اثنتا عشرة

2021-01-18

 

" تك .. تاك تك .. تاك " ويتسمّرُ العقربانِ عند الرقم اثني عشر .. صدقيني يا فاطمة، هذا الرقم يعني لي الكثير، إنه أعلى رقمٍ في الساعة .. نهايةُ الأشياء وبدايتها، إنه رأسُ الأشهرِ وآخرُها، ألم تسمعي أنه حينما تقتربُ النهايةُ فحتما سوف تقتربُ البداية؟؟! انظري يا فاطمةُ إليّ، اثنتا عشرةَ سنة أيضا وأنا جالسةٌ على هذا الكرسي الحديديّ اللعين، وأنا مثلما أنا: مبتسمةٌ بحزنٍ، أحلمُ أن أكونَ مثلَ الساعةِ مثلاً، إذ أطمحُ إلى بدايةٍ جديدة، أو .. أو أكونَ مثلَ الأشهر، إذ أبتدئ من جديد. اثنتا عشرةَ سنة يا فاطمة وقد أصبح الكرسيُّ مثلَ ظلي؛ لا يفارقني ولا يملُّ مني .. لكنني ما زلتُ أحلمُ بالوقوف، آمالي هي الأخرى تقفُ، وربما تكونُ الأمنياتُ الواقفة هي مانحةَ الأمل وصاحبةَ النهارِ الآتي ..!! كلَّ يومٍ تجلسُ إلى النافذة؛ تستذكرُ تلك اللحظات التي تدهمها كلما لجأت إلى زاوية الوحدة في غرفتها: " كنتُ في السيارةِ، ألهو بأظفري وأتأملني في المرآة الأمامية، أبي بجانبي، متعرِّقُ الجبين، متوترٌ، يسوقُ بتهوّرٍ ملحوظ لم أعتده منه " " كان ينظرُ إليَّ ويبكي، أبي دائمًا مبتسم، ما بالُه يفاجئني بحزنه ؟؟! " " أمي التي تقيم في المشفى .. هل باغتها طارئ يثير كل هذا الضجيج من الحزن ؟؟ أعرفُ أن أبي قد وقفَ كلَّ حياته لأجلها ولأجلنا؛ المرضُ الذي جعلها تسكنُ بين الدواء وغرف الأشعة هو الذي جعلني أدرك قيمةَ الحياةِ أكثرَ .. المرضُ هو الذي يَشفي في داخلي الكثيرَ الكثيرَ من الأسئلة .. لكنها أمي، ولكنه أبي .. أبي يُحكِمُ قدمَه على دواسة البنزينِ ويُسرعُ أكثرَ .. نبضاتي أيضا تزداد وتزداد .. وفجأة يُصابُ المكانُ كلُّ المكانِ بالعتمة والهدوء المُخيف " أدركُ يا فاطمة أنني أستثيرُ فيكِ الدموعَ، ولكن، الدموع هي تماما مثلُ الرقم اثني عشر .. نختتم حزننا بالبكاء لنبتدئ بفرح قد يأتي. " فتحتُ عينيَّ في غرفةٍ زرقاءَ تماما، رائحة الأدويةِ تملأ المكان، أنينٌ خفيف أسمعه خلفَ الستارة، الممرضةُ تمسُك معصمي وتغرسُ فيه إبرةً لئيمة وموجعة .. أحاول تحريكَ رأسي يُمنةً ويُسرة .. أين أبي ؟؟ أينَ أبي ؟؟ ما زالت شظايا الذاكرة تختلط بسرعته الجنونية التي اقترفها .. وتختلطُ بشظايا الزجاج التي ما زالت عالقة في وجهي حتى هذه اللحظة .. وظَهري أشعرُ بخَدرٍ كثيفٍ فيه وكأنه ليس مِنّي ..! " الفقدُ موجِعٌ يا فاطمة، وخاصةً حينما يأتيك هكذا فجأة دون سابقِ إنذار .. ودونما أي إشعار .. " أذكرُ أنني صرتُ أصرخُ .. أنادي أبي، الطبيبُ يهدئني بجملة " أبوكِ بخير "، لكنَّ قلبَ الابنةِ دليلُها .. هناكَ شيءٌ ما يحصلُ أيها الطبيبُ، شيءٌ لا يمكنُ أن يدركهُ الطبُّ ولا يمكن أن يعالجه الدواء ..!! " أدركتُ لاحقًا يا فاطمة أن أبي قد غادرَ الحياةَ وتركني أذهبُ إلى المَشفى وحيدةً، لا سندَ لي، ولاحقا أدركتُ أنه لا ظهرَ لي كذلك " بدأتُ أتنقَّلُ في الممر المحاذي لغرفتي في المشفى على كرسي يحملني، ويجعلني أحملُ في داخلي همًّا كامنًا وخوفًا مما سيكون .. خوفٌ يتبعني في كل حركة لهذا الكرسيّ " همسَت لي الممرضة يومَها: " هذا الكرسيُّ هو بيتُكِ الجديد يا حنين .. لا تقلقي ولا تفقدي الأمل، الحادثُ كان عنيفًا، واحمدي الله أنكِ خرجتِ منه وأنتِ على قيدِ الحياة ..!! " الحياةُ يا فاطمة قاسيةٌ، ربما لم تكن هذه القسوةُ مُدرَكةً من قِبَل الممرضة، وهي تهمس لي بذلك، كنتُ أحلمُ أن أكونَ أكثرَ شموخًا في هذه الحياة، لكن القدرَ لم يشأ لي ذلك .. هأنا، اثنتا عشرةَ سنة وما زلتُ أحلمُ بالانتقال من البيت الذي أسكنني به القدرُ والقضاء ..!! " الحياةُ طبيعيةٌ يا حنين، فلا تيأسي، من هنا لا بدَّ أن تبدئي .. وتعلني صرخةً للحياة بأنك ستبقين مثلما كنتِ وستكونين ما تريدين " هكذا أخبرني الطبيب قبل أن أغادرَ المشفى .. متوجهةً إلى جدران الإسمنت الأربعة داخل غرفتي .. على فكرة يا فاطمة، أمي التي شُفيت من مرضها، لم تكن تفارقني لحظةً؛ تصنعُ لي الأمل وتنسجه بكفّيها الحريريتين .. أمي كانت النافذة الوحيدة التي أطلُّ منها إلى الحياة .. أمي التي كانت تقولُ لي دائما: ابتسمي فثمةَ أملٌ ينتظركِ يا بنيتي .. فاطمةُ تُمسكَ يدَ حنين .. وتدفعُ الكرسيّ إلى الساعةِ المحاذيةِ للنافذة، تقولُ لها: إنها الثانية عشرةَ والنصف، وما يزال هناك نصفُ ساعةٍ لفرحٍ سيأتيكِ يا حنين، أنا الآن أقول لكِ أيضا: ابتسمي البابُ يُطرقُ، أصدقاءُ حنين يقفون أمام البيت، يحملونَ شهادتَها الجامعية، التي لم تستطع إحضارها، تحملُ إحداهنَّ قالبَ الحلوى، إنه أيضا يومُ ميلادِها الذي لم تذكره، ففجاءها الجميع بأنهم لم ينسَوه أبدًا .. الأمُّ وحنين وفاطمة يخرجنَ من البيتِ باتجاه الاحتفال المَهيب .. " ما زال هناك أمل باقٍ وأملٌ سيأتي، والألم لا بدَّ أن يزول " هذه العبارةُ وجدتها مكتوبةً على قالب الحلوى .. حنين تنظرُ إلى السماء وتبتسمُ، الكُلُّ حولَها يبتسمُ، تشعرُ يقينا وللمرة الأولى في حياتها أن الذكريات الحزينة لا تبني في قلوبنا سوى الحزن ولا تهدم سوى الفرح، تشعرُ يقينا أنها لا بدَّ لها أن تبدأ من جديد، وتَحفلَ بفرحٍ يُبنى ويبني في داخلها حياةً جديدة .. " تك .. تاك تك .. تاك " الساعةُ الآن هي الواحدةُ تمامًا، تنظرُ حنين إلى فاطمة وتبتسمُ .. تبتسمُ فاطمةُ كذلك، وتهمسُ لها: " فلنبدأ من جديد بأمل جديد يا حنين" ..!!

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد