المنتصف

2021-01-18

المنتصف، اليمن الساعة الرابعة فجراً، يرن المنبه، استيقظ رشيد بصعوبة بالغة. لما مر الوقت بهذه السرعة؟ لم أنم سوى ساعتين، وأمامي سفر طويل. لا فائدة من التفكير، عليّ أن أستيقظ الآن لتجهيز حقيبة السفر، وأن اكون راضياً عن حفنة النوم التي حصلت عليها، فقد كان بقائي مع يوسف في الليلة الماضية، أو بالأحرى قبل ساعتين، أفضل من النوم. على الأقل أعدنا ذكرياتنا الجميلة والأليمة معاً، حين كنا نكبر في باحات صنعاء الضيقة، تحت سهام الشمس والمطر، في زمن الخيام. تفرقنا بعدها، أو فرقتنا هي كشظايا، لنجد أنفسنا مشردين واحداً في أطراف الخرطوم والآخر في شارع سمعان في بيروت، أما صديقنا الثالث يزن، فقد سقط على مقربة من أوتاد خيمة، وقُبر في قلبينا. بصعوبة بالغة استيقظ رشيد. كان ينظر إلى الوسادة التي احتضنت رأسه المثقل بالضجيج لبرهة، لقد تغيرت أبعادها، وتقلص حجمها. يتذكر حين رآها البارحة كان حجمها ضعفي حجمها الآن، كيف تقلصت بهذه السرعة. لا بد أن الأشياء المحيطة صارت تحس بثقل الأحداث التي يمتلئ بها رأسه. لماذا لم يتقلص جسمي إذن؟ هكذا راح رشيد يفكر. لا شك أن جسمي يتقلص من الداخل لتزداد كثافته عند رأسي، تنسحب الأوردة من الأطراف، تطوي خيامها، ثم تصعد إلى الأماكن المزدحمة، إلى رأسي الذي تذوب فيه التفاصيل فلا يستطيع أحد تمييز الأشياء الدخيلة. تبدو الأوردة جبانة مثلي، أو ربما ليس من مصلحتها البقاء في الأماكن المكشوفة. رأسي أيضاً يبدو صغيراً جداً، لكن حجم الضجيج والدخلاء فيه يملؤون أرجاء مدينة كاملة. ماذا لو تقلص الرأس فجأة وأصبح هو الآخر يمارس لعبة الهروب إلى الداخل؟ لكن إلى أين سيهرب؟ فهو لا يملك سرداباً سرياً كي يختفي فيه، ولا يملك رأساً آخر كي يمارس حيلة الأعضاء الأخرى في الهروب. ربما يتلاشى، أجل قد يفعل إن أراد ذلك صدقاً. مضى عليّ سبع سنوات منذ أن علقت كلمة يتلاشى في ذهني، فقد تمنيت أن يحضر معناها معي حين حاصرتنا مجموعة من القناصين، يوم اختبأنا يوسف ويزن وأنا، في أحد الأحياء القريبة لتمثال الحكمة. لا زلت أتذكر كيف هربت أطرافي إلى رأسي فجأة. وأتذكر يزن. انفجر رأسه أمامي برصاصة قناص. ربما انسحبت أطرافه إلى الأعلى، وأحس رأسه بالانسحاب والهروب، وحين أدرك ألا مفر، هرب رأسه من مكانه إلى الخارج، فتشربت رؤوسنا الضجيج الذي كان يحمله. أجل ربما ما أحمله في رأسي الآن من ثقل هو أمر لا يخصني وحدي، بل تعود ملكيته لكل من رأيته أمامي يريد التخلص من ضجيجه، ففتحت له رأسي كصندوق أمانات. أنا الآخر لا أعرف متى أسلم هذه التركة للناس أو للهواء الطلق حين يقرر رأسي الهروب. ما هذه الوسادة التي حقنتني بهذه الأفكار، ربما تسربت بعض أجزائها إلى رأسي دون أن أشعر، أو ربما حقنتني ببعض الهموم التي سُكبت على مفاصلها من عشرات الرؤوس التي ضاجعتها، حتى صارت تحمل في المساء الهموم ولا تخفي حملها وهي تستقبل نزلاء الفندق، ثم تلد في رؤوسهم الضجيج، لتصبح بعدها حبلى بهموم ضيف جديد يضاجعها في مساء جديد، فتلد في رأس آخر، والنوم الذي يسكننا فجأة يشبه القابلات، يرتب كل تفاصيل الحمل والولادة دون أن نشعر بوخز الطلقات. ما زال ضوء الفجر يتعثر، وهو يحاول الوصول إلى زوايا الغرفة. يطلق رشيد نظرة باتجاه الشرفة المطلة على نهر النيل. تبدو مدينة الخرطوم فاتنة للغاية عند مطلع الفجر، يعتليها مزيج من السواد والبياض المحلى، يتجلى كوجوه الفاتنات السمر في أسواق المدينة، هذا ما يبدو عليه لقاء الليل والنهار في حضرة نهرها، هل يلتقيان بالفعل؟ هل يتقابل طرف الليل بطرف النهار فيسرد كل واحد للآخر تفاصيل مشاهداته، هل هما رفاق فيقفان لبرهة، يتبادلان الخواطر ولو على عجل، كالحراس الذين يتناوبون على ورديات العمل؟ أم أنهما أعداء؟ والفجر الكاذب سيف المنتصف، يفصل بين النهاية والبداية أو بين نهاية البدايات وبداية النهايات، لا أعرف. كل ما أعرفه، أن هذه اللحظة من الفجر هي لحظة تعري تتكشف فيها عورات الأرض وعوراتنا، لولا أننا نواريها بملابسنا المهترئة. لا أستطيع أن أنكر انحيازي لليل، في الآونة الأخيرة قبلت شروطه كما هي دون أي تعديل أو مطالبة بتغيير، وأحببته من محبة الناس له، منحني مرات عديدة فرص اللقاء بمن أحبهم، وواساني بمساحات زمن هادئة، لتذكر من سلبت أرواحهم ثواني النهار. إنه صديق جدير بالقرب، كتوم حد إخفاء كل شيء عن كل شيء، يعمل ما يشاء دون أن يكترث لأحد أو يستأذن من أحد. وحده الضوء الذي نوقده عبثياً هو من يثير ضجر هذا الصديق. مازال رشيد يتذكر، ضجيج النهار في الساحة، المسيرات الصاخبة التي يعودون في نهايتها بحمولة كبيرة من الألم الذي يلف الراحلين. لقد خسرت يزن في نهار، حدثت مذبحة الكرامة في نهار، كانت المدن اليمنية تسقط واحدة تلو الأخرى في نهار، حتى الفتاة التي أحببتها قبل صفاء، جاء زواجها في نهار. ألا يمكن أن تكون مشكلة العالم في وجود النهار؟ ماذا لو ناضلنا جميعنا من اجل أن يستولي الليل على حصة النهار وتصبح السيادة لليل فقط. كان عبث النهار يتدفق من ذكريات رشيد كشلال جارف. يتذكر مقولة سمعها من امرأة مسنة قابلها ذات مره في رحلة سفر، "لقد ظل زوجي يخونني طوال 30 سنة، وكنت أشعر أني أسعد إنسانة طوال تلك الفترة، انقلبت حياتي رأساً على عقب حين علمت ذات نهار بأمر خيانته، ليتني لم أعرف هذا الأمر، ليتني بقيت ساذجة، كنت سأقضي بقية عمري سعيدة"، بدت المرأة حزينة للغاية، فقد سلب منها النهار سعادة الأيام، وكوّم لها ألم ثلاثة عقود لتبتلعها دفعة واحدة. كان النهار وغداً حتى في مجيئه لحياة هذه المرأة، فتركها بقايا روح في طرف عمرها الأخير. تبدو بعض الأفعال مقبولة مادامت في سكون الليل، حتى إذا رأتها عيون النهار، أدرجتها في قوائم الخيانة، ليشقى بعدها من عرف، أو يموت برصاص الهجير. الضوء يحاول التدفق ببطء للداخل. ارتفع صوت المنبه مرة أخرى بعد نفاذ الغفوة المتاحة. مازال رشيد يشعر برأسه كحجر الحبش. صغير الحجم، ثقيل الوزن، أسود كالليل. سحب بصره من الخارج، تفحص زوايا الغرفة، كل شيء صار جاهزاً، حقيبة الملابس تم توضيبها، الحذاء صار لامعاً وإن كانت تعتريه بعض الخدوش، الجوارب السوداء تتدلى من كرسي خشبي يقف إلى جوار الجارور. لمح رشيد الوسادة. مازالت في برزخ الحياة، تتوسد السرير، حجمها المتقلص لم يتغير، ربما ستظل كذلك طوال النهار، ثم يبدأ الهم المحتقن بداخلها في الانتشاء عند حلول المساء. اغتسل رشيد أو رش الماء على جسده ثم خرج من الحمام، وحتى يوقف قطرات الماء المنسدلة من شعره المجعّد، أخذ منشفة بيضاء كانت موجودة على مدخل الحمام. راح يفرك رأسه بقوة، فتمتص المنشفة قطرات الماء بلهفة، تمنى رشيد لو أنها قادرة على امتصاص سيل الهم الذي يسكن خلف شعره المبلل، ربما سيجد انتعاشاً دائماً. لكن ألم يقل بأنه يكره النهار، وبياض المنشفة يشبه ذلك بينما سواد شعره مستقطع من ليل، ألم تقل الجدات "إن من أحب السلطان أحب جيش السلطان أيضاً"؟ لا بد أن يضبط إيقاع أمنياته أيضاً فلا يجب أن يبقي مساحة لنهار. لبس رشيد القميص الأزرق الذي جهزه من المساء. هنا تسللت ابتسامة لقلبه وهو يرتدي القميص، فقبل أن ينام، همّ ليطلب من مصبغة الفندق كيّ القميص، وفور النظر الى قائمة الأسعار تراجع، فقد وجد أن اجرة كيّه تساوي 10$، كيف يدفع هذا المبلغ على قميص سعره يساوي النصف من هذه الأجرة، قام بكيّ القميص بنفسه. لم يستغرق الأمر عشر دقائق، مازال يحتفظ ببعض التجاعيد في الأطراف والخلف، لا مشكلة. لن يرى ذلك أحد. قال في سره: لقد انتصرت على تسعيرة الفندق وهذا خبر سار، لقد كان الانتصار ليلاً. ألم أقل إن الليل صديقاً وفياً لنا، نحن معشر البسطاء. ارتدى رشيد الملابس. ترك غرفته وغادر الفندق حاملاً حقيبته وجواز سفره، وانطلق إلى مطار مدينة الخرطوم. عليه أن يلحق موعد الرحلة بعد ساعتين ونصف، وعليه أن يتوقف عن تذكر مواقف السفر التي رافقته طوال هذه الرحلة الشاقة، من صنعاء إلى حضرموت، ثم منها إلى الخرطوم، وعليه ألا يسمح للمواقف المفجعة التي قضاها نهاراً في 75 حاجزاً عسكرياً، على طول خط السفر أن تحضر في هذا الوقت. عليه أن يقاوم النهار بما يستطيع، عليه أيضاً أن يتناسى قليلًا الذكريات التي أعادها اللقاء بيوسف مساء أمس. أكمل رشيد إجراءات المطار، وصعد إلى الطائرة. حتى الآن، قضى 150 ساعة في السفر، هذه المسافة التي لم تكن لتتجاوز 4 ساعات من قبل، أضحى طولها أسبوعاً كاملاً، هذا إن كتب للمسافر النجاة من وحوش الأرض وأشباح السماء، بعد أن نشرتها الحرب على الجميع، ربما أصابتنا خطيئة الآباء، حين شعروا بالملل من كثرة حدائق سبأ، فزرعوا لعنة، في العمود الفقري للزمن، طلبوا من الرب بصوت واحد أن يباعد بين أسفارهم، كان ذلك الأمر في منتصف نهار، والشمس إله حينها. اليوم تتجلى اللعنة في تفاصيل الجيل الخامس بعد المائة، ها أنا أقضي 40 ضعفاً من الزمن، للوصول إلى شارع سمعان. من نافذة الطائرة، عبر زجاجها المتين، راح رشيد يتفحص تقاسيم مدينة الخرطوم، تبدو كصديقة للبسطاء، ففي حين أغلقت أبواب المدن أبوابها أمام القادمين من قرى ما وراء البحر، فتحت هذه الأرض ذراعيها، واستقبلت الجميع دون استثناء. صارت كخيمة بدوي كبيرة لا ينطفئ نارها. بالرغم من أني قضيت فيها يوماً واحداً فقط، إلا أني شعرت بهدوئها ودفء قلوب أهلها. يزداد حبي للمدن كلما قل الضجيج فيها، ويقل حبي بزيادة الضجيج. صدقاً أحببت المدينة، يكفي أنها احتضنت صديقي يوسف، ومنحتني اللقاء به. كم تمنيت لقاء يوسف من قبل، لم أستطع أن أخفي دموعي حين رأيته. عانقته بقوة، رأيت في حضوره، بقايا أحلام، تقاسمناها في خيمة ذات نهار ونحن نجلس على وسائد ممتلئة بالغبار، على أبواب صنعاء المجهدة. وحين بدأ يوسف بالحديث، تلفتُّ دون شعور، عسى أن أجد يزن. كنا ثلاثتنا نقضي الوقت سوية، نجوب تقاسيم المدينة القديمة، نبشر الناس باليوم التالي، نخبرهم أن الصبح خير من الليل، وأن الغد سيأتي حاملاً حدائق الأرض التي غابت منذ زمن. كان الناس يقفون أمامنا ساكنين بدون حديث، ونحن نتصدق عليهم بكلمات الأمل، نخبرهم أن الخبز وحده ليس كل شيء، هناك أمور أهم تقف خلف كيس الطحين، إنها الحرية والكرامة، لا قيمة للإنسان إن لم يحوِ في داخله نداء لهذه الكلمات، حتى وإن كانت غير موجودة بجوار الموائد. لم نكن نعلم أن حديثنا يشبه قصة العجوز وزوجها، 3 عقود من وهم السعادة، يعقبها زمن تيه لا ينقضي، وتحسرٌ على ليل الوهم. ماذا لو لم نخبر أحداً بما رأينا من فساد العلاقة، لا أعرف، كل ما أعرفه أننا لن نفقد يزن. لقد تغيرت ملامح وجه يوسف، أصبح شاحباً، هزيلاً، شاخ فجأة دون أن يدري، يعيش وحيداً في جزيرة توتي، الجزيرة التي تقف في منتصف النيلين الأبيض والازرق، ويقف هو عليها، طامعاً بموسم العودة إلى الشمال. لم يعد يضع العطر على ثيابه، صار مشغولاً حد نسيان الأمر، أو ربما فقدانه لحاسة الشم، جعلته يتجاهل الأمر، أو ربما أن الغاز المسيل للدموع استقر في أنفه، فلم يعد يشم رائحة سواه. رؤية يوسف جعلتني أتذكر النهار في حيواتنا نحن الثلاثة، يوم فقد هو حاسة الشم، وفقدت أنا وهو صديقنا يزن، وفقدت بعد ذلك حضور الروح حين رحل يوسف إلى السودان، متخفياً من عيون البنادق وثقوب الرصاص. ما أقسى أن تتمنى رؤية أحدهم، فتراه، فتظل محتفظاً بتلك الأمنية. حتى إذا تحققت الأمنية، قضيت الوقت في حضرة الفقدان، تحاول شق نفسك بين شطر الماضي والآن. إنها الذكريات الأليمة التي تفوح من أيامنا، فتحدث قشعريرة في أطراف جدار الذاكرة، قسراً لا اختياراً. كان الليل دافئاً، اتجهنا إلى ضفة نهر النيل، على مقربة من امرأة عجوز تبيع القهوة. جلسنا، احتسينا القهوة السوداء أربع مرات، كان الوقت الفاصل بين الكوب والكوب يمرّ دون أن أشعر. تحدثنا عن كل شيء، وكأننا لم نتحدث عن شيء. لا أملُّ إطلاقًا من الحديث مع يوسف منذ عرفته، فقد التقينا أول مرة في القاعة الثالثة في كلية العلوم، يتحدث مع المحاضرين كما لو أنه ينتمي إليهم، لم يكن كبقية الطلاب. صار يوسف محبوب الجميع خاصة بعد أن أصبح مندوب الدفعة. حتى صفاء حين تعرفت إليها، مر اعتراف الحب لها عبر يوسف، وكانت ابتسامة القبول منها من خلال يوسف أيضاً، كان شفافاً للغاية حد رؤية الأشياء واضحة من خلاله، يقف مع الجميع دون استثناء. سألته ذات مره، ماذا تريد أن تصنع في حياتك؟ أجابني "لا أريد شيئاً سوى نشر الحرية والحب"، التقطت كلمته الأخيرة حينها وأخبرته أني وجدت نقاء لم يجده الماء في قلب صفاء. "سأخبرها إذن"، قالها مبتسماً. ليتك تفعل يا يوسف. كان رشيد يتأرجح بين ضفتي الذاكرة والحضور، بين نيلين، بين زمنين، وهو يجلس في المنتصف يحاول أن يفرح بلقاء يوسف ويقاوم حزن تقيؤ الذكريات. حتى انهار فجأة حين تذكر يزن. ليتك تعرف كيف صار حال أمه يا يوسف. تركت المدينة ورجعت إلى القرية. حاولت إقناعها أن تبقى في صنعاء، حتى تستطيع متابعة الطبيب باستمرار، لكنها أصرت على الرحيل. أصيبت بجلطتين منذ رحيل يزن، ولولا لطف الله ما استطاع الطبيب أن ينقذها. أتذكر يا يوسف حين كانت تصنع الفطائر وتقدمها في العشاء، تقتحم نقاشاتنا نحن الثلاثة حين نكون في ديوان يزن، تدخل منتشيه، تقول وهي تقدم الفطائر "سأفرح بكم أنتم الثلاثة قريباً، وسنقيم لكم عرساً جماعياً يسمعه القاصي والداني". في آخر مرة زرتها مع صفاء، تحسست وجهي وانهارت باكية، "أين يزن يا رشيد لماذا لم يأت معك؟"، دخلت بعدها في نوبة حزن أبكتنا جميعاً، فشهد البيت يوم عزاء جديد. قالت لي يوم رحيلها "سأبقى في القرية بالقرب من يزن، بيتنا هناك يطل على المقبرة، لقد صرت جثة بعد رحيله، ولا حاجة لي بطبيب يداوي جسدي مسلوب الروح، صرت أتمنى الرحيل إليه بدل البقاء بدونه". "رحم الله يزن، وألهم والدته الصبر"، قالها يوسف وهو يحاول إزاحة سحب الحزن التي ملأت لحظتنا. في الطائرة المزدحمة، سيدة سورية جلست إلى جوار رشيد، سألته إلى أين ذاهب؟ الى بيروت، قالت: أنا أيضاً رحلتي إليها ومنها إلى دمشق. اسم دمشق له رنين لدى سيدة بالجوار قالت "أنا أيضاً ذاهبة إلى دمشق". بدأ الحديث بين السيدتين وكأن كل واحدة وجدت ضالتها لدى الأخرى. انشغل رشيد بهاتفه، بدأ يطالع الرسائل التي وصلته منذ البارحةـ أول رسالة في القائمة، "الشاعر ماجد يموت بذبحة صدرية"، لم يصدق الخبر من أول مره، لكن كثافة الرسائل من الأصدقاء، أكدت صحة الأنباء. أغلق شاشة الهاتف، لتلقطه دوامة التفكير من جديد. مات ماجد وهو في الثلاثين من العمر. ماجد الشاعر الأنيق الذي كان يكسو اوقاتنا بقصائده البديعة، غادر. يا لها من فاجعة. لماذا تلاحقني هذه الأخبار حتى حين أقرر التجاهل؟ عليّ أن أنسى الخبر وألا أفكر بالأمر، لقد قطعت عهداً على نفسي أن أقاوم سهام النهار، الأخبار السيئة تأتي نهاراً كالعادة، فتحت جواز سفري ذهبت إلى خانة تاريخ الميلاد عمري 27 سنة، الفرق بيني وبين المغادر السابق 3 سنوات فقط. لقد كان على موعد مع عزرائيل الرحيم، الذي يخرج الجميع من حلبة الصراع، وبأسلوبه الخاص يجعل جميع الترهات تتوقف. مات ماجد دون أن يصاب بمرض، لقد ارتاح ماجد، ماذا عني؟ لا أعرف ربما أرتاح انا أيضاً عما قريب. لا بد أن أبحث عن أي شيء يجلب الفرح. تذكرت! انتصار القميص. إنه أمر يستحق الاحتفال. لكن السقوط في ثقوب الماضي يمنعني من إظهار مشاعر الفرحة؟ الماضي الذي صار تاريخاً يغرقني. لماذا أفكر بالتاريخ كثيراً؟ عليّ أن أتوقف عن ذلك. أنا خصم لدود لأغلب نصوصه، لأنها ببساطة لا توثق الا الحروب ورجالاتها، لا مكان لنا نحن البسطاء فيها ولا لمن يشبهونا. أخذني منظر السحاب إلى الأفكار الصفرية. حيث لا حدود ولا متارس ولا رصاص ولا بشر. هل يمكن أن ننصب خيامنا هنا؟ هل يمكن أن نعيش عليها نحن الذين ضاقت بنا الارض السفلية؟ صوت ما يأتي من الداخل: توقف. يجب أن تحتفل بالقميص، عبارة النصف الممتلئ والنصف الفارغ طفت لسطح عقلي فانحزت للأولى مجبراً. هبطت الطائرة في مطار بيروت، مازال الوقت نهاراً. خرج رشيد من المطار يجر حقيبة السفر بيده، ومن خلفها يجرجر وطنه المفقود بعربات الذكريات، لا شيء يستطيع أن يخفف عنه وطأة الخيبات، حاول أن يتمتم بأحاديث قالتها صفاء قبل الرحيل "إن بقيت هنا وحدث لك مكروه، فسأموت كمداً، اذهب بعيداً، اختبئ خلف المساءات، وسأحتمل البعد، طالما أنك بخير، سأقبل بنصف المعاناة يا رشيد". ما أضيق خياراتنا يا صفاء، ليس لنا في أحسن الأحوال سوى نصف الأشياء، نصف ثورة، نصف حلم، نصف كوب، ونصف عمر. فالجميع غادر في الثلاثينات. حتى اللقاء بيوسف، كان نصف لقاء في منتصف الطريق. لم يعد الأمر طبيعياً يا صفاء، لقد صيرتنا الحرب معطوبين من الداخل. كوسادة غرفة الفندق يعمل رأسي، يجلب المتناقضات الى الداخل ثم يطلب مني ترتيب أجزائها المتنافرة، لأجد نفسي نصف إنسان يقف بينه وبين الاكتمال 75 حاجزا. عند مدخل شارع سمعان وقفت. على جنباته، تصطف حوانيت دفن الموتى يساراً، تقابلها دكاكين الزهور يميناً. للشارع سطوة على كل الأحياء المحيطة، فهو كالممر الإجباري، للعابرين نحو الأرض والسماء، هنا تتلاشى الأشياء والأرواح والرغبات، ويتبخر ضجيج الذكريات من عروق الراحلين. والرفاق على الجنبات ينتحبون، يتشربون الضجيج المتطاير من بين النعوش، يتقاسمونه كتركة إجبارية كلٌ حسب قرابته، وللأنثى مثل حظ الذكرين. هنا لا يحتاج الأموات إلى وسائد حين يحتضنهم خشب التوابيت، لا فائدة من وجودها تحت الرؤوس، فالذكريات جميعها تبخرت في لحظة الرحيل. على النعوش المعتمة يتم رش حزم الورود المقطوفة نهاراً، لترافق الراحلين. في تفاصيل شارع سمعان يسكن الليل والنهار، الموت والموت، ولوازم رحلة الأرواح العابرة. وأنا الواقف في المنتصف يا صفاء، من بين الموتى أتلصص، باحثاً عن قيامة قريبة توصلني إليك.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد