خارج حدود الزمان

2021-01-18

خارج حدود الزمان ممسكة بأصبع والدتي الصغير كعادتي التي لا أكبر عنها أبدا ، أغمض عيني بشدة و أتمنى لو تمضي هذه اللحظات سريعا ، وهذا النداء الأخير للطائرة سوف تقلع بعد قليل ، في جواري والدتي هادئة مطمئنة تحاول في كل مرة نسافر فيها أن تنسني خوفي من لحظات الإقلاع ، خوف بلا مبرر أشعر به يكبر داخلي كل مرة ، تتزايد نبضات قلبي و صعوبة في تنفسي ، رجفة تسري في جسدي من رأسي لأخمص قدمي ، أتخيل في كل مرة كأننا سنسقط بمجرد أن نرتفع ، أصبحت ما أنا عليه منذ زمن بعيد ، لا اذكر أن حدث و سقطت حتى من أعلى كرسي و خوفي من المرتفعات هذا لا مبرر لوجوده . اخبرتنا المضيفة بإبتسامة مريحة أن نتأكد من أحزمتنا لأنه حان وقت الإقلاع حتما ، اتمنى لو أفك حزامي وأفر هاربة ناجية بقلبي من إرتجاف يحوم حوله لكن لا سبيل فوالدتي متشبعة بإصرار و شوق لرؤية أخي الوحيد في القارة المجاورة ، بعيدا عنا يكمل دراسته. أفكار متخبطة تزور عقلي ، صوت والدي يهتف داخلي ألا أخاف و صورة جدتي المعلقة في الحائط المقابل لغرفتي ، مواء قطتي الجائعة ، لعبتي المفضلة مع ابنة الجيران ، صور صديقاتي تتخبط داخل جمجمتي ، في محاولة بائسة لنزع الرعب الذي أشعر به . تحتضن والدتي رأسي و تتلو قليلا مما تحفظ قرآنا ، لا يريح قلبي سواه ، ارتخاء في كل عضلاتي المتشنجة ، تنفس ينتظم و هدوء مريح يداعب قلبي ، انتهت المهمة بنجاح و اخدت الطائرة استوائها المعهود فوق السحاب. أنا سمر ، سمراء بلون البن بعينين عميقتين و شعر مجعد ، لي أخ واحد لا نملك أنا و أمي رجلا سواه ، قد توفي والدي و أنا في الخامسة من عمري ، فقدت من حينها الكثير من الحب قبل أن أعيشه ، جعلني هذا هشة جائعة للحب ، ابحث عنه في وجوه المارين ، اذكر في هذه اللحظة و أنا على متن الطائرة بين أحضان السحاب، القلوب التي مرت بقلبي ، كحلم جميل داعب خيالي ، مروا سريعا داخلي لم أتمسك بأحد من قبل ، خرجوا من قلبي كما دخلوه أول مرة ، ملوحة بكلتا يدي بإبتسامة عريضة أودعهم جميعا. ، واحدا تلو الآخر ، أتناول الحب بنهم كبير في أول جرعاته لكني سريعا ما اشبع منه و اجعله يتسرب من داخلي ، امسح شفتي برضا كمن يكمل وجبته و يستعد للمغادرة . تغط والدتي في نوم عميق ، صوت شخيرها المرتفع يزعج جارنا العجوز في الكرسي الذي ورائي ، اخبرني و الشرارة تتناثر من عينيه كما تتناثر حبات اللعاب من فمه المهجور من الأسنان أنه منزعج من صوتها ، وإن كانت زوجته لقذفها من نافذة الطائرة ، اضحكتني طريقته في الحديث رغم غضبه ، ابتسمت في قلة حيلة و اخبرته هامسة أن والدتي تعاني من التهاب في جيوبها الأنفية جعلها هذا دائمة الشخير و لا سبيل للخلاص منه إلا أن يسد أذنيه و يحاول النوم. اخبرتني والدتي يوما أن الرجال و إن كانوا أقوى لكن صبرهم قليل و أن قوى التحمل لديهم ضعيفة ، ضعيفة للحد الذي يجعلهم يغضبون حتى من صدى أصواتهم الغاضبة ، عكس قلوب الأمهات الصابرة، التي تبرهن في كل حرب أنها أشد عزما و أشد صبرا . هزة خفيفة أشعر بها في قدمي بدأ الأمر كأنه يخيل لي وحدي لكن العجوز تحدث مرة أخرى بغضب بائس " صوت شخير والدتك يهز أرجاء الطائرة " و هذا يعني إن الهزة حقيقية ليست داخل عقلي فقط ، تتعالى أصوات المسافرين من حولي و تحاول المضيفة عبثا بلا تهدئة قلوبهم بلا جدوة ، أمسك بيد أمي مرة أخرى ، هاربة من مخاوفي إلى صدرها ، تشع والدتي أمانا رغم خوفها هي الأخرى ، استطاع قائد الطائرة السيطرة على ارتباك طائرته هذه المرة و ظننا أنها الأخيرة . لكنها لحظات حتى عادت الهزة مرة أخرى ، تصرخ إحدى السيدات و تتعالى أصوات الغاضبين ، تضغط والدتي على رأسي ، أشعر بلهب أنفاسها يحرقني ، و يرقص قلبها في غضب تحت إذني ، أكاد لا أسمع شيئا عداه ، تتخبط الطائرة أكثر ، تعود وصية والدي مرة اخرى أن لا أخاف و لا أحزن ، صورة جدتي المائلة على الجدار ، عواء قطتي الجائعة ، ابنة الجيران ، حيدر و محمد و أنس محاولات الحب البائسة ، أخي و هو يلوح لنا و نحن نغادر في المرة السابقة ، معلمتي في الصف الأول الإبتدائي ، لكن رجفة الطائرة لا تهدأ و قلوب الخائفين تنوح و لا تصمت ، إبتسامة أمي الهادئة تغادر ، صوت العجوز الغاضب خلفي يتلاشى ، حتى ظننته ميتا لا محالة ، تختفي المضيفة المطمئنة و حتى صوت القائد ما عاد يأتينا ، كل يحاول أن ينجو بطريقته ، لكن لا أفر من حضن والدتي ، أغمس رأسي داخل قلبها ، أحاول عابثة العودة إلى جسدها كأني لم أخرج منه أبدا و تستمر هي بصوتها العذب تلاوة ما تحفظ قرآنا " وما كنت بدعائك ربي شقيا " ، لا تجيد أمي تلاوة أفضل من هذه الآية ، أشعر كأن الكلمات تخرج من قلبي و ليست حنجرتها . انطفأت الأضواء فجأة و كأن الليل اسدل ستائره حولنا ، و عانقنا الظلام في شوق ، حتى الباكئين الغاضبين اختاروا الصمت طواعية و ترحيبا بليل لا نعرف طوله و فجر في علم الغيب بزوغه ، صوت صفير يصم آذاننا يعلو تدريجيا إلى أن خرس إلى الأبد ، أظن أن مصدره محرك الطائرة ، ننزل سريعا تصمت أمي عن تلاوتها ، يزداد خفقان قلبها حتى ظننته يخرج مهدما قفصها الصدري ، تعصر رأسي بين يديها ، طفل يصرخ بعشوائية و سيدة تناجي ربها تخاف الموت ، و العجوز الغاضب خلفي صامت لا يتكلم ، ارتطام قوي اسكت الكون حولي ، لون أبيض يتسرب كإضاءة في عيني كأنني في جنة ، اسمع صوت أمي تناديني لأستيقظ قد يفوتني موعد الحافلة و اتأخر كعادتي عن المدرسة ، صوتها العذب المريح تدندن " هذا اللون عليك يجنن يشبه لون عيونك " أغنيتها المفضلة التي لا تغني سواها ، مازلت أرى اللون الأبيض فقط حتى ظننت أنني فقدت بصري ، أشعر بحرارة غريبة و رائحة شواء تعم المكان ، تصرخ أمعائي في جوع . جمجمتي ثقيلة جدا ، أضغط عيني براحة يدي ، يخف الصداع قليلا ، افتح عيني لأدرك أنني في ظلام دامس ، أتحسس وجه أمي و أتذكر أننا في الطائرة ، لم يكن حلما و الطائرة سقطت بالفعل ، رائحة الشواء تزداد و الحرارة أيضا كأنها جهنم تستعر، اظنها نهاية مخاوفي و حياتي معا. ضوء مصباح قوي في نهاية الممر ، أحدهم ينادي " هل من أحد حي هنا ، اسرعوا ستحترق الطائرة بعد قليل " ، لم استطع التحدث ، صوتي يأبى أن يخرج كأن أحبالي الصوتية قطعت ، تتحرك أمي قليلا و تتمتم بكلام غير مفهوم ، أشعر بسخونة جسدها حولي ، اضع يدي فوق رأسها مباشرة و احاول تحريكه لعلها تستيقظ قبل أن يذهب المنقذ و يتركنا أحياء نحترق، أحركه بقوة أكبر، أكلمها بهدوء ليخرج صوتي مهزوما مشوشا لكنه ينجح في استثارة الامومة داخلها ، كأنها تعلم أنها منقذي الوحيد ، يعلو صوت الرجل مرة أخرى و اترك العنان لحنجرتي لتنتقم ، بأعلى صوتي أناديه و يسرع في اخراجنا ، باب صغير في نهاية الممر ينجح في اخراج أجسادنا ، شمس قوية تعتذر ، تضرب بتوسلات أعيننا عرض الحائط ، اغمضت عيني في محاولة لإستيعاب كمية الأشعة الداخلة ، تسند أمي يدها على كتفي و صوت العجوز الغاضب يصرخ خلفنا ، استطاع أن ينجو هو الأخر ، طفل رضيع يصرخ في جوع ، و ام تبحث عن ابنتها بين الجثث المتكدسة ، و ترفض الخروج من الطائرة ، عروس تندب زوجها و حظها في آن واحد ، رجل يجلس على صخرة في هدوء و كأن الأمر لا يعنيه. قائد الطائرة و إحدى المضيفات يحاولان اخراج بعض المؤونة من الطائرة قبل ان تحترق ، حقائب مبعثرة ، قنينات ماء فارغة ، ابحث عن ما يسد عطشي بينهن ، تلوح لي أمي بواحدة وجدتها لنتقاسمها ، قلوب الأمهات دائما القشة التي تنجي من الغرق . نحن الآن في مكان مهجور إلا من سماء فوقنا و بحر أمامنا و أشجار متشابكة غاضبة خلفنا . عددنا عشرة متكاملة ، عجوز غاضب ، مضيفة جميلة رفقة قائد الطائرة ، رجل غير مهتم إضافة إلى الرجل الذي انقذنا ، عروس ارملة حتى نجد زوجها ، أم ملكومة فاقدة لإبنتها و رضيع يكاد يتفجر من الصراخ وأمي و أنا الأكثر حظا لأننا لم نفترق . لحظات قبل أن تتحول الطائرة إلى كتلة نار متأججة ، تفوح رائحة الشواء و الزيت المحترق منها معا ، نبكي حظنا بجوارها ، كل يفكر في مصيره عدا الرضيع . تمسكه أمي بحب و تحاول اسكاته لكنه جائع و لا لبن عندها ، تضع في يدها القليل من الماء و تحاول سكبه داخل فمه قطرة قطرة إلى أن هدأ قليلا . اخبرنا قائد الطائرة أن لا نبتعد و نحاول تنظيم ما جمعناه من بقايا الطائرة قبل ان تحترق إلى ان يفقدنا أحدهم و يحاول العثور علينا أو يحدث الله أمرا. حقيبتين ممتلئتين بعلب الطعام ، و ثلاث حقائب للملابس ، أغطية صوفية و أدوات طهي في إحدى الحقائب ،و هناك كومة من الصناديق المكدسة بعبث لا اعرف محتواها ، اخرجها القائد من حجرته قبل أن نخرج ، كان هذا حصاد ما استطعنا انقاذه و اظن أنه لن يكفينا كثيرا . شجرة كبيرة جلسنا نطلب ظلها و حمايتها من رياح القبلي الغاضبة في آن واحد . تتكئ والدتي على جدعها و في حضنها الرضيع الذي لم تعرف ماذا تطعمه إن بكى مرة أخرى. حائرة خائفة أضع رأسي على فخذها و انظر في عينها مباشرة وحدثتها بابتسامة أحاول تخفيف وقع الحادثة عليها : " ماذا لو أننا بنينا كوخا في أعلى الشجرة كالذي بناه والد فلونة بطلة الكرتون التي أحب ، و أقمت أنت حظيرة للحيوانات و مزرعة صغيرة نأكل من محصولها ، و نوقف الزمن عندنا و نعيش هنا إلى الأبد ، لا ضجيج لا حرب و لا وجع " . أجابتني و نظرة الغضب تكاد تقفز من عينها :" أنانية أنت يا ابنتي ، و هذا الرضيع الذي سيموت بيننا إن لم نجد ما نطعمه و مئات الجثث المحترقة و العروس التي ترملت و الأم التي تكاد تجن على فقد ابنتها ، أعانك الله على تفكيرك الطفولي هذا." ألجمتني والدتي بهذه الكلمات ، اخترت الصمت بعدها كفيلا بأن يغير نظرة أمي لتفكيري ، أمي ذاتها التي تمجد دائما عقلي الناضج وقلبي الذي يتسع للجميع . وجدت المضيفة بعض حبوب القمح و الذرة في إحدى العلب و قررت أمي طحنها بمطرقة و مزجها بالماء و إعطاء الرضيع منها ، امامنا الكثير من المهام و علينا أن نجتمع ونقسم كل شيء بيننا ، استطاع القائد و الرجلان " أحمد و كمال اللذان عرفنا اسماءهم و قصصهم فيما بعد" أن يجمعوا بعض الخشب قبل أن تغرب شمس النهار مودعة على أمل اللقاء مرة أخرى ، الآن القائد سليم رفقة أحمد و كمال و العجوز "العم سالم" و المضيفة ليلى و الأرملة شهد و الأم فاطمة نجلس سويا حول كومة النار الكبيرة ، نحاول التغلب على خوفنا بإضاءة المكان . لا أحد يعرف أين نحن و لا مع من نتشارك هذه الجزيرة . خوفنا الاكبر من ان يكتشف أحد الحيوانات المفترسة مكاننا و لا وسيلة واحدة بحوزتنا للدفاع ، سنكون وجبة دسمة على كل حال . قررنا ان نصنع خيمتين مرقعتين من الملابس في الحقائب التي جمعناها ، سنأكل من الطعام المعلب وجبتين فقط في اليوم الكامل ما يسد جوعنا بالتساوي بلا تبذير و سنقتسم قنينات الماء بالتساوي كذلك ، سيبدأ الرجال البحث في الجزيرة منذ صباح الغد عن أي شيء يستطيع ان يساعدنا على الحياة. ثلاث أيام فقط و نفذت علب الطعام بالكامل ، و طعام الطفل ايضا قارب على الإنتهاء ، وعلينا أن نفكر في حل بديل. سعال العم سالم أيضا يزداد يوما بعد يوم ، سنخسره قريبا هذا ما قاله أحمد عندما رأى قطرات من الدم تخرج من فمه عندما يسعل. مر أسبوع كامل على فاجعتنا و لم يجدنا أحد إلى حد الآن ، نعيش في حلقة متواصلة ، يعاد نفس اليوم تقريبا بإختلاف بعض المهام . تطبخ أمي دائما للجميع ، يصطاد لنا القائد السمك ؛ يجيد كثيرا مهنة اصطياد السمك ، صنع هو و أحمد قاربا صغيرا من جدع شجرة استطاعوا قطعها بمنشار وجدوه بين الصناديق المتكدسة و نجحوا أيضا في صنع صنارتين بدائيتين بخشب مدبب من الأمام يحتاج إلى تركيز كبير واحتراف في التصويب ، ذهبت معهم مرة لأجرب الإصطياد لكنني فشلت و سريعا ما أيقنت أنني خلقت لمهام أجمل . الإعتناء بجميل ، هذا ما اختارته أمي له من الأسماء ، هادئ يبتسم بلا أسباب ، يصدر أصوات غير مفهومة غمغمة وهمهمة تدل على السعادة ، بدأت أمي تطبخ بعض الأرز الذي خبأته له من حصتينا و تطعمه له ، ساعده ذلك كثيرا على سد جوعه . صراخ قوي يعلو من خيمة الرجال ، أظن ان مصيبة حدثت ، إلى أن خرج كمال يحمل العم سالم بين ذراعه ، سالما مسلما مستسلما ، برودة في أطرافه رغم دفء الجو، شفتاه بلون البنفسج ، رحل العم سالم قبل ان يستطيعوا إيجادنا . اعتدت كثيرا وجوده بيننا ، قصصه لا تنضب ، رجل حرب قوي ، سيء المزاج قليلا لكنه طيب بقلب طفل . قطرات مطر تبدأ في السقوط ، كأن السماء تبكي فقده أيضا ، كأنها تسقي أرضا دفناه في جوفها لينبت نباتا طيبا . خمسة و عشرون يوما إضافيا و لا سبيل للفرار من هذه الجزيرة ، يكبر جميل في كل يوم أكثر ، تزداد ابتسامته ، اخبرنا أحمد سره الدفين ، أحمد هو الرجل ذاته اللامبالي عند احتراق الطائرة ، سجين فار من عدالة ظالمة ، حكم عليه بالسجن لأنه انتقم لطفولته من زوج أمه القاسي و قتله ، سقوط الطائرة أعطاه فرصة إضافية للحياة. القائد سليم رجل مناضل عصامي ، استطاع ان يدرس الطيران حلم طفولته رغم سوء ظروفه و قلة إمكانياته ، ينتمي لعائلة فقيرة ، عمل كصبي نجار لفترة طويلة و تمكن يإحترافية ان يجتاز الثانوية بإمتياز مكنه هذا من الحصول على منحة للدراسة في الخارج. الهواء من حولنا اصبح اكثر برودة ، الرياح تزداد يوما بعد يوم ، الماء في تناقص مستمر ، ندعو أن تمطر مرة أخرى لنجمع بعض الماء في الأناء الكبير الوحيد الذي نملك ، كانت هذه فكرة أمي في المرة السابقة . علينا ان نجد حل فعليا للهرب من هذه الجزيرة و النجاة بحياتنا قبل ان ينضب كل ما نملك ، سنخسر جميل بسرعة لأنه لن يتحمل البقاء دون ماء كثيرا . قرر سليم ان نصنع قاربا كبيرا يسعنا ، و بدأ العمل به سريعا ، يحتاج لأكثر من أسبوع حتى يتمه ، هذا إن امطرت و استطعنا الحصول على الماء ، إلا سنموت عطاشا و لن يجدنا أحد . صراخ جميل ، صلاة أمي الغير متوقفة ، بكاء فاطمة ، وصوت طرق و قطع الرجال الثلاثة للخشب باستمرار هذا ما أفتح عليه عيني كل يوم و انام عليه ، كموسيقى بيانو متداخلة لا تهدأ داخل أذني ، ان نجوت هذه المرة ، سأتواصل مع لبنى لتسامحني لأنني ضربتها مرة و نحن نلعب الغميضة عندما خسرت ، سأتصل بجدتي لأطمئن عليها دائما ، مقصرة أنا في حقها كثيرا ، سأعتذر من كل الذين غادرتهم بلا مبرر ، سأحتضن قبر والدي كثيرا ، سأقبل أمي كل صباح و كل مساء ، هذه قائمةالأشياء التي كتبتها في مذكرة عثرت عليها داخلها حقيبة يد وجدتها على الشاطئ ، دونت كل حدث على هذه الجزيرة عليها ، ستكون قصة مثيرة إن نجوت و نشرتها. هادئ جميل هذه الليلة ، لا يبكي و لا يغمغم فرحا ، هدوء غريب يسيطر على ملامحه مع برودة طفيفة في أطرافه ، تتفقده أمي في رعب ، جائع هو منذ ليلة البارحة ولا يوجد ما تطعمه . تبحث برعب في كل الحقائب الموجودة في الخيمة ، ولا حتى بقايا سمك تلوكه قليلا بين أسنانها و تدسه في فمه ؛ عادتها الأخيرة التي تطعمه بها ، بشفاه مزرقة و عينين جاحظتين يبتسم لنا ، كأنه يلوح لوداعنا ، بكت والدتي كثيرا تلك الليلة كما لم تبكي من قبل و لا يوجد في يدها حل لتنجده به ، تسرب الجفاف في كل تفاصيله و بات متخشبا كلوحة جوفاء ، انتقل فجرا إلى خالقه ، سيكون بحال افضل هناك . استطاع سليم وأحمد و كمال من إنهاء القارب و سيتم تجريبه اليوم ، صنعت امي من خيمتنا المرقعة شراعا ، و استطعنا الإبحار أخيرا . نلوح للجزيرة و نشاهدها تصغر تدريجا كلما بعدنا ، تركنا العم سالم و جميل ينامان بسلام خارج حدود الزمان ، في بقعة بعيدة هادئة عن ضجيج العالم أجمع . ممسكة بإصبع أمي الأصغر كعادتي التي لا اكبر عنها أبدا ، أضع رأسي على فخذها و احتضن مذكرتي و قطعة الفحم التي اكتب بها و أبكي وطنا لطالما حلمت به في طفولتي ، بيت على الشجرة في جزيرة مهجورة رفقة والدتي نخاصم العالم و نستقر على ترابه.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد