أمل على الرصيف

2021-01-18

 

أمطرت السماء الملبدة بالغيوم الرمادية ، في منتصف نهار يوم شديد الحرارة ، لتغمر الشارع الجاف بقطرات المطر ، وتغسل أوراق الأشجار التي غطاها تراب الطرقات الكثيف، معيدة إلى تلك الأوراق لونها الأخضر البراق الزاهي ، وتصنع في الأرض برك صغيرة متفرقة من الماء ، يخوض فيها المارة والسيارات على حد سواء ، ليسرع الجميع باحثين عما يتقون به بلل المطر المنهمر ، فترى ذاك الرجل الذي علم مسبقا في صباح هذا اليوم وهو يشاهد نشرة أخبار الطقس أن هنالك أمطار في مساء اليوم يخرج مظلته من حقيبته ليفتحها ، وقد غمره إحساس رائع بأنه شديد النباهة والذكاء ، فقد علم ما لم يعلمه الكثيرون ، وأي واحد من كل هؤلاء البشر يتوقع نزول المطر في منتصف فصل الصيف ! ، وترى تلك المرأة تمسك حقيبة يدها وترفعها واضعة أيها فوق رأسها لعلها تحميها من الغرق بماء المطر ولو شيء يسيرا ، وترى ذلك الشاب يبحث عن ظل أي مبنى أو جدار يستظل تحته حتى يهدأ هذا المطر . وفي ظل كل تلك الحركة المضطربة بسبب هطول الأمطار المفاجئ ، ترى أسعد يجلس في مكانه بلا أي حركة وقد بلله ماء المطر بشكل كامل ، جالسا في مكانه كقرميد ساكن على الرصيف الذي غطاه ماء المطر سريعا ، ناظرا إلى البشر الراكضين في كل اتجاه بعشوائية تامة دون أي اهتمام ، حتى القطط وكلاب الشارع ركضت هي الأخرى باحثة عن مكان ما يقيها هذا المطر ، أما هو فلا ، لم يتحرك ولو شبرا واحدا ، ولماذا يتحرك بالأساس ؟ وهذا الرصيف هو مكانه وبيته ومستقره ، والسماء هي سقفه وظله ، وهذا المطر هنا هو الضيف و الزائر الغريب ، وسواء طال وقت مكوثه أو قصر ، فسوف يذهب المطر ويبقى أسعد جالسا في مكانه هنا على نفس الرصيف . نفس هذا الرصيف احتضن أسعد منذ كان طفلا في الخامسة ، حينما وجد نفسه وحيدا في هذه الحياة على هذا الجانب من الشارع على هذا الرصيف بالتحديد ، بلا أب أو أم يعرفهما ، لا يعلم عن الحياة شيئا ولا يملك من حطامها أي شيء ، يتسول من المارة الذاهبين والقادمين ، طالبا منهم بصوت مليء بالاستجداء و الرجاء أي عطية أو صدقة ، أي شيء ولو كان قليلا، فترى أحدهم يعطيه ربع درهم يلقيه في حجره ، وترى الآخر يمسك ببقية رغيف خبز كان في يده ويعطيه إياه ، وهذا يزجره وينهره ، والآخر يتجاهله وكأنه غير موجود أساسا ، وكلما تقدم أسعد في العمر انحسر إشفاق الناس عليه وقل ماله الذي يجنيه من تعاطفهم . على هذا الرصيف قضى أسعد خمسة عشر عاما من عمره القصير ، الذي بلغ العشرين ربيعا منه ، بل قل عشرين خريفا مليئة بالعواصف والأمطار ، فلا وجود للربيع في حياة أسعد ، حياته إنما هي صيف شديد القيظ ، أو شتاء ذو زمهرير قاتل ، أو خريف يحمل الرياح و الأعاصير . يقضي أسعد كل يوم من أيامه منذ يستيقظ مع ساعات الصباح الباكر فور إحساسه بحركة أرجل السائرين بالقرب منه ، الذاهبين إلى أعمالهم أو مدارسهم وجامعاتهم ، ليعتدل في جلسته ويمسح أثار النوم من على وجهه الكالح بيديه المتسختين ، ثم يبدأ بترداد جملته التي لا يحفظ غيرها تقريبا ,,صدقة لله رب العالمين ’’ . يعيش أسعد كل لحظة من حياته على حدا ، غير متأمل أو ناظر إلى غد ، وأي غد ينتظر من هم مثل أسعد ! ، لا أمل ولا طموح له ، وإن كان له أمل في حياته ، فأقصى الأمل و الطموح في هذه الحياة التي لا يملك فيها حظا من اسمه أن يبيت وبطنه ممتلئة شبعى ، دون إحساس بألم الجوع الذي يبيت بجواره في غالب الأيام . لم يفكر أسعد أن ينظر إلى وجه في المرآة يوما ، ومن أين يأتي بهذه المرآة من الأساس ، حتى أنه لا يعرف ملامح وجهه بدقة ، فقط تلك الصورة الضبابية المشوه التي يراها عندما ينظر إلى وجهه في صفحة الماء الذي يتراكم بجانب الرصيف أحيانا بعد نزول الأمطار ، ملامحه التي عبثت بها و غيرتها وأنهكتها الأيام ، فملامح وجه المترهلة مبكرا ، وعينيه التي يغطي السواد محيطهما ، ولحيته وشاربه الطويلين الذي لم يحلقا منذ نبتا على وجهه ، وشعره الأسود المجعد المليء بالأوساخ والأتربة ، تجعلك حين تراه من قريب أو من بعيد تحسبه لأول وهلة قد جاوز الخمسين من العمر ، بالرغم من أنه لم يبلغ الواحد والعشرين بعد . لم يملك أسعد سببا واحدا لمحاولة تغير حياته تلك أبدا ، والتي يتفق الجميع مهما اختلفت معاييرهم أنها حياة بائسة غير آدمية ، وكيف يغيرها وقد علم في قرارة نفسه أن تلك الحياة التي يعيشها هي الحياة التي كتبت عليه ، وأنه لا مفر له من ذلك الأمر ولا مرد لذلك القضاء ، وأنه مهما فعل وحاول ، فلن يعيش غير تلك الحياة التي كتبت عليه ما دامت السماوات والأرض ، وانه لن يستطيع أبدا تغير قدره المكتوب ، ومن منا يستطيع فعل ذلك ! . ,, ما هذا الهراء ! ’’ لفت هذا الصوت القادم بالقرب من أسعد والذي أختلف عما حوله من الأصوات الممتزجة بين قرع النعال السائرة ، ودقدقة قطرات المطر النازلة ، وهدير السيارات المسرعة ، واستطاع لفت انتباهه بسرعة . لم يصدق أسعد عينيه وما يشاهدنه ، وكأنه أنتقل فجأة من الواقع وأصبح يعيش في حلم ، ولكن ليس حلم عاديا ، بل حلم في غاية الجمال والروعة ، كان أجمل شيء رآه أسعد منذ ولد ووجد على ظهر هذه الحياة التعيسة ، وللمصادفة السعيدة كان مصدر هذا الصوت هو ذاك الشيء الجميل الذي أذهل أسعد بسحره . فتاة علق كعب حذائها ذو الكعب العالي المدبب في حفرة اختفت معالمها تحت وطأة المطر النازل من السماء ، فلا يستطيع السائر أن يتبين موقعها بدقة ، لتعلق فردة حذائها الأيمن في الحفرة ، وتنزلق رجلها من داخله بسرعة إلى الخارج ، دون أن تفقد الفتاة توازنها في ظل هذه الأرض الزلقة بسبب ماء المطر ، لتعود الفتاة بعد أن تحركت خطوات قليلة بعيدا عن حذائها ، وتمشي برجليها التي تنتعل حذاء واحد في إحداهما ، والأخرى تخوض في مياه الطريق ، لتنحني إلى الأسفل وتلتقط حذائها ، وتنتعله مرة أخرى في رجلها ، ثم تكمل طريقها مبتعدة عن ناظري أسعد . كان مشهد قصيرا عاديا جدا بالنسبة للكثير منا، أما بالنسبة لأسعد فقد تابعه بكل حواسه حتى حفظ في مخيلته بل في قلبه كل ثانية في ذلك المشهد المهيب ، فتاة ترتدي فستانا ذو لون أحمر ناري وحذاء أحمر اللون ذو كعب عالي ، بيضاء البشرة مشربة بحمرة مثل بياض السحاب الذي غاب في ظهر ذلك اليوم وظهر جليا في وجهها ، وشعر أصفر كمثل اصفرار الشمس في كبد السماء ، وعينيها البنية التي اخترقت قلبه وكأنها رصاصة قناص محترف يعرف كيف يصيب أهدافه من بعيد ، يعلق حذائها في حفرة لعينة اجترأت أن تقترب و تزعج هذا الملاك المنزل من السماء ، مستترة كالجبناء بمياه المطر استطاعت أن تجد طريقها إلى طرف حذائها ، لتسلبه إياها ، ولكن هيهات ، تعود الفتاة مسرعة لتنزعه من تلك الحفرة بكل قوة وخفة ورشاقة ، ثم تعود إلى وجهتها وطريقها من جديد . ,,من تلك الفتاة ؟’’ قالها أسعد بصوت منخفض محدثا نفسه ، رغم أنه وطوال عمره لم يدفعه شيء أبدا أن يتساءل أو يتكلم بغير جمل الاستعطاف والاستجداء، ولم يستطع شيء أن يلفت نظره واهتمامه ، رغم ألاف الأحداث والأشخاص الذين يصادفهم كل يوم في جلوسه على هذا الرصيف . ظل أسعد في مكانه يفكر في تلك الفتاة التي لا يعرف عنها شيئا سوى هيئتها البهية ، ليهدأ المطر المتساقط فجأة كما بدأ فجأة أيضا ، وتشرق الشمس من جديد من خلف السحب الرمادية ، وكأنما أشرقت الشمس ومعها النجوم عندما مرت تلك الفتاة من جانب أسعد لتعيد للكون نوره ودفأه . ولكن كل ذلك لم يرقى لأن يقطع أفكار أسعد التي كان كل خواطرها تدور حول تلك الفتاة فقط ، يتكرر نفس المشهد نفسه في مخيلته مرارا وتكرارا دون أن يمله ، لترتسم على شفتيه المتشققتين ابتسامة بلهاء كلما لاحت صورتها في مخيلته ، لتتسارع معه كل مرة دقات قلبه التي لم تنبض بهذه السرعة من قبل . قضى أسعد اليوم مكانه دون أي حراك ، حتى أنه لم يقم من مكانه من أجل البحث عن طعام رغم أن معدته كانت تصدر الأصوات الشاكية من جوعها ، ولم ينظر أسعد أو يلفت انتباهه أرباع الدراهم المعدنية التي تراكمت على حجره المتسخ دون أي يطلبها أو يسألها من أحد ، بقي أسعد على هذه الحالة فترى طويلة ، حتى إذا حل الليل وأتى الظلام جمع أسعد كل تلك الأرباع التي جاوز عددها الستة عشر ربعا ، واضعا إياها في جيبه الأيمن ، مستلقيا مكانه بكل هدوء ، ليغلق عينيه التي أرهقهما طول الاستيقاظ ، ويدخل في نوم عميق . استيقظ أسعد منتفضا من مكانه مع إحساسه بقرع نعال القوم المارين بجانبه، ليعتدل سريعا ثم يجلس ناظرا في نفس الاتجاه الذي رأى فيه تلك الفتاة بالأمس على أمل أنه سيستطيع أن يراها اليوم ثانية و يملأ مقلتا عينيه منها التي اشتاقتا لها منذ الأمس القريب ، متأملا بكل صبر دون أن تغفل عينيه ولو لحظة واحدة ، وكل ذلك حتى لا يضيع أي لحظة من لحظات مرورها الثمينة أمامه ، انتظر أسعد لساعة وساعتين ، ثم لثلاث ساعات وأربع ، بل أنتظر اليوم بطوله دون أن يمر ملاكه المنتظر ، أنتظر دون أي حراك ، ولم يغادر مكانه من أجل طعام أو قضاء حاجة فضلا عن أي شيء آخر ، ليحس أسعد لأول مرة في حياته في نهاية هذا اليوم بأنه حزين جدا رغم مجلدات حزنه السالفة ، و وحيد في هذه الحياة رغم أحاطت ألاف البشر به من حوله ، و أحس أسعد لأول مرة بأنه فقير حقا يفتقد شيء ما ، ولكن ليس المال اليوم الذي افتقده أسعد ، بل هي فقط ، هي التي كان يفتقدها حقا . لينظر أسعد إلى حجره الذي أمتلئ مرة أخرى بأرباع أكثر من الأمس ، وقد أشفق عليه المارة الذين رأوه ثابتا في موضعه بلا أي كلمة أو حركة ، ليجمعها أسعد في كفه ثم يضعها في جيبه مع أرباع الأمس التي كانت فيه ، ويتمدد في مكانه ضاما رجليه إلى صدره وهو يغلق عينيه بحزن شديد ، ليدخل أسعد في نومه بسرعة ، الذي هرب إليه من خذلان هذا اليوم . ليكون أول ما يراه في حلمه لحظة إغلاقه عينيه هي ، نعم هي ، بنفس ملامحها الملائكية وملابسها الأنيقة ، تقترب منه قادمة من بعيد ، لتمد يدها إليه ، ولكن ليس بالصدقة كما يفعل الآخرون ، لقد مدت يدها إليه لتساعده على النهوض من على هذا الرصيف ، لينظر أسعد إلى نفسه على زجاج أحدى السيارات ويشاهدها وهو في كامل أناقته ، وقد ألقى ملابسه الرثة المتسخة وارتدى بدلة سوداء أنيقة مع قميص أبيض ناصع البياض وربطة عنق سوداء وحذاء أسود في غاية اللمعان ، لتمسكه من يده وتشبك أصابعها في أصابعه ، وتمشي معه على امتداد الرصيف الذي جلس عليه أسعد لخمسة عشر عاما كاملا ، ناظرة إليه وعلى وجهها تلك الابتسامة الساحرة التي تستطيع أن تخرج الشمس من ظلمات الليل لتضيء الكون بما رحب ، وتشفي كل المرضى من أسقامهم ، وتزيل الهموم عن كواهل المكروبين . كان لقائهما في حلمه بلا أي كلمات ، فقط تلك النظرات الطويلة التي تبادلاها فيما بينهما ، تلك النظرات التي كانت كافية وغنية عن أي كلمات ، وكأنهما قد ابتكرا لغة خاصة بهما ، تصدرها الأعين وتتلقاها ، لغة لا يفهمها غيرهما ، كل ما كان يريده أسعد لهذا اليوم تحقق أخيرا ، تحقق ولو في أحلامه ، أن يراها فقط ، كان هذا كل أمله ومناه ، وما لا نستطيع تحقيقه في واقعنا ، فإننا نهرب إلى أحلامنا منه ، لعلنا نستطيع أن نجده فيها ، وها قد وجده أسعد بالفعل . ليستيقظ أسعد بعدها مع وقع خطوات السائرين ويعود إلى واقعه البائس ، بملابسه الرثة ورصيفه المتسخ ، ثم ينهض أسعد من مكانه بسرعة ، بحثا عن أي ماء متراكم في الأرض ، أو سيارة مركونة هنا أو هناك لينظر في زجاجها إلى هيئته ، ولكن بلا جدوى كان الطريق خاليا من السيارات المتوقفة ، والطريق جاف مثل الجمر المشتعل ، كان كل ما يريده أن يشاهد نفسه ويستطيع ضبط هيئته قد الإمكان ، حتى إذا وقعت عيناها عليه إذا مرت اليوم ، رأته بأفضل صورة ممكنة . ,, ابتعد عن الطريق لو سمحت ’’ جاءت تلك الجملة من خلفه بنفس الصوت الذي حفظه أسعد في عقله وقلبه ، لينظر خلفه ، ويشاهدها تقف خلفه مباشرة ، لم يصدق أسعد ذلك ، تسارعت ضربات قلبه في أجزاء من الثانية حتى كاد قلبه أن يخرج من مكانه ، كانت تقف خلفه ترتدي فستانها الأحمر وحذاءها ذو الكعب العالي الذي يحمل اللون نفسه ، وقد وضعت أحر الشفاه الأحمر الداكن الذي لاحظه أسعد لأول مرة عن قرب . جلس أسعد يتأملها لأجزاء من الثانية ، وكأنما يشبع نهمه منها ، دون أي يسمع أو يفهم كلمة مما كانت تقول ، ,,أنت تسد الرصيف يا سيد ’’ ليفهم أسعد أخيرا جملتها ويستنتج أنه يقف في منتصف الرصيف معيقا المارة عن السير ، ليبتعد أسعد بسرعة عن طريقها ، وتمضي الفتاة في طريقها . تتبعها أسعد بعينيه ، حتى وجد نفسه يمشي خلفها لا إراديا ، وكأنما هناك رابطة مغناطيسية خفية بينه وبينها ، تجذبه إليها دون أن يستطيع المقاومة ، مشى خلفها تاركا مسافة تقترب من ثلاثة أمتار بينهما حتى لا يخيفها ، أو تظن أنه مترصد أو سارق يريد سرقة حقيبتها ، حتى إذا وصلت الفتاة إلى نهاية الرصيف عبرت معبر المشاة إلى الجهة الأخرى من الشارع ، ليتوقف أسعد في مكانه عند حافة الرصيف بلا أي حركة ، ويشاهدها تبتعد عن ناظريه وتختفي بين البشر الكثيرين و، لينظر أسعد إلى رجليه الحافيتين اللتان خذلتاه ولم يستطيعا أن يساعداه على مغادرة هذا الرصيف ، وكيف يغادره أسعد وهذا الرصيف هو كل العالم الذي عرفه ويعرفه ، وعند حدوده يتوقف حدود عالمه ، لقد ذهبت إلى عالم أخر لا يستطيع أسعد ولوجه أبدا ، لتظهر الحقيقة التي لم يكن يعلمها أسعد طوال عمره ، أنه ليس فقط لا يستطيع تغير حياته ، بل أنه لا يستطيع مغادرة هذا الرصيف أبدا ، و الذي ما هو إلا رمز لتلك الحياة . عاد أسعد ليجلس مكانه في بقعته من الرصيف التي اعتاد أن يجلس عليها منذ الأزل ، شاعرا بغصة ومرارة عدم قدرته على اللحاق بها . لماذا لم يملك أسعد الشجاعة أن يكمل طريقه خلفها ؟ ، ماذا يخشى إن تجاوز هذا الرصيف إلى رصيف أخر أو حتى إلى شارع أخر ! ، يميل البشر دوما إلى ما يعرفون ، ويخشون دائما ما يجهلون ، هذا حقيقة ثابتة على كل البشر، و هنا كان هذا الرصيف هو كل ما يعرفه أسعد ، ولكن لسوء الحظ لم يكن هذا الرصيف عالم الفتاة الوحيد أو حتى جزء منه، لقد كان لها عوالم أخرى لا يعرف أسعد عنها شيئا . ,,أريد أن ألحق بها ’’ قالها أسعد بحزن شديد ، ونزلت دمعة هاربة من عينيه ، تلك العيون التي لم تعرف البكاء منذ كان طفلا في الخامسة ، ولم تضعف أبدا حتى في أشد ظروف الحياة وأصعبها ، سواء في مرض أو فقر أو فقد ، كان قلب أسعد مثل الحجارة بل أشد قسوة ، ولكن يبدو أنه للكل حجر وقت لتتفجر منه الأنهار . تكور أسعد في مكانه من جديد ، وأغلق عينيه للحظات ، لتبدأ أحلامه من جديد ، ليرى نفسه يقف على الرصيف ، وقد ارتدى نفس البدلة التي رآها في الحلم السابق ، وقد تحرك بكل ثقة إلى أخر الرصيف ، وعبر الشارع إلى الجهة المقابلة ، ليجد فتاته في انتظاره هناك ، وقد ارتدت فستانها الأحمر الأنيق، وكأنما تنظره أن يأتيها ، أمسك بيدها وانطلقا ليغيبا عن نظر أسعد المشاهد لهذا المشهد من بعيد . ليستيقظ أسعد على صوت قطرات المطر الخفيفة التي هطلت مرة أخرى فجأة كما فعلت قبل يوم أمس ، لينهض أسعد من مكانه وقد علم ما يجب عليه أن يفعله، لقد عزم على مغادرة هذا الرصيف إلى الأبد ، هذا الرصيف الذي قيضه إلى أرضه وجعله أسيرا له ، لقد علم أسعد أخيرا أن تلك الفتاة ما هي إلا ملك مرسل من السماء ، برسالة له تخبره أنه قد حان وقت تغير حاله وحياته تماما ، وأن كل ما يتطلبه الأمر أن يعبر هذا الشارع فقط . اتجه أسعد إلى طرف الرصيف من جديد ، واقترب من معبر المشاة الخالي من المارة ، وكذلك الشارع الذي خلى فجأة من السيارة ، رافعا رأسه إلى السماء التي ما زالت تمطر فوقه ، ناظرا إلى الجهة المقابلة من الشارع ، ليرها تقف هناك ، كانت تقف وهي ترتدي فستانها الأحمر ناظرة إليه ، وملوحة إليه بيدها ومشيرة إليه قائلة بصوت غلب الآلات الموسيقية في عذوبته ,, تعال يا أسعد أنا أنتظرك ’’ لترتسم على وجه أسعد ابتسامة عريضة ، وتهرب تلك الدمعة من عينيه مرة أخرى من فرط سعادته ، نعم لقد نجح وها هي هناك تنظره ، ليمسح أسعد دمعته بكفه ، ويحرك رجله لأول مرة ويلامس معبر المشاة الذي لم يلمسه أبدأ طوال عمره ، ويحس بالإسفلت الذي خالطه الماء يلامس جلد رجله ، وهي تنظر إليه وتترقبه ، ليتوقف المطر في لحظة ملامسته للطريق وتشرق الشمس من خلف الفتاة تماما، باعثة بأشعتها الساطعة إلى عيني أسعد ، ليغلق عينيه من سطوع الضوء القوي ، ويسمع صوت قادم عن يمينه . لقد سمع هذا الصوت ملايين المرات ولكن لماذا لا يتذكره الآن ، ليحول رأسه إلى الجهة اليمنى ويرى مصدر الصوت ويتأكد معه أنه لا مجال لمغادرة هذا الرصيف ، وأن القدر سوف يمنعه بكل الوسائل والطرق ، وأنه إذا تجرأ وغادره ، فأنه ليس له عقاب إلا الموت ، لقد رأى شاحنة حمراء تحمل نفس لون فستان الفتاة ، قادمة بسرعة في اتجاهه وقد أصدرت صوتا عاليا يصدر بكل قوة لكي يبتعد أسعد عن طريقها ، وهو ما لم يحدث . لقد تجمد أسعد في مكانه في منتصف معبر المشاة ، وخذلته رجله مرة أخرى كما خذلته من قبل ، لتدهسه الشاحنة المسرعة ، وتتوقف الشاحنة على بعد عشرات الأمتار من معبر المشاة وقد سحبت جسد أسعد الهزيل معها ، محطمة عظامه تحت عجلاتها ، ليعلق أسعد تحت الشاحنة التي توقفت فوقه مباشرة ، ورغم الألم الشديد الذي أحسه لم يستطع أسعد أن يصرخ أو يصدر أي صوت . بدأت أنفساه تتباطأ ، والرؤية أصبحت ضبابية ، ليرى بصعوبة جموع الناس الذي اقتربوا منه ليشاهدوا ماذا حصل له ، لم يستطع أسعد تميز ملامحهم بدقة ، ولكنه أستطاع أن يتعرف عليها فورا ، كانت تقف فوقه مباشرة ، وعلى وجهها نظرة الأسى لذلك المسكين المنحشر تحت عجلات الشاحنة ، أبتسم أسعد عندما رآها ، قائلا بصوت خافت ,, لقد كنت أنت أملي ، من أجلك عبرت الشارع وتركت الرصيف ’’ ليغلق أسعد عينيه إلى الأبد ويرحل بهدوء .

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد