زمردة

2021-01-18

 

في تلك الليلة لم يتمكّن أبو منصور من النوم؛ فقد سيطرت تلك القطعة الخضراء على تفكيره وأقضّت مضجعه، كاد يجن فرحا حينما أخبروه اليوم في سوق الصاغة أن الحجر الذي يتوسط العقد الفضي الذي بحوزته ليس مجرد حجر أخضر بل زمردة ثمينة. لكن بريق الفرح في عينيه تحوّل إلى وميض رعب حينما شرع صاحب الدكانة في إطلاق تلميحات بغيضة ترمي إلى شكّه بأن العقد مسروق! أدرك أبو منصور أن أحدا لن يصدقه إن قال أنه وجده بينما كان يحرث أرضه كالمعتاد؛ انتزع عقده وخرج مكسور الخاطر دون أن ينبس ببنت شفة، قابله مجموعة من الأشقياء حينما كان خارجا من الدكانة، لمحوا العقد بيده وشرعوا في الانقضاض عليه، ولولا أن مرور موكب السلطان قد أفزعهم  لكان العقد بحوزتهم الآن، أو ربما خسر روحه فداءً له! حمد الله أنه ما زال بخير واستشعر العقد في جيبه فزاد على الحمد حمدا. ذكرى موكب السلطان منحته فكرة قد تكون الوسيلة الوحيدة للانتفاع بهذه الزمردة، سيقدّمها كهدية متواضعة لابنة السلطان الوحيدة المدللّة و لاشك أنه سينال مكافأة ثمينة قد تفوق ثمن زمردته بكثير، ملأته هذه الفكرة بسكينة هدهدته حتى نام. في نهار اليوم التالي عاد أبو منصور من قصر السلطان حزينا محبطا فقد طرده حراس القصر قبل أن يصل إلى البوابة مهددين بقتله إن حاول التقدم أكثر، حاول التفكير بشكل منطقي كي يواسي نفسه؛ فما الذي سيجعلهم يثقون برجل فقير ويدخلونه القصر دون توصية من السلطان أو حجة مقنعة! دخل داره فوقعت عينه على ابتسامة أم منصور، كانت تتصبب عرقا أمام تنورها، وركلات جنينها الرابع تزيد تعبها تعبا وتبعثها رغم ذلك على الابتسام والامتلاء بهجة. ظلّ يحدّق في وجهها لثوانٍ فاتسعت ابتسامتها وأومأت متسائلة، أخرج العقد من جيبه و مد به إليها، التقطته بجذل وهي تتمتم بعبارات الشكر والامتنان التي كان آخرها " يعلم الله أنني سررت بها كما لو أنها زمردة حقيقية"! ولأول مرة في هذا اليوم ضحك أبو منصور، ثم دخل لتبديل ثيابه.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد