة ممتلئة، رجل آخر، وآخر.. عشرات الوجوه عبرت أمامه في دقائق.. وجوه مختلفه، متباينه السحنات، والألوان، جمع بينهم شيء واحد.. أن أحداً منهم لم يعره انتباهاً.. تتحرك أمعاءة من جديد، تذكره بإنتهاء وقت الراحة.. فلنعد للعمل.. "ورنش.. ورنش" يهز صفيحه المعدني مجدداً وهو يسري بين أقدام الناس.. تتقاذفه أمواجهم حتى انتهى إلى جوار المسجد الكبير.. وضع بضاعته بجواره وجلس على حوض الوضوء، قرب فمه من النافورة وراح يعب الماء.. سمع صوتاً صارخاً من خلفه، التفت مذعوراً، داهمه إمام المسجد.. يشبه الرجل البدين الذي رآه قبل ساعة، كلاهما يرتدي جلبابا ويحمل مسبحة جميلة، وعلى جبهته علامة صلاحه وشهادة مواظبته على السجود.. انتهره "يلا غور من هنا".. اختطف كيسه القماشي وهرول مبتعداً.. سمع الشيخ يغمغم من خلفه اتهاماً جازماً بنيته سرقة أحذية المصلين.. انسل من بين أفواج المصلين الداخلين للمسجد، وتنفس الصعداء عندما أدرك أنه أفلت من قبضة الشيخ الغاضب.. رفع مأموم المسجد عقيرته صادحاً بالأذان.. "ورنش.. ورنش" يقف بجوار المسجد في الخارج، يهز صفيحه مجدداً وهو يرمق العابرين بأعين متوسلة.. لا أحد يلتفت إليه.. كلهم يعبرونه صامتين، ضاحكين، غاضبين، هادئين.. لكنهم يعبرونه دون أن يعيروه أدنى إنتباه.. "ورنش.. ورنش" بطنه تصرخ في احتجاج.. فوضع يده على بطنه حتى يسكتها.. رفع رأسه للسماء.. خف الغيظ هوناً، وبدأت السحب تكتسي شيء من الحمرة.. "اشتغلت حاجة الليلة ياوليدي" التفت بجواره لمصدر الصوت.. إمرأة كبيرة في السن، ضخمة الجثة، تفترش الأرض بجوار حصير فرشت عليه بعض المسابح الملونة، وكتيبات صغيرة تحتوي أذكاراً للمسلم، وطواقي بيضاء مطرزة.. هزّ رأسه نفياً، وأطرق للأرض.. إصبع قدمه الغبشاء بلون ملابسه يبرز من مقدمة الحذاء البالي.. مشى طوال اليوم عشرات الكيلومترات، ككل يوم.. حتى بدا حذاءه يعلن تمرده.. لماذا لم يعد الناس يرغبون في تلميع أحذيتهم؟ أشارت له أن يقترب.. إقترب في حذر.. أشارت له أن يجلس فجلس صامتاً، وهو يتحسس إصبع قدمه بيده.. أشار إلى أحد الكتيبات المفروشة على الحصير.. سأل: "ماهذا؟".. قالت: "وصف الجنة".. سألها وهو ينظر لها في فضول ويحاول حشر اصبعه داخل الحذاء: "كيف تبدو الجنة؟" قالت: "مكان كبير كله أشجار، ومنازل جميلة، فيه أنهار كثيرة وعسل ولبن، وكل ما تطلبه يأتيك فوراً".. التمعت عيناه شغفاً، فغر فاه للحظات وهو ينظر للسماء ويتخيل ما وصفته له.. ثم تذكر شيئاً فجأة، فتح حقيبته القماشيه وأخرج منها صورة الريف الأوروبي، فردها بحرص بالغ.. سألها: "زي المكان ده؟" مدت عنقها ناحية الصورة تتأملها قليلاً، قالت: "أجمل من كده كمان.. وبتشوف الله كل يوم" سألها: " الله عامل كيف؟" قالت: "رب العالمين جالس على العرش.. عطوف عادل.. سيحميك من البرد والحر.. ويصنع لك منزلاً جميلاً ويرسل لك الملائكة لتنفذ كل طلباتك" تبادرت لذهنه صورة والدة الصبي في المطعم المقابل للشارع.. تخيل الله يبدو مثلها تماماً.. عطوف، حامي.. تطايرت أفكاره.. راح يحملق في الصوره المفرودة بين يديه الصغيرتين للحظات، قال وهو يمسح عليها بأصبعه: - "لما أكبر عايز أعيش هنا" نظرت له في صمت.. نظرتها غريبة.. طوى الصورة في حرص ووضعها داخل حقيبة القماش.. ثم راح ينظر للمارة في صمت، ثم للكتب المعروضة، أشار لأحدها وسألها: "ماهذا؟" مدت له الكتيب بإبتسامة واسعة، قالت "حصن المسلم".. ولم تعقب.. فتح الكتيب من منتصفه.. قرأ بصعوبة: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عنى الدين وأغننى من الفقر)، سألها: "ده قرآن؟" ضحكت.. قالت وهي تفرك على رأسه: "هذا دعاء الرزق تقرؤه ليرزقك الله" تهللت أساريره فرحاً، سأل مجدداً: - "إذا قرأته سيرسل الله لي زبائن لتلميع أحذيتهم؟" نظرت له في صمت، رأى ملامح وجهها تتغير، نظرة غريبة لم يعهدها، أشبه بالحزن، بالتأكيد هي حزينه وإلا فلم تترقرق عيناها بالدموع؟.. قالت له: - "اقرأ مجدداً" - "اقرأ ماذا؟" - "دعاء الرزق.. إقرأه مجدداً" نظر لها متبرماً.. راح يقرأ بصعوبة وهو يضع إصبعه موضع الكلمات ويقرب الكتاب من وجهه.. لما إنتهى رفع لها عينين متسائلتين، فدست جنيهاً في قبضة يده، قالت له وهي تبتسم: - "لقد استجاب الله لك، هذا أول رزقك" أمسك الجنيه وقفز من مكانه فرحاً، كاد يهرول مبتعداً لكنه تذكر شيئاً.. نظر لها وللكتاب بعينين متسائلتين، قالت له وهي تدفعه إليه: "هذا هدية.. يمكنك الإحتفاظ به".. إندفع بسرعة مبتعداً وسط الحشود غير المبالية.. معدته تصرخ ابتهاجاً كأنها عرفت مقصده.. يخترق الحشود المتدفقة كالطوفات.. يشق الأزقة والباعة جرياً.. صوت مأموم المسجد الكبير يرتفع مجدداً بتلاوة جميلة.. لم يهتم بهز صفيحه هذه المرة.. رائحة الدخان تتصاعد كلما إقترب من مبتغاه.. عندما وصل كان يلهث.. وكان رجل الشواء يقلب قطع اللحم المتراصة في السيخ المحمي على الجمر.. إقترب منه وهو يطبق على الجنيه في حرص.. ينظر له البائع شذراً.. بدا عليه التحفز.. - "عايز شنو؟" مدّ الجنيه في صمت ووقف مترقباً.. زمجر الرجل منزعجاً: - "السندويتش اتنين جنيه" بطنه تطلق ضجيجها المزعج مجدداً.. تحذره ألا يفكر في التراجع.. قال له متوسلاً: - "ماعندي غيرها" نظر له البائع في ضيق، بدا وكأنه يقوم بحسبة سريعة في ذهنه، قال بصوت جاف: - "نصف سندويتش فقط" هزّ رأسه موافقاً في سرعة، وبدا فمه المتلهف يسيل باللعاب.. رائحة الدخان تتصاعد وتغمر أنفه، ومعها تتلوى أمعاءه وتصدر صوت قرقرتها المبتهج بهذا الانتصار.. في تلهف وانبهار يرمق رجل الشواء يخرج اللحم المترادف من على السيخ المحمي، يشق الخبز بسرعة ومهارة، يصنع نصف شطيرة، يضيف إليها بعض الطماطم والملح والليمون.. عندما عاد لمكانه السابق تحت الشجرة والعبارات التي تحذر من التبول في الأماكن العامة، كان ضجيج بطنه قد صمت أخيراً.. وضع حقيبته القماشيه على الأرض، أخرج كتيب حصن المسلم.. تأمله للحظات مبتسماً، ثم نظر برهة للسماء الصافية التي تبدت بين أغصان الشجرة المتشابكة.. لخاطر جميل مرَ على ذهنه، اتسعت إبتسامته أكثر.. وضع الكتاب داخل جيبه في حذر.. ثم كور الحقيبة بما تحتويه تحت رأسه.. ونام.. غداً يوم آخر.. (تمت)

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد