صَدَقاتٌ مُحَرَّمَةٌ

2021-01-18

 

في ليلتي الأخيرة، تفاجأت بالحرس يزجون في زنزانتي بسجين آخر. و قد علمت من الطوق المقفل حول رقبته، أنَّهُ، كما أنا، محكوم عليه بالإعدام. و بنظرة غادرها بريق الحياة، راقَبَ عملية إغلاق الباب. ثم تابَعَ ابتعاد الحرس، حتى اختفوا. و على ذات الحال، حَدَّقَ قليلاً في وجهي، قبل خَطْوِهِ بتثاقل صوب زاوية معتمة، و الجلوس بصمت. زرع السجين الجديد الفضول في نفسي، خاصة بعدما أطال طأطأة رأسه. رُحتُ اختلس نظرات متقطعة نحوَهُ، موشكاً على قول شيء ما، دون أن أجد ما يسعفني من الكلمات. أشعلت سيجارة، و بدأتُ أدخن بهدوء. ثم تنبهتُ فجأة: - تُدَخِّن؟ رمق السيجارة بحيرة، كما لو كان هناك من يأمره برفضها. و قد قاربتُ على إرجاعها، لولا مَدِّهِ يداً مرتجفة لأخذها. و من طريقته في وضعها بين شفتيه، و انحنائه لإشعالها، أيقنتُ أنَّ لا عهد له بالتدخين. و مما زاد في يقيني، السعال الحارق الذي واصل إخراجه عقب كُلِّ نَفَس. ضحكتُ مُعلِّقاً: - يبدو أنهُ قرار متأخر. رَدَّ بهيئة من قَضَمَ شيئاً مُرَّاً: - لم يسبق لي التدخين أبداً. مَطَطْتُ شَفَتَيَّ متظاهراً بالتعجب، قبل قولي بطريقة ملتوية: - خبر ممتاز. هذا دليلُ أنك رجل صالح. حدجني لبرهة مدركاً مَسْعاي. لكنَّهُ ما لبث أن أعاد إنزال رأسه: - نعم... طيلة حياتي، كنتُ... صالح. قال كلمته الأخيرة، كما لو كانت سكيناً أخرجها من جوفه. - ألَا تخبرني إذاً ما أوصلك إلى هنا؟ لاذ بالصمت، و قد استكان لحالته الأولى. - لقد قتلتُ رئيسي بالعمل... قلتُ عقبَ إخراجي سحابة كثيفة من الدخان. و مع هذا، ظَلَّ السجين الجديد على وضعيته. - غداً سيقومون بإعدامي، قبيل المغيب بساعة. غزاهُ الذهول، فسألني بعينين جاحظتين: - في الساحة المحاذية للجسر الملكي؟ أومأتُ برأسي موافقاً، أثناء سحبي آخر نفس من السيجارة. و ما كاد السجين الجديد يستَعِب ذلك، حتى هَبَّ واقفاً، و صاح بأعلى صوته: - الأنذال! أيُّ خِسَّةٍ أكبر من هذه؟ يريدون إعدامنا سوياً... ترنح، و قد بدا أنَّ تلك القوة الجامحة غادرته، و حَلَّ محلها وهن مباغت. ساعدته على الجلوس، فأسند رأسه على الجدار العفن، مُردِفاً بطريقة توحي بأنه بحاجة لإسماع نفسه أكثر من إسماعي... كنتُ أميناً لِهِبات الحاكم. منذ سنوات عدة، و أنا أشغل هذه الوظيفة. كان عملاً ممتعاً. مستودع كبير، تتكدس فيه صناديق الهِبات، استعداداً لتنقلها العربات للمناطق المعنية. كُلُّ ما توجب عليَّ فعله، هو التأكد من مطابقة عدد الصناديق للكشوفات. و الاحتياط من السرقة و الاختلاس... زفر زفرة عميقة... في الليلة قبل الفائتة، أطفأتُ الأنوار متأهباً للمغادرة. و في اللحظة ذاتها، سمعتُ جلبة خطوات ثقيلة. تسمرت وسط الظلام، لا أعي ما يحدث. ثم رأيتهم. جنود كثيرون، فتحوا باب غرفة صغيرة تقابل مستودعي مباشرة. و بدأوا يضعون فيها جرار فخار، و لفائف قماش. كان هناك جندي، لم يفارق الباب أبداً. و بين كل فينة و أخرى، يطلق صيحة، يحث من خلالها البقية على الإسراع في العمل. و فجأة، التفتَ صوب مستودعي، كما لو لم ينتبه لوجوده سوى الآن. شعرتُ بقلبي يسقط من مكانه. و اختبأت بين الصناديق إثر هاجس ما. و ما هي إلّا ثوان، حتى أخرج مصباحاً، و طَفِقَ يُنَقِّلُ دائرة نوره الساطع في أرجاء المستودع. و من حسن حظي، أنه لم يكن جادَّاً في عمليته الاستطلاعية تلك، و إلَّا لرآني بكل سهولة... ازدَرَدَّ ريقه، صاعداً بعينيه نحو السقف، فحَثَثْتُهُ: - و ماذا حدث بعدها؟ ماذا حدث؟ حَدَّقَ في عَيْنَيَّ مباشرة: - منعني خوفي من ملاحظة مغادرتهم. كنتُ ما أزال منكمشاً بين الصناديق. أرتجف لمجرد تفكيري أنهم سيمسكوني في أي لحظة. و كما لو استيقظتُ من كابوس مرعب، تنبهت بغتة إلى عودة الهدوء و الظلام للمكان. كانوا قد غادروا دون انتباهي لذلك. كنتُ سعيداً، لأني سأعود سالماً لعائلتي... سالت دمعة من عينه اليمنى. لم أكتفِ بعدم حثه على المواصلة، بل زدتُ على ذلك بإشاحة وجهي، مستشعراً مدى ألمه... بعد وقوفي قبالة الغرفة الصغيرة، عجزت عن مواجهة فضولي. حاولت فتح الباب، فوجدته مغلق. ابتسمتُ لامتلاكي نسخة عن المفتاح. أضأتُ نوراً صغيراً. و رحت أبحث عنهُ وسط حلقة مفاتيحي الكثيرة. و إذ وجدته، شرعت أفتح الباب بيد مرتجفة. كنت أتساءل ما أفعل إن وجدتُ جنوداً بالداخل؟ هل أخبرهم بأني موظف، و أقوم بجولة تفقدية؟ أم أتظاهر بالاستغراب، و أسألهم ما يفعلون هنا؟... ضحك ضحكة صغيرة... على أيٍّ، كانت الغرفة خالية، إلّا مما وضعوه فيها. جرار فخارية، و لفائف قماش أبيض... نظر في عينَيَّ بطريقة مفزعة... أتدري ما كان فيها؟ قلتُ سريعاً: - ذهب؟ أومأ برأسه ببطء: - تماماً. الكثير و الكثير من مختلف أشكال الذهب. عملات، تماثيل بشرية، تماثيل حيوانية، أواني، كؤوس، سبائك، قلائد، و كل ما يخطر على بالك يا... - عزام... قلتُ بعدما ابتلعتُ ريقي. - عزام... أخذ نفساً طويلاً بعد لفظه اسمي... لربما كان الحل الأسلم هو نسيان تماماً ما رأيت. لكنَّ شيئاً غدا يذكرني بكل ما سمعته عن هذه الكنوز. عن احتكار الحاكم لها. و تكديسها في المستودعات و المخابئ السرية، عوض تقسيمها بين البؤساء، و انتشالهم من فقرهم. و عن الجنود، الذين يسارعون لأخذها بالقوة، بمجرد تأكدهم من عثور أشخاص عليها، حتى و إن كان أولئك الأشخاص يعيشون في فقر مدقع. و أمام هذه الأحاديث، باتت مسؤولية ثقيلة تتضخم في داخلي. غدوتُ مؤمناً أنني لم أرَ هذه الكنوز بمحض الصدفة، و إنما لأجل غاية نبيلة. غاية قد اختارني الله لتنفيذها. و هكذا، لم أشعر بنفسي أثناء قيامي بوضع المصوغات و التحف الذهبية، في الصناديق التي ستُوزع صباح اليوم التالي على فقراء منطقة الجسر الملكي. كنتُ أُتِمُّ مهمتي بشكل آلي. كما لو أنني مُغَيَّب في زمان و مكان آخر، و كل ما علي فعله هو مراقبة نفسي و أنا أُقسِّم الذهب بين المحتويات الشحيحة للصناديق. و مع أنَّ ومضة وعي كانت تهزني بين كل فينة و أخرى، و تحذرني بأنني بهذا العمل أدق بيَدَيَّ مسامير نعشي، إلّا أنَّ ثقل الإحساس بسمو المهمة، يُبْعِدها سريعاً. و استمر الأمر حتى أتيت على كل شيء. لم أترك لهم سوى الجرار الفخارية الفارغة، و لفائف القماش الأبيض البالية... قهقه كما مجنون، ضارباً كفَّاً بكف... لو رأيت وجوههم صبيحة اليوم التالي. بعدما وُزِّعت الصناديق، و شاع الحديث عن مدى سخاء الحاكم بهباته هذه المرة، ركضوا صوب الغرفة الصغيرة. كانوا عدة أشخاص أراهم لأول مرة. لكن بدا جلياً من هيئتهم، أنهم من ذوي المناصب الرفيعة. و إذ رأيتُ الشحوب يكسو ملامحهم من رؤية الغرفة فارغة، و قفت أمام مستودعي، و قلت بكل فخر "أنا"... انتفضت من مكاني: - لماذا اعترفت بهذه السرعة؟ و أضفتُ بهدوء بعدما برقت فكرة في ذهني: - ثم لماذا لا يستردون الذهب بكل بساطة؟ ابتسم باستخفاف: - بالنسبة لسؤالك الأول، كانوا سيعرفون عاجلاً أم آجلاً. فالحقيقة دائماً ما تجد منفذاً. و أنا لم أرد تعذيب أناس لا شأن لهم أثناء التحقيق. لذلك آثرتُ الاعتراف سريعاً. أما عن استردادهم الذهب، فمحال فعلهم ذلك، لِما فيه من تشويه لصورة و سمعة الحاكم. بل إنهم سخروا مني بالقول بأنَّ الحاكم غني عن كمية الذهب الصغيرة تلك. و أنهم قبل تنفيذهم حكم الإعدام، سيخبرون الجمهور بأني حاولت سرقة كمية كبيرة من الثروة الذهبية التي عَفَّ الحاكم نفسه عنها، كرامةً لأبناء شعبه الطيبين البارين... حَدَّقَ في الفراغ، و قد عاودته تلك النظرة المنكسرة... و بهذا الشكل، فإنَّ آخر ما سأشهده في حياتي، هو تهليل الجماهير للحاكم، و رجمي بالأحذية و الفاكهة العفنة. ربتُّ على كتفه: - يكفيك علم الله بكل شيء. راح يذرع الزنزانة ذهاباً و إياباً، و هو عاقد يديه خلف ظهره: - لستُ مهتماً بتاتاً لِما سيقولونه للناس عني. إنَّما يشق علي فهم هذه الأنفس. ظَنَنْتهم قد يُراجعون أنفسهم، و يقولون أإذا أقدم شاب فقير كهذا على وضع الكنوز داخل طرود الفقراء، متجاهلاً إمكانية أخذه بعض القطع دون دراية أحد، فلماذا لا نقوم نحن المتخمون من الثراء بعمل أضعاف عمله، بدلاً من هذا الفتات الذي نشتري به سكوت الجياع؟! لكنهم يُكابرون بعدم اهتمامهم لحجم خسارتهم، قدر اهتمامهم بجعل ذِكري مذموماً على ألسنة ذات البؤساء الذين ساعدتهم. أخرجتُ نفساً عميقاً قبيل استلقائي أرضاً: - أقسم أني أشعر بالغيرة تجاهك. ستُعدم ظلماً، لأجل عمل عظيم، أردتَ من خلاله إيقاظ ضمائر ماتت منذ زمن. أتدري؟ لقد أدخلت قصتك السكينة و الراحة إلى نفسي. و قد كنتُ أظنُّ أنه من المستحيل أن يواتيني النوم هذه الليلة. لكني الآن أشعر بنفسي خفيفاً كما ريشة، و يداعب جفناي شعور رقيق يدعوني لسبات عميق. و كم سأكون ساذجاً بتمني لك ليلة سعيدة في ليلتنا الأخيرة. لكن أياً يكن، تصبح على خير... قلتُ ذلك مُديراً وجهي ناحية الحائط. و بقيت على هذه الحال بضع دقائق، راجعتُ خلالها قصة هذا السجين بمزيج من الإعجاب و الأسف على حالي. و إذ فَطِنْتُ فجأة أنني لم أعرف اسمه، استدرت لأسأله. لكني وجدته مستلقياً على ظهره، مُغمضَ العينين. و لم أدرِ إذا ما كان نائماً فعلاً، أم أنه فقط مغلقاً جفنيه، إلّا أني آثرت عدم إزعاجه. و في صبيحة اليوم التالي، استيقظت على قرقعة فتح الباب. ظننته الحارس جاء ليسألنا عما نرغب بتناوله في إفطارنا الأخير. لكن اتضح أنهم أربعة أشخاص، لا يرافقهم الحارس. سرعان ما وقفت، خاصة بعدما رأيتُ من بينهم الجنرال الذي حكم بإعدامي. هذا الأخير، لم يلتفت لي أبداً. فقط رَكَّزَ نظرة متسائلة على السجين الجديد. و حين تجرأت، و أشبعت فضولي بالنظر لِما لفت انتباهه، رأيت السجين الجديد لا يزال مغمضاً عينيه، لكن الغريب أنه مبتسم ابتسامة واسعة. أشار الجنرال برأسه نحوه، فأسرع اثنان من مرافقيه ينقلان أيديهما بتأني ما بين صدره و رقبته و يديه. و استمرا على هذا الحال قرابة دقيقة قضيتها متوجساً. و في النهاية، قال أحدهما بطريقة تقريرية: - إنه ميت يا سيدي. داخلني شعور ملتبس بسماع الخبر. فمن ناحية، كنت حزيناً لوفاة شخص ذو قلب طيب. و من ناحية أخرى، شعرتُ بالسعادة لأجله، لإحساسي بانتصاره على ظالميه، عبر التملص من الموت بمشنقتهم. كما أنني حِرتُ تجاه ابتسامته. فهل كان يستقبل بها حياته الجديدة؟ أم يهزأ بها من هذه الحياة التي غادرها مقهوراً؟ أم أنه محض تصلب في عضلات وجهه، أبقاه على تلك الهيئة؟ أحاديث نفسي هذه، سرعان ما خَبَت، إثر سماعي ضحكة الجنرال المجلجلة. نظرت إليه غير مستوعب ما يجده مضحكاً في موقف كهذا. و كما لو قرأ أفكاري، أشار نحوي بعصاه السوداء القصيرة: - من المؤكد أنك مستغرب سبب ضحكتي؟ لم أُجب بشيء. و مع هذا، فقد أردف من تلقاء نفسه: - أضحك لأننا نصبنا المشنقة عبثاً. فهذا السارق قد مات هلعاً. أما أنت فقد صفح أهل القتيل عنك. خفتُ أن تكون مجرد كذبة، يخدعني بها الجنرال. لكنَّ الشخص الثالث الذي لم يتوجه لفحص السجين الجديد، أكَّدَ الخبر: - زملاء عملك شهدوا لصالحك. قالوا أنه أخرجك عن طورك حتى فعلتَ ما فعلت. أضاف أحد الذين توجهوا لفحص السجين الجديد: - أعداد غفيرة قصدوا عائلته، طمعاً في العفو عنك. فيما أكمل عنه الآخر: - حين حصلت عائلته على صندوق هِبَةٍ يحوي قطع ذهبية، آمنوا أنها إشارة إلهية، فاتخذوا قرارهم. - يبدو أنه كان رجلاً ذميماً، و قد سعد الجميع بالتخلص منه... عقب الجنرال ضاحكاً، فضحك معه مرافقوه. و غدوا يخوضون في حديث ساخر، تخلله الكثير من القهقهات و النكات البذيئة. أما أنا، فقد انسحبت بعيناي صوب الجثة المبتسمة. و في داخلي، أيقنتُ تماماً ذاك الشعور الذي تلبسه لحظة رؤيته للمصوغات و التحف الذهبية. كنتُ موقناً أنَّ الصفح لم يأتِ عبثاً، أو بمحض الصدفة. بل إنَّ هناك غاية أسمى. مهمة مقدسة شَرَّفني الله باختياري لتنفيذها. فحقيقة السجين الجديد، التي سيسعى الحاكم و أعوانه لحجبها و تضليلها على الناس، سأقومُ أنا بفضحها و نشرها في العلن. حتى و إن كان حبل مشنقة هذه الجريمة، لا يصفح أبداً.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد