تجربتي مع انتحاري صغير

2021-01-18

تجربتي مع انتحاري صغير ..                                                           في عصر ذات يوم .. كباقي أيام الحرب التي ابتلعت البشر بما يشبه ( الثقب الأسود ) .. كنت عائدة من منزل أخي بعد زيارة استمرت لأيام حاولت خلالها تحسين وضعي النفسي الذي ساء كثيراً بسبب الأوضاع السائدة حينها .. صعدت إحدى الحافلات لتنقلني خلال الشوارع الخالية من كل شيء عدا الخوف وطوابيرالسيارات الطويلة المنتظرة أمام محطات البنزين كشواهد القبور .. كانت الحافلة خاوية على عروشها تنتظر ضعف العدد المسموح بنقله من الركاب .. انتظرت طويلاً أنا وتلك المقاعد المهترئة .. بينما كنت غارقة في همومي التي تساقطت على رأسي كوابلٍ من الحجارة .. لم انتبه لصعود ذلك الطفل وجلوسه على الكرسي المجاور لي .. نظرت إليه نظرة عابرة ثم نقلت عيناي لتقعا على السائق الذي انتفخت وجنته ممتلئة بالقات وتلك السيجارة التي تحاول عبثاً النفاذ لفمه.. كان يدخن بنهم وكأنه ينفث ذات الهموم التي عبثت برأسي مع ذلك الدخان .. يلتفت يميناً ويساراً عله يجد أحداً ليدعوه إلى صعود الحافلة .. عدت لأفكاري وهمومي وأسندت رأسي على النافذة لأتجه ببصري نحو ذلك الصبي .. وبين الفينة والأخرى أصحو من غيبوبة أفكاري لأجد الحافلة كما هي .. بدأت أتململ وأشكو لنفسي بؤس الانتظار اللامجدي.. وعدت لأتفحص ملامح الصبي .. يبدو لي وكأنه في الخامسة أو السادسة عشر من عمره.. يرتدي قميصاً أبيض وبنطال بني .. شعره غير مرتب رغم نعومته وكثافته.. ولكن لحظة .. ماهذا ؟!! ماهذا الخيط الذي يخرج من بين أزرار قميصه ويلفه حول أصبعه السبابة ؟!! ربما كان خيطاً عادياً تدلى من القميص .. وأخيراً أطل راكب جديد .. عجوز يحمل كيساً.. لم أتمكن من تخمين ماقد يحتويه .. حاول الصبي إفساح المجال للعجوز كي يدخل ويستقر في المقعد الخلفي .. عدت بنظراتي أتفحص هذا الصبي .. وكأن حاستي السادسة تنبؤني بأن وراءه شيئاً ما .. التفت بنظري للنافذة وفجأة .. ماهذا ؟!! لقد لمحت ضوءاً أحمر يتسلل من خلال الفراغات التي تتخلل أزرار قميص الصبي .. وهنا سرت القشعريرة في عمودي الفقري حتى وصلت أطراف شعر رأسي الذي حسبته قد استقام .. عاودت النظر خلسة لأتأكد.. نعم شيئاً ما يصدر ضوء أحمر من تحت قميصه .. شيء يشبه موضع الضوء الأحمر الذي يخبرك بأن جهازاً ما يعمل .. ثم إنه لم يترك ذلك الخيط .. ماالذي يعنيه ذلك ؟!! حزام ناسف ؟!! مستحيييل.. هنا فقط توالت أبشع الصور لأشنع مناظر الجثث والأشلاء أمام عيني .. وهنا تواردت أسوأ الأفكار على رأسي .. رأسي مستقراً بعيداً عن جسدي .. ويدي مبتورة وملقاة تحت ذلك الحائط والحافلة لم تعد إلا هيكلاً محترقاً.. والصحافيون يحاولون التسلل من خلال رجال الشرطة لالتقاط مزيداً من الصور ... وأخبار في الجرائد والنشرات الإخبارية عن تفجير انتحاري عدد ضحاياه ( ......) لا أدري .. ولكن من سيخبر والدي وعائلتي عن موقعي في هذا الحادث الإجرامي ؟!! تباً الشرطة كفيلة بذلك .. أطرافي تجمدت حتى صارت كالجليد.. تصبب العرق من كل مسامات جسدي .. وتسارعت دقات قلبي كمحرك قطار .. ماذا لو حاولت الهروب !! ماذا لو هممت بالنزول وبحركة عصبية منه سحب ذلك الخيط اللعين !! كم من الوقت علي أن أبقى خلاله بهذا الجحيم .. مسكين أيها العجوز !! أنت لاتدري ماسيحل بك بعد قليل .. وأنت كذلك أيها السائق .. إعصار من الأفكار اجتاح عقلي .. والحقيقة أن عقلي أصبح عاجزاًتماماً عن التفكير .. تمتمت بالشهادتين ولذت بالاستغفار .. كنت أفكر عبثاً حول كيف يمكنني إقناع هذا الصبي بالعدول عما هو مقدم عليه .. فكرت وفكرت .. أخرج هاتفه وطلب رقماً ما ..كدت أصرخ من شدة هولي ورعبي..تماسكت وتماسكت وحاولت عبثاً الاستماع لتلك المكالمة ..لن يصدقني أحد إن قلت بأني لم أستوعب أي شيء مما قاله رغم قربه مني ..لم يصل حينها لإداركي سوى ( أمي - النقود) ماذا يعني هذا ؟ وداع .. ثمن .. !! العد التنازلي يمضي بسرعة البرق .. وماهذا أيضاً ؟!! امرأة تبدو عصرية الهيئة صعدت لتجلس بجواري .. الآن فقط لست مستعجلة على قدوم المزيد من الركاب .. حسناً جلست بجواري أي أن المسافة بيني وبين باب الحافلة تضاعفت .. انعقد حاجبا الصبي وهنا تسمرت في مكاني .. هل أصرخ .. هل أخبر السيدة التي تجلس بجواري كي يتسنى لها النطق بالشهادتين !! لا يمكنني احتمال المزيد ..نهضت بجسد أوهن من عجوز تعدى عمرها المائة والعشرين ..أومأت بيدي المتجمدة والمرتجفة للمرأة كي تفسح لي المجال للمغادرة ...... ثلاث خطوات كأبعد مسافة بين نقطتين .. ثلاث خطوات تحكي ملحمة الفرار من فم الموت واللحاق بموكب الحياة .. ثلاث خطوات أحسست خلالها لملايين المرات بأني سأقع سأتعثر.. بل سأتحول لأشلاء في أقل من ثانية. . هاأنا ذا على عتبة الحافلة .. يرتجف جسدي ويخفق قلبي ويزداد عقلي ضياعاً.. هاهي القدم اليمنى قد وضعتها على الأرض وهاهي اليسرى تلحق بها ..لا .. لامجال للفرحة .. فأنا إلى الآن لازلت بجوار الحافلة .. لماذا أشعر بأن الأرض تهتز ؟!! لما لا أستطيع الرؤية ؟!! ماهذا الدوار !! جسدي يتناثر ويتجمع آلاف المرات في كل خطوة أخطوها.. وصلت أخيراً لمنعطف استطيع فيه التوقف والجلوس .. إنها الحياة .. استطعت ابتلاع شيئاً من اللعاب .. والتفت للوراء لأرى ماسيحل بتلك الحافلة المشؤومة.. لاشيء إلى الآن .. ذلك السائق المحبط لايزال ينتظر المزيد من الركاب .. حسناً أنا بخير .. بخير .. بدأ وخز الضمير يهاجم قفصي الصدري .. هل أتركهم وأمضي ؟!! أم هل أبلغ أحداً ما ..ماالذي يجب علي فعله ؟!! أكاد أجزم بأني وإن نجوت من ذلك الانتحاري .. سأموت بالتأكيد من هول تأنيب الضمير إن تركتهم ضحايا لجنون ذلك الحزام الملعون .. رجل مرووور.. يال عطفك ياإلهي.. هرعت إليه .. حاولت إخباره بكل ماسبق في أقل من ستين جزء من الثانية.. وبالتأكيد حتى أشد الحواسيب تعقيداً وحداثة لن يستطيع فك شيفرة ماقلته.. بعد العديد من المحاولات نجحت في إبلاغه وإفهامه ماقد يحدث هناك .. طلب مني البقاء في مكاني وتوخي الحذر .. واتجه نحو سائق الحافلة .. ربما تظاهر بأنه يأمره بالنزول للتوقيع على مخالفة ما .. وبالتأكيد سيخبره بسرية تامة عن ذلك الصبي .. وهذا ماحدث بالضبط .. حينها دار سؤال مُلح في رأسي .. ترى لو كنت أنا بموقع رجل المرور هل سأذهب لإنقاذ الموقف ؟!! لايهم.. ابتعد الاثنان عن الحافلة بعد أقل من دقيقة عاد السائق ليختلق شجاراً مع المرأة .. لا أدري ماالذي أدلى به ليجعلها تغادر الحافلة غاضبة .. بقي ذلك العجوز .. من سيقنعه بترك الحافلة دون أن يشعر الصبي بشيء ؟!! عاد السائق إلى رجل المرور وبدأ على مايبدو بإعداد خطة سريعة لإنزال ذلك العجوز .. عاد السائق ليخبر العجوز ربما بأن أحد ما يناديه وبيده شيء ما ربما سقط منه .. وبسرعة غادر العجوز الحافلة ليختطفه رجل المرور ويخبره عن الأمر .. يحاول العجوز كما رأيت العودة للحافلة لأخذ كيسه.. لكن رجل المرور بدافع الخوف يمنعه من ذلك .. بقى ذلك الصبي وحيداًفي الحافلة ..          لم يجرؤ السائق على الاقتراب من حافلته وكذلك رجل المرور ....أصيب ذلك الصبي بخيبة أمل كونه لم يجد الحقل المناسب لانفجاره العظيم .. وهاهو يغادر الحافلة خائباً.. لا أدري إلى أين سيتجه.. ولا يزال شيء من الضمير يعبث سرعان ماأخمدته.. كوني استطعت إنقاذ نفسي ومن معي ممن كانوا في الحافلة .. هذا لايعني بأني سأتحول إلى جهة مختصة بمكافحة الإرهاب .. بينما كنت غارقة بأفكاري تلك .. هز الشارع دوي انفجار عنيف . هل تراه قرر الانتحار عشوائياً ؟!' هذا مادار برأسي حينها ..وهنا كانت الصاعقة .. ليس مجدداً!! ذلك الصبي هاهو بجواري مختبئاً يلهث من الخوف ويتمتم بألوان من الأدعية .. إذاً من المسؤول عن الانفجار ؟!! إنها الحافلة !! ولكن كيف ؟ ترى من سواه الذي تبقى في الحافلة .. ذلك الكيس الذي كان بحوزة العجوز الحقير .. كيف شككت بهذا الطفل البريء !! وكيف تجاهلت ذلك العجوز المجرم ؟ التفت نحوه وسألته وقد اعترتني الشفقة لحالته : _ هل أنت خائف ؟ أجاب : نعم قلت : ماهذا الشيء الذي تضعه على خصرك ؟ وأشرت إليه بشيء من الريبة وبدوره فهم ماأعنيه وأجاب : هذا ؟! ثم شرد بتفكيره للحظات .. سألته: لمَ لم يفجر الحافلة ؟ أجاب : فضلت الذهاب لمكان أكثر ازدحاماً .. وفكرت أن أستقل حافلة ومن ثم ... عاد للشرود ذاته .. وقف كأنه قد عزم على شيء ما .. حاولت أن أستبقيه دون جدوى .. ركض بعيداً عني .. لم تكن حالتي تسمح باللحاق به .. التفت نحو الحافلة المحترقة رأيت مناظر شنيعة لجثث ملقاة هنا وهناك .. كان من بينها جثة السائق ورجل المرور .. قررت الخروج من تلك الدائرة وعدت للمنزل كقنينة خاوية .. لم أستطع استيعاب ماجرى كل ما أنا واثقة منه هو أني لم أعد إلا مثقلة بالخوف .. الخوف على الطفولة.. على الأوطان .. على الإنسانية ..                                                                       ...... انتهى.......

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد