الركن المخمور من العالم

2021-01-18

 

" هذا العالم حافل بالحماقات المشينة للغاية. ففي بعض الأحيان تقع أحداث من العسير أن تعتقد أنها ممكنة الحدوث".نيكولاي غوغل كل شئ يحترق، عشش القش و الحطب، الرمل الممزوج بالدم و الأحزان، ذكرى الليالي الحميمية القليلة التي تشبعت بها الحوائط الهزيلة، النقود الورقية، أكياس الطعام الموارية من عيون الأطفال الجوعى، وجه أمي تحت الوسادة. و أزكمتْ الأنوف رائحة اللحم المشويّ لرجل مُقعد داهمته النيران ساعة قيلولة، و أنا كشيطانٍ مذعورٍ أعدو هنا و هناك، أهِيلُ التراب على الحرائق، الناس يهيلونه على النيران و أنا أرشُقه في حرائق صدري، الصخب يصم أذنيّ، بكاء الأطفال، و عويل امرأة تحاول خوض النار لإِنقاذ زوج متفحم، النسوة يبادلنها الصراخ و الدموع و يمنعنها بالقوة، عيناي تنزفان ماء تتشربه الأرض العطشى ، أهجس في نفسي بفكرة غبية : ماذا لو بكى كل رجال و نسوة المعسكر في السطول لنطفئ الحريق؟!، ماذا لو لم نكن نحن ؟ و لم يكونوا هم هم ؟ ماذا لو أمطرنا الله غيثاً. أعوامي كلها جدب، لم أبلغ منتصف العقد الثالث بعد إلا أنني رأيت أهوالاً لم يرها عجوز يسكن المدن البعيدة، تلك التي يقال أن لكل بيت فيها شموس صغيرة بيضاء متلألئة تحيل لياليه إلى نهار ، و ماءها كالسحر يسرى في كل أنحاء المنازل الثابتة فلا ريح تهزها ولا مطر يجرفها و الأهم لا حرائق تأكلها، و الناس جميعهم نظيفون كالأجانب الذين ينزلون أحياناً علينا. قريتي الأولى لا أذكرها جيداً، شاهتْ الذكريات مثل سواد يزحف في أثر شمس غاربة، ظلمة حالكة لكن ثمة بصيص يُمَكّنني من إدارك القليل، لابد أننا كنا في رغد من العيش؛ أخي الأكبر كان بديناً و يدعني أتزحلق على بطنه المقبب الأملس و هو يضحك، كنا خمسة ذكور، و كانت أمي بوجه بشوش و عينين حنونتين، و كان أبي دائم الابتسام. ذعرٌ مفاجئ، همس ما لبث أن صار ثرثرة ضاجة، خطيب الجمعة يصرخ و يؤكد على السمع و الطاعة لأوامر تُلزمنا بالخروج من قريتنا. يا عباد الله لقد خَرَبتم بيوتكم بأيديكم. أصوات مزعجة و وعيد عبر ميكرفونات نصبت على مبعدة عن شمال القرية ، أُخرجوا لتأمنوا، أمي تولول ، أبي ينبش شيئا ما تحت شجرة المانجو. و خرجنا جميعاً مخلفين وراءنا بعض تعساء الحظ عنيدي الرأي الذين ستقتات الضواري على جثثهم ، و اختفتْ ابتسامة أبي إلى الأبد، لابد أنه تركها هنالك حيث تومض الأشياء كالبرق ثم تدوي كألف رعد. ضاقتْ علينا أرض الله. شهور و نحن نتنقل من مكان إلى آخر حتى انتهى بنا المطاف إلى معسكر " كِرِيْدِنق " للنازحين. لابد أنهم بفتورٍ رحبوا بنا، و أحصونا بأعينهم في صمت و هم يخمنون مقدارالماء و الطعام الذي سنزاحمهم عليه في طوابير منظمات الإغاثة. بنى والدي و أخوتي كوخاً من القش لنا. تنهد أبي قائلاً : لا بأس.. يجب أن يكون من القش، فسكننا هذا مؤقت و سنعود إلى ديارنا قريباً. كان يحاول كالآباء الآخرين بالمعسكر التشبث بأهداب من الأمل, كانت أماني زائفة, فالقش مع مرور السنوات تحول إلى حجارة و طين. كنت صبياً أتسكع في الأرجاء عندما ارتفعتْ الصرخات من جهة فصل التعليم بالمعسكر، هرعتُ مع الجميع نحو الفصل فوجدنا التلاميذ يركضون في ذعر و هم يصرخون " أنتونوف أنتونوف". لم يكن من ثمة قصفٍ و السماء من فوقنا صافية إلا من الشمس الحامية. يومها افترشنا التراب أنا و عدد من الأهالي عند ظل فصل الدراسة الذي كان غرفة صغيرة مبنية من القش, يرتادها قلة من الأطفال. جلس المعلم عصام على كرسي حديدي مُجلّد بحبال ممزقة, كانتْ عيناه حزينتين لكنه يدخل بين الفينة و الأخري في نوبة ضحك فيرتج جسده النحيل و يخلع نظارته السميكة ليمسح الدموع التي تطفر من عينيه, بينما ينكفئُ الناس من حوله من شدة الضحك. كان يسأل تلاميذه عن عدة أمور دراسية ثم سأل سؤالاً استعصى عليهم جميعا ما عدا طفلٍ نَبِيه جرتْ الإجابة الصحيحة على لسانه، فابتهج أستاذ عصام و صرخ بحماس: الله أكبر. ففزع الأطفال و هربوا من الفصل لأنهم حسبوا أن المعلم يحذرهم من قصف للطائرات على وشك الوقوع. كنتْ من مكاني على الأرض أتفرس في ملامح هذا المعلم, وجه حليق ناعم.. شارب مهذب... ملابس نظيفة، ما الذي يأتي بمعلم من المدينة البعيدة إلى جحيم معسكرنا هذا؟! كان الرجل يكافح ليطلع الآباء على أهمية التعليم، كانوا يحترمونه و يبجلونه لكنهم لا يوافقونه على ارسال أطفالهم الى فصل الدراسة _ يا سادة أبناؤكم أذكياء بالفطرة.. دعوهم يتعلموا ليصبحوا أطباء و مهندسين. _ يا أستاذ.. طبيب مرة واحدة ؟! _ و ما الذي يمنع يا حاج بحرالدين... أنتَ لديك عشرة أبناء.. دعني أعلم اثنين منهم فقط. و لا يستجيب الا القلة؛ عندما يذهب طفل الى المدرسة كان ذلك يعني نقصان الأيدي التي تجلب الماء من الآبار البعيدة. الرجل هنا يتزوج مثنى و ثلاث و رباع و يجلب كومة من الأبناء لا لشئ إلا ليزيد عدد سطول الماء بداره. الماء هنا هو الثراء الحقيقي. _ هل تعلمون لماذا سمي معسكركم ب " كِرِيْدِنق "؟.. قالها أستاذ عصام و هو يمرر أصابع يمناه على شاربه. عم الصمت _ يا سادة " كِرِيْدِنق " تعني بلهجة المساليت " أخرجوهم عنوة" ... عند موطئكم هذا اندلعتْ معركة حاسمة بين المستعمر الفرنسي و أجدادكم المساليت الذين واجهوا ببسالة المدافع و البنادق بالعصي و السيوف وسحقوا الجيش العظيم و قتلوا قائده الكولونيل " فلقنشو ". لقد جنبوا بشجاعتهم كل غرب السودان من الوقوع في يد الفرنسيين. ابتهج بعض الجالسين و رفعوا أنوفهم في فخر. _ و من أين جاء هؤلاء الفرنسيين؟ _من فرنسا. أجاب المعلم كمن يجيب عن أمر بديهي لم أكن مسلاتياً فلم أكن أكترثُ بانتصارهم هذا. فسألته : أين تقع فرنسا هذه؟ أجابني: على بعد آلاف من الأميال. لم أكن أدري ما هو الميل لكن من طريقة مطه للحروف بدت لي بعيدة جداً. يا غبي من أين يأتي هؤلاء "الخواجات" البيض في رأيك ؟! و لم أحتج إلى كثيرٍ من الشد و الجذب، أقنعني صديقي " قوني" بالهجرة حيث الجنة الجاثمة خلف البحر. و كان الأمر يحتاج إلى المال الذي لا نملكه فأخذنا نتحين الفرص. وعندما وضعتْ نقوداً في جيوبنا و فوهات البنادق على صدوغنا صافحنا قاتلينا و بادلناهم المزاح!. وقفتُ و ثلة من الرجال حاملين لافتات خُطّتْ بما لا نستطيع تهجيته، عربية فصيحة و إنجليزية رصينة، و عندما استجوبني الرجال البيض في خيمة جهزتْ على عجلٍ لم أُجبهم إلا بالنفي و دون وخز ضمير _ هل صحيح أنهم اغتصبوا مائتي امرأة في ليلة واحدة ؟ لا ، نساؤنا طاهرات _ أين دفن الرجال الذين أجبروا على مشاهدة نسائهم و هن ينتهكن ثم ربطوا بحبل واحد و أطلقت النيران عليهم ؟ لم يحدث _هل صحيح أن معظمهن كن قاصرات و كانتْ بينهم عجوز سبعينية ؟ هذا كذب و افتراء خفية خرجتُ مع " قوني " ... لم أواجه أبي الذي هرم قبل يومه، و لا إخوتي الخمسة الذين صاروا ثلاثة، و اكتفيتُ بحمل صورة لأمي التي لم يحتمل قلبها مغادرة الديار فتوفيتْ كمداً منذ سنوات عدة. كان كل شئ سيسير على ما يرام لو تحلى المهربون بالصدق و القليل من الأمانة، حملونا على ظهر شاحنة لأيام ثم تركونا جوار جبل عظيم و أخبرونا أن البحر خلفه و عندما التففنا حوله لم نجد إلا بحراً من الرمال !. لازمنا الجوع و الظمأ و الإعياء في رحلة العودة، و لولا نفر من الرعاة حملونا على دوابهم لنهشتْ أجسادنا النسور. عدتُ على أمل كتابة بداية جديدة، لكن من قال أن الناس يغفرون، اِنفضّ المسلحون عن معسكرنا فلم نجد نحن شهود الزور ساتراً من أهلينا، ففتكوا بنا كوحوش ضارية، أبناء عمومتي انتقموا مني جزاء لاِبنتهم القاصر التي مُثل بها، تبرأ أبي مني و بصق في وجهي، زحفتُ برجلٍ مكسورة و طردتُ ككلبٍ أجرب، سرتُ بوجه دام و روح متشظية في هجرة لا إلى جنةٍ طيبة بل إلى جحيم جديد. كل شئ يحترق، قوت الأطفال هزيلي الجسد، وجه أمي البشوش، جلباب "زهرة" المُهترئ الذي نسّته عندي الليلة السابقة، قربة "المريسة" أسفل سريري، و مرتبتي بنقود حشرتها بالأمس في جوفها، كيف للنيران أن تصل حتى غرفتي ؟ كيف لها أن تحرق "عيسى" المُقعد ؟ يا الله. أدور كفراشة حول النيران و لجُبني لا أقع فيها، تصدمني الأكتاف المتزاحمة و تدوسني الأقدام الغليظة المتشققة، أهيل التراب على صدري فلا تنطفئ نيران الجوف و لا نيران البيوت، و أناس داعبهم أمل واهن فهرولوا إلى بئر الماء الذي يبعد مسيرة ساعة لجلب ما يطفئ عطش الحرائق، امرأة عيسى يريحها الله بإغماءة، و أنا اليقظ السكران، تكِلُّ قدماي عن حملي فأفترش التراب و دموعي لا تنضب. " إرحلوا، عودوا إلى قراكم، لن تتوقف الحرائق حتى تأكل آخركم". أخذتُ أهذي بصوت مبحوح تعلوه الضجة. ( افعلها معهم أو سيفعلونها بدونك. لا نريد معسكرات نزوح بعد اليوم، بتواجدكم هنا تجلبون العار للوطن و تحنون رأسه بين الأمم. سنجبركم على الرحيل، خذ نصيبك من النقود و افعلها معهم). و أنا ناشد الخلاص المؤمن بالجنة خلف البحر الكافر بالجحيم تحت البيادة، أوافق دون وخز ضمير, أدس المال في جيبي و أضاجع "زهرة" حتى الصباح، تذكرني بوعدي بالزواج منها فأخرسها بقبلة، أعتصر جسدها تحتي وأثمل من نهديها. خفية عند ظهيرة اليوم التالي أدلق الجاز مع الدالقين، لكنني لم أرد لعيسى الإحتراق لحد الشواء، لم أتحسب لجوع اللظى لنقود هجرتي المخبأة، لم أحسب أن الحريق الصغير سيمتد إلى كل هذه البيوت بما فيها غرفتي. تدور رأسي بصداع مقيت و تثقل جفوني، استلقي في وضعية الجنين متوسداً التراب فأسمع أنين الأرض و لومها، أدس إبهامي في فمي الجاف و أستحلب عالما بلا حرب و لا خيانة، و ببيت دافئ يضمني و أبويّ و إخوتي الخمسة... و أغفو.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد