نكسة أمينة

2021-01-18

 

عبرنا الطريق وصولا لعربة القطار في رحلة شاقة، لم أعتد منذ سنوات على ذلك الزحام الذي يكاد يخنق أنفاسي المرفهة حديثا، جذبني رؤوف من يدي بقوة لينتشلني من بين الأجساد المتراكمة الملتصقة بعضها ببعض كقطع الجبن الرومي المقطعة حديثا، الرائحة لا تطاق. أتعجب من تذمري الحالي فكنت يوما واحدة منهم وأتمتع بهذه الرائحة كما كنت أحب الجبن الرومي وأتمناها رغم صعوبة مذاقها. أدخلني زوجي رؤوف إلى عربة القطار الفاخرة، غرقت بعيونه كم أحب عنايته وروحه المرحة التي عوضتني عن الكثير مما فقدت سابقا لم يشعرني يوما باختلافنا، للحظة انتابتني قشعريرة عجيبة وغبت عن الصخب الذي غطى أذني منذ دخولنا محطة القطار سافرت إلى عالمي السابق تذكرت نظرته الأولى لي، كان ذلك منذ حوالي خمس أعوام، دائما ما يغازلني على طريقته العسكرية ويقول - من بين مئات النساء اللاتي حضرن للسؤال عن أزواجهن المفقودين أنتي فقط من تعلقت عيني بها.. لا أعرف ماذا كنت سأفعل من دونه، لا أقصد الإهانة لزوجي السابق ففؤاد كان خير رجل مكافح لكن الدنيا لم تحبه بقدر ما أحبها وأحببته أنا أيضا لم يكن فؤاد يشبه رؤوف، أشقتنا الحياة سويا، يداه الخشنتان نالت من لسانه فلم يكن يغازلني بكلمة رغم عمار قلبه بحب دافئ. قضينا معا ثلاث سنوات عجاف تلاحمت يدانا بالعمل، لم تعيقني صلابة لسانه عن حبه يوما كنت أهيم به حتى اختفى تماما كشبح تلاشى في ليلة باردة، لم تكن حرب 67 قاسية على البلاد فحسب فنحن النسوة الأكثر خسارة، فقدت فؤاد لم أعلم عنه شئ وكانت رحلتي اليومية إلى مكتب الاستعلام عن المفقودين هي جل ما أملك. رسم القدر خطي بالحياة بعناية وعوضني عن ما عانيت، أتعجب من الحياة كثيرا هل كان علي أن أعاني مع فؤاد حتى أنعم بالرخاء مع رؤوف؟. بعد عام كامل فقدت أنا الأخرى إيماني بعودته، ظننت أن أرض الفيروز ابتلعته وبدأت رحلتي مع رؤوف الذي اعتني بي كثيرا. كثيرا ما أعيش محاكمات كابوسية.. هل أخون فؤاد؟! - ماذا بك؟ أعادني سؤال رؤوف لعربة القطار من جديد وأجبته - لا شئ.. لا شئ على الإطلاق فزعت من صفارة القطار فابتسم رؤوف ابتسامته المعتادة وقال - سيكون هناك ضيوف معنا في الكبينة لم أصدق ما قاله هز رأسه مؤكدا، كيف لرؤوف أن يفعل هذا وهو المحب للخصوصية، أخبرني بأننا قررنا السفر في اللحظات الأخيرة ولهذا فلم يكن هناك مقاعد متاحة، رضخت إلى الأمر الواقع حسنا لا مشكلة على أي الأحوال المسافة من هنا للإسكندرية ليست طويلة للغاية، وأنا من أصريت على سفرنا بالقطار حتى يرتاح رؤوف من تعب القيادة. دخل رجلان يبدو عليهم التهذب وجلسا مقابلنا، التقصت عيني بأحدهم وكأنه مغناطيس، إنه فؤاد لا يمكن أن يكون فؤاد مرت خمس سنوات هل مازال حيا، ثلجت أطرافي وتصمرت كتمثال حديث الصنع، هنا انتهى كل شئ. غيرت السنوات الخمس ملامحه بعض الشئ لكنها لم تغير شعاع عينيه الثاقبة، حاولت أن أتمالك نفسي وهو جل ما أستطيع فعله سيما أن رؤوف بجواري، لم تكن كوابيسي تحوي هذا اللقاء البركاني، ماذا فعلت بدنياي حتى أواجه مثل هذا المصير؟!، ولكن هناك شئ غريب فنظرات فؤاد لا تلتقط عيني بل هي متعجبة من حملقتي به، ما هذا ألا يعرفني؟!، أليس هو فؤاد ذاته.. من الماضي.. الذي لم تبتلعه أرض الفيرزو كما توقعت لأريح ضميري وروحي المعذبة، بل تلك السنوات الثقيلة التي حاولت إسكات عقلي فيها حتى أنجو بما بقى لي من حياة.. قُطعت شكوكي مع نداء رفيقه له، حيث قال - فؤاد هذا الاسم الذي قبض فؤادي، أنه هو بالتأكيد ولكن ماذا يغري عينيه لتظل بعيدة عني. ربط رؤوف على كتفي طالبا مني أن أريح جسدي قليلا، أردت الصراخ لأعلمه أن عقلي وقلبي يرتجفان بقوة رغم صلابه جسدي أمامه، هذه الصلابة التي استعرتها من فؤاد في الماضي. مرت الدقائق ثقيلة، أفكار عقلي سارعت عجلات القطار الضخمة صوت أفكاري يعلو الضوضاء من حولي، حدثني رؤوف كثيرا عن خطة أجازتنا بالإسكندرية التي انتظرتها طويلا، شردت عنه لم أكف عن النظر لفؤاد تقلب قلبي المرتجف من حالة الخوف لحالة التعجب، كيف لا يعرفني، أريد أن أصرخ به وأقول:"أنا أمينة.. أمينة زوجتك.. غبت ولم أعلم عنك شئ.. لبيت واجبك تجاه وطنك وتركتني بلا وطن". انتبه رؤوف لشرودي فطنة رؤوف لا تقدر، ألمح إلى رفيق فؤاد سائلا - ذاهبان إلى الإسكندرية في عمل؟ انتبه فؤاد لكنه لم يرد قوله وترك لسان رفيقه يتولى المهمة - زيارة الإسكندرية للنقاهة خطفت القول من رؤوف وأطلقت لسؤالي العنان لفؤاد - وماذا عنك؟ جزع رؤوف من سؤالي وطريقتي اللهفة، أنفاسه الطويلة كشفت امتعاضه من سلوكي غير المعتاد، مع هذا انتظرت الجواب بصدر ثقيل وجهت سؤالي ثانيا لفؤاد لم أفهم رد فعله البارد تجاهي وكأنه لا يعرفني على الإطلاق. توقف القطار كعادته في أحد المحطات استأذن رفيق فؤاد لشراءه أحد الحاجيات من المحطة، وغادر رؤوف إلى واجهة القطار ليروح عن نفسه بسيجارة كعادته سنحت الفرصة لنا أخيرا، هل كان ينتظر هذه اللحظة لنكن وحدنا حتى يكشف كل شئ، كنت أخاف من ظهوره والآن أريده أن يحكي أو يغضب أو يفعل ما يريد. لم تتغير وتيرة الكابينة رغم مغادرة اتنين منها، انتظرت أن يبدأ الحديث للحظات لكنه لم يحك، شددت طرف الحديث مناديه - فؤاد التفت كما لو كنت لا أحد - ألا تتذكرني؟! لم يظهر منه إلا علامات التعجب،أحقا لا يتذكرني أم أنني انتهيت من حياته، سألت بشغف - كيف انتهت الحرب ومتى عدت؟ زادت علامات التعجب على وجهه وكأن عقله ممحو.. صعقني بكلماته - أي حرب؟! أيعقل ألا يكون هو أم فقد ذاكرته وذكرياتنا معا، استشعرت أن القطار يهم للرحيل ومغادري الكابينة سيحضرون في أي لحظة، سألته مباشرة - ألا تتذكرني يا فؤاد.. أنا أمينة ابتسم لي ابتسامة باردة خاشيا من هذه المرأة التي تحاول أن تحدثه رغما عنه.. وقال - اعتذر لكني لا أتذكر أي شئ لا أظن أنني أعرفك، هل تعرفي من أنا؟.. كانت خطوات رؤوف قريبة جدا من بوابة الكابينة وقال فؤاد - على أي الأحوال سعدت بلقائك دخل رؤوف زافرا آخر نفس من سيجارته الطويلة، وأنزل الحقائب وأومئ لي بالخروج من الكابينة فقد حصل لنا على كابينة أخرى منفصلة، حملت جسدي بقدم متثاقلة وعقل مشحون بعودة فؤاد الذي لم أعد بفؤاده!.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد