آمال على النافذة

2021-01-18

 

أمنياتنا هي ما تبقينا أحياء , هي ما يجعلنا ننتظر الفجر بلهفة مهما طال الليل وأوحش , أن ننتظر المحطة التي ستأخذ روحنا المعذبة الى العالم الذي نحلم به قبل أن يفوتنا القطار . كنت صغيرة عندما أدركت انني لن أسمع أمي مجدداً ولن أستطيع أن أناديها أو ألعب معها , لن تأتي كل صباح لتفتح نافذة غرفتي كي تسمح لأشعة الشمس المحتجزة خارجاً من الدخول , فقدان أمي علمني ما لم تعلمني اياه المدرسة التي اضطررت أن أتركها لأقوم بواجبات منزلنا كوني البكر , مدرستي التي كنت أراقب بها أحلامي من بعيد, والتي لم أتخيل الابتعاد عنها بأي حال لولا جملة علقت بأذني حين صرخ جارنا بوجه ابنته ذات العشرين ربيعاً " نحنا ما عنا بنات تتوظف " .. وماذا عن معهد الفنون التي كانت تشاركني كل رسمة تتعلمها منه؟!! .. ماذا لو كان أبي سيطيح بكل ما بنيت من آمال بهذه الجملة حين أكبر؟!! حينها أودعت حلمي للحمامة التي كانت تقف على نافذة غرفتي كل صباح تسابق باص المدرسة .. -أتعلمين ؟ الجميل المبكي أن نكون أنا وأنتِ كتوءمين يحفظون أحلامهم المدمرة داخل قلوبهم , فلا نبوح بها الا لخيالنا على المرآة أو هنا على هذه النافذة ... قلت ذلك لجارتنا الشابة من نافذة غرفتي المطلة على غرفتها , والتي لم يمنعنا فارق السنين الخمس من أن نكون صديقتين . لقد أغلقت الحياة أبوابها أمامنا لتفتح لنا نافذة صغيرة تجمع آمالنا وآلامنا . -هل ما زلتِ تريدين عمل معرض الرسم كما قلتِ لي بعد انهائك العام الأول في المعهد ؟! -للأسف لا .. سأجلس في غرفتي هذه محتفظة بخربشات ريشتي حتى أنتقل لبيتي الجديد . -بيتك الجديد!! وهل ستغادرون الحي ؟! -أنا سأغادر .. منصور ذاك الشاب الذي طالما تشاجرت معه عندما كنا صغار تقدم لخطبتي وقبلت به . -منصور! لكن أظنك تكرهينه ! -ليس بقدر كره هذا السجن الذي أعيش فيه .. لم أعد أطيق النظر الى كراسات المعهد .. فلم تعد تعنيني تلك الرسومات والألوان .. ما يعنيني الآن هو مستقبلي البارد المجهول الذي فُرض علي. لقد أصابتني القشعريرة بكلماتها تلك .. يا الهي .. أنا اخترت أن أقتل قلمي ودفتري .. أنا ودّعت حلمي حين اقتربت من الوصول .. أنا تركت مدرستي بيت أحلامي وجلست أنتظر المصير ذاته .. كيف لي أن أعود؟! .. كيف سترجع حمامتي تلك لتقف على نافتي من جديد؟ لقد وصلت لمرحلة اللاانتظار واللاترقب .. فماذا أنتظر؟ وماذا آمل بعد الآن؟ بكيت حينها من دون أن أشعر على مستقبل لم يُرسم بعد .. لكن رأيته من نافذة غرفتي بوجه صديقتي الفنانة .. الآن عرفت سر أمي - رحمها الله - حين كانت تفتح نافذة غرفتي كل صباح لتدخل أشعة الشمس .. هي في الحقيقة كانت تفتح المجال لأطلق أحلامي في السماء ولا أجعلها حبيسة هذه الجدران .. سأوفر دموعي تلك لأني ربما أبكي كثيراً في المستقبل.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد