الخوف

2021-01-18

الخوف 1 لا اكتب بالحواس، أجيد الكتابة بلا لغة، عبارة مكتوبة على ورقة مهترئة بين مجموعة الأوراق التي وجدتها في تلك الحقيبة، وثيقة إثبات شخصية، أوراق ملكية المنزل، وصحف رسمية، ونعوه لرجل تعود وفاته للعام 1981، أغلقت الحقيبة أعدتها إلى مكانها، وخرجت إلى فسحة المنزل كان بيته شديد الوحشة ويوحي مظهره بالكآبة، صعدت السلم الحجري الذي يطل على غرفة مغلقة رأيت من نافذتها مجموعة من الأخشاب، ومدفئة، وطاولة كبيرة وعدد من الأكياس مسندة إلى الحائط، صعدت مسرعاً إلى السطح عندما سمعت أصوات مفتاح تدخل قفل الباب ثم عدت إلى منزلي. في المساء كنت أقف على بوابة المقهى، ابحث عنه، رأيته يجلس مع عدد من الأشخاص الصم كان الضجيج عالياً في الداخل صوت جهاز التلفاز ودوي أحاديث العجز والشباب وصراخ لاعبي طاولة النرد، أنه كرود المقهى الذين أراهم يومياً لم يعني لي الكثير، هو عجوز في الثامنة والخمسين من عمره يرتدي بدلة رمادية اللون، ذا شعر أبيض كثيف وجبهة عريضة ووجنتان بارزتان. حاولت التقرب والتودد منه، منذ رأيته يدخل المنزل المجاور لشقتي، كان يكتفي بابتسامة صغيرة تعلو شفتيه دون النطق بشيء أو حتى رد التحية، في صباح أحد الأيام، توجهت لمنزله لسؤاله عن مكتب مختار الحي، فتح الباب قليلاً ووقف خلفه خافياً معظم جسده، كان شديد الارتباك، وشعره مبعثراً، ماذا هناك ماذا تريد هل تعلم عنوان مختار الحي لا تأتي إلى هنا، لا تقرع هذا الباب، أنا لا اعرف شيء ولا تريني وجهك مرة أخرى. كان أصم في المقهى لكنه يسمع ويتكلم في البيت، شديد التودد بنظراته وابتساماته في المقهى، وشديد التجهم والعبس في الحي، منطلقاً مرح بين أصدقائه، وصارما وذا مشية رتيبة في الحي. 2 كم هو مريح لي أن أكون بين هؤلاء الصم، زمرة من الشباب والرجال، نأتي يومياً إلى مقهى النوفرة نجلس بشكل متباعد عن طاولتنا بما يسمح لأيدينا بالحركة نشرب الشاي والقهوة ندخن النرجيلة، ولم يكن ثمة أحاديث مشتركة تجمعنا، شابان يتحدثان عن الإجراءات الإدارية التي يجب القيام بها لإعفائهما من الضرائب الوظيفية، عجوزان يتحدثان عن تعبهم، فيقول الأقل هرما للآخر "الله خلق الدنيا في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، نحن عملنا طوال عمرنا ويجب علينا أن نستريح، لم يكن أحد يستطيع الحديث عن الآخر أو ذمه أو حتى شتمي فالجميع لهم القدرة على العلم بأحاديث الجميع، فهم صم ولم يكن يستطيعون الحديث همساً. شارفت الساعة على الحادية عشر ليلاً، اعتذر الرجل العجوز من أصدقائه ومضى إلى منزله، رغم المسافة الطويلة التي تفصل مقهى النوفرة عن حي ساروجة إلا أن المرء لا يشعر بضجر أو تعب في السير في تلك الأزقة القديمة، خالية تكاد من المارة، لكن أرصفة الشارع التي تحدث جلبة خفيفة عند المرور بها يعطي شعور الأنسة للمار بها، جدران لقلعة دمشق ونهر يتدلى من سياجه المرتفع نباتات العليق والياسمين وشجيرات الصفاف. مجموعة من المنازل ذات الطراز العمراني القديم، والمتلاصقة ببعضها هي سمة تلك البيوت التي تنتشر بكثرة في حي ساروجة، نظر العجوز لمنزل الشاب ربما لن يأتي اليوم لم أراه عندما خرجت من المقهى. أشعلت الإضاءة في مدخل المنزل وتوجهت إلى غرفتي لا تزال كما هي منذ ثلاثين سنة لا حياة بها لا شيء يدل على شيء، سرير خشبي كنت قد استبدلته بذلك السرير المعدني الذي كان يؤرق نومي بسبب صريره، وطاولة وكرسي، ومكتبة خالية من أي شيء، كانت يوماً ما مليئة بالكتب والأفكار والأمنيات، لا شيء يعلوها الآن سوى تلك الحقيبة السوداء، أن تلك الحقيبة وما بها أفرغت مكتبتي وغرفتي، أنها رمزاً للخوف أن شعور الخوف المستمر جعل حياتي تسير تدريجاً إلى لا مبالاة، أن الخوف عندما يحاصرك من كل الاتجاهات يجعلك تنكفئ على نفسك كطفل يختبئ في السرير تحت غطائه، لا يعلم ما يحدث خارجاً ولا يأبه به لكنه خائف. كان الرجل يتدلى من على شرفة منزله معلقاً من رقبته بحبل من الصوف، وبجانب حائط الشرفة سلم منزلي أبيض، لم يكن ميتاً ينظر ألي بعينين متلألئتين فرحاً بإنجازه، حاولت الاقتراب لامسك يده لكن سيدة وأولاده هرعوا اتجاهي صارخين بالابتعاد عنه، استيقظت كان العرق يملئ سترتي، كان مجرد حلم، منذ سكن ذلك الشاب في البيت أو منذ أعيد فتح ذلك المنزل وتلك القصة لا تفارقني وكأنها بالأمس حصلت وكأن جنازة ذلك الرجل الذي انتحر تمر من أمام منزلي، اسمع عويل زوجته، واشتم رائحة البخور تتصاعد من منزلهم، ونظرات ولديه لا تنفك تلاحقني. أطفأت نور الكهرباء فتحت الستائر كان ضوء الصباح يشرع بالتغلب على ظلمة الليل، توجهت إلى منزل الشاب قرعت مطولاً، وعندما فتح لي الباب دخلت مسرعاً إلى منزله، لا يزال البيت كما هو منذ 25 عاماً عندما دخلت لتشييع الرجل، سمعت صراخ زوجته من النافذة تطالب بطردي من المنزل، ثم تدافع طفلان صغيران على قدمي، لكن الرجال أبعدوهم عني وطلبوا مني المغادرة. وقف الشاب يحاول جاهداً بعينه فهم ما حدث يجب ألا تبقى في هذا المنزل إن المرأة التي كانت تسكن قبلك هنا ترملت انتحر زوجها بسببي، لم تستطع البقاء في جواري غادرت الحي مع طفليها ومنذ ذلك الوقت والمنزل مغلق. 3 كان العجوز قد دخل المنزل منذ خمس دقائق، بوجه شاحب تارة يتحدث بعنف متلعثماً ببعض الأحرف، وتارة يهدئ ويربت على كتفي كوالد ينصح ولده. لكنني قطعت حديثه وقدمت له كوب من الماء، ثم مضيت به إلى الغرفة لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة صباحاً، اعتذرت طالباً منه الجلوس ريثما أعد القهوة. شيء ما في هذا العجوز مريب بالأمس تجاهلني كلياً في المقهى، حتى عندما اصطدمت به أبان خروجنا من المقهى لم يكترث بي، بقيت أراقبه لساعات وتبعته حتى وصل إلى منزله، كان ينظر إلى الخلف وكأنه يراني، لا اعرف لما توقف بالأمس عند باب منزلي ونظر إلى الشرفة مطولاً باحثاً عن شيء ما. دخلت الغرفة كان يجلس على كرسي خلف باب الغرفة حانياً ظهراً واضعاً رأسه بين كفيه ومسنداً يداه على ركبتيه، لكنه منذ رآني بدا وكأنه استرد شيء من صلابته. لم أجد سبيل للبدء في الحديث معه سوى الاعتذار عن أي إزعاج بدرة مني فربما تجسسي عليه هو السبب فيما يحدث له، كنت اعتزم القول له بأنني دخلت منزله وفتشت في حقيبته، لكنني تداركت ذلك بأن عدت لقصته، وماذا حدث لجارك يا عم. كان يحدثني ناظراً نظرات استطلاع وريبة للغرفة، ووجهه ممتقع وشديد الاحمرار، لقد اعتقلت منذ ثلاثين عاماً، وعمل رجال الأمن على البقاء في منزلي طيلة أشهر وكل من كان يقرع منزلي تم اعتقاله، جاري الذي تقطن الآن أنت في منزله، كنت قد استعرت منه قبل اعتقالي بأسبوع سلم لتصليح الكهرباء في منزلي، وعندما أتى لاسترداده كان رجال الأمن في المنزل فتم اعتقاله. بعد خروجه لم أعد أراه في الحي، لكنني كنت أسمع صرخات زوجته وأولاده عندما تنتابه نوبة ما، علمت بأنه جراء التعذيب عانى من اختلال عقلي، أصبح يخاف من كل شيء، بعد سنة من ذلك استيقظ الحي على انتحاره من شرفته. لكن لا دخل لك في موته، هو انتحر بإرادته، وما جرى كما تقول لي مضى منذ سنين يجب نسيانه، لا يستطيع الإنسان نسيان شعور الذنب، انتحر نعم بإرادته لأنه لم يستطيع تحمل خوفه، أن الخوف يا بني يقتل المشاعر الإنسانية بالخوف لا تشعر بالإهانة لا تشعر بالخجل، في الخوف يقبل العقل بأية معطيات تفادياً للألم تفادياً للفجيعة، الخوف يجعلك تتنازل تدريجياً عن كونك إنسان، ومن لا يحتمل ذلك يقتل نفسه. كانت أشعة الشمس قد بدأت تنفذ عبر نوافذ الغرفة، لكن الجو هنا كان لا يزال بارداً، أننا في شهر أيلول، ذا الليالي الباردة، والنسائم الصباحية الرقيقة، خرجنا إلى فسحة البيت وجلسنا على طاولة بالقرب من بركة مائية صغيرة، كنت شديد الفضول لمعرفة قصته، نسجت في البداية سبباً سياسياً لاعتقاله في تلك الفترة الزمنية ذات الأحداث السياسية المشوشة. بدا لي أن نظراته صارت أكثر تركيزاً وأعمق نفاذاً إلى القلب نظرات تودد، وأخذت نبرة صوته تهدئ وتصبح أكثر حناناً، لم أكن أبادره الحديث كثيراً لكنه كان ينصت إلى بإمعان وكأنني أصبحت شخص على علاقة وثيقة به تلك العلاقة التي لا تحتاج للصعود التدريجي فيها لتبادل المودة علاقة آنية مبنية على شعور الإنسانية، شعور الحنان والعطف، تبادل الآلام والانكسارات تبادل الخيبات. لم أعد أرى نفسي شخصاً فضولياً، بل أصبحت أشعر بأنه ينتظر سؤالاً مني استفساراً ما للمضي بحديثه، كان تقاطر مياه البركة وأصوات العصافير وهي تهبط وتعود للطيران على سياج العرائش تقطع صمتنا. وقف الرجل العجوز ووضع إحدى قدميه على حافة البركة وبدء يرفع بعض الماء بيده ويتركه ينسل من أصابعه، اقتربت منه وأعطيته لفافة تبغ، كان يستند بيده اليسرى على ركبته، أخذ نفساً عميقاً من الدخان وأغمض نصف عينه متلذذاً بها. رغم رائحة الدخان إلا أنني لا اشتم سوى رائحة جسدي رجلي الأمن، وكل صباح يصاغ إلى سمعي دقات عنيفة على الباب، أكره هذا الهدوء القاتل، ثم رمى اللفافة في البركة وعاد للجلوس على الطاولة. دأبت منذ تلك الحادثة أشعل المذياع بأعلى صوتي في الصباح لكيلا اسمع أصوات السيارات لا اسمع طرقات الباب، هكذا وقرع بشكل عنيف على الطاولة، بهذا الصوت أرادوا إيقاظي، لكنني كانت مستيقظاً، لما قطعوا ذلك الهدوء، لم تكن الساعة قد تجاوزت السابعة صباحاً، فتحت باب المنزل كان عدد من الرجال يرتدون زياً بني اللون واثنان منهم يحملان بندقية، سألني شخص بصوت رصين ومتكبر عن اسمي، ثم قام حاملا البندقية باقتيادي إلى سيارة مركونة بالقرب من المنزل، لم يحدثني أحد شيء، حتى عناصر الأمن لم يحدثوا بعضهم إلا عندما دفعوا بي إلى السيارة، سألهم شخص يجلس في الأمام، هل هو الشخص المطلوب، هذا هو المدقق اللغوي ثم ضحك بشكل هستري كنت أرى جسده كله يهتز ، خيل لي أن حتى السيارة بدأت تهتز والأرض وكل شيء من حولي بدء يهتز بضحكته، جلست في الخلف بين عنصري الأمن وضع أحدهم في رأسي غطاء أسود، ثم مضت السيارة بسرعة جنونية، كنت أشعر بذلك من خلال الهواء الذي يصطدم في صدري عبر القميص، وينفذ إلى مسام جلدي، قدرت أنني لا ازل في ضواحي المدينة عندما نزلت من السيارة، لم يكن مضى على مسيرنا نصف ساعة، نزلت عدداً من الإدراج، كنت أشعر بوجود شخص واحد خلفي أزال الغطاء عن رأسي ودفعني إلى غرفة صغيرة سمعت أصوات إغلاق باب حديدي خلفي، لم يكن في الزنزانة سوى سرير صغير، ودلواً بجانبه تنتشر منه رائحة الفضلات، بدأت ارتجف من البرد، كانت الغرفة شديدة الرطوبة، رطوبة تنبعث من جدرانها ومن السرير، رطوبة خانقة، جلست متكوراً على نفسي في وسط الزنزانة. كان يتكلم ويحاول جاهداً منع نفسه من البكاء، بدت لي عيناه تتلألأن بالدمع، وقف ببطء، ثم أخذ يفرك بمعصمه عينيه كأنه يزيل شيء ما دخل فيهما، تنفس بملء رئتيه، ثم صدرت عنه زفرة طويلة، واستطرد في الحديث، منذ ثلاثين عاماً يا بني كنت طالباً أدرس اللغة العربية في الجامعة، وأعمل في المساء كمراجع لغوي في إحدى الصحف الرسمية. كان الجو صاخب جداً تلك الليلة في الصحيفة صرخات رئيس التحرير وأصوات خطوات الصحفيين ورنين الهواتف، فالحكومة قد عقدت اجتماع هام في ساعة متأخرة، وكان قسم الأخبار وصحفيه آنذاك شديدو الاضطراب، إلى وقت متأخر لم تنتهي الحكومة من اجتماعها وهم غير قادرين على صياغة المواد النهائية ووضع العناوين لها، تم استدعاء صحفي قسم المحليات للعودة إلى عملهم لتعديل مواد صفحتهم بما يلائم مع نتائج الاجتماع. في النهاية كان القسم قد اكتظ بالموظفين، صحفي الاخبار صحفي المحليات المنضدين والمدققين وعمال الطباعة، كانوا يصطدمون ببعضهم على عجلتهم وكثرتهم. أوكل ألي تدقيق خبر الحكومة، أصبح الخبر كاملاً في الساعة الواحدة ليلاً وامتد ليشمل صفحتين من الجريدة كنت أعيد التدقيق في كل حرف من الألفين وخمسمائة كلمة، فالظروف السياسة آنذاك يجعل الرأي العام يدقق في كل كلمة صادرة عن مسؤول سياسي، فقد تحدث تلك الكلمة منعطفاً هاماً في أحداث تلك الفترة، لكنه أحدث مسرحية من الضحك بسبب خطئي اللغوي. كانت يتحدث وهو يسير ببطء جيئة وذهاباً واضعاً ومطرقاً نظره للأرض، ثم اقترب حيث اجلس على حافة بركة الماء، ووضع يده على كتفي، تعال معي إلى المنزل سأريك شيء ما، لا زلت احتفظ بكل تلك الذكريات في منزلي كنت أعلم أنها يتحدث عن محتويات حقيبته لكنني لم أستطيع البوح بذلك. دخلنا غرفته، كان الظلام شديد أشعل ضوء الكهرباء، بينما شرعت بفتح نوافذ الغرفة، أنزل من مكتبته حقيبته السوداء، هذه هي نعوه جاري لا أزال احتفظ بها، وهذا عدد من الصحيفة التي أخطأت فيها بالعنوان، لا يوجد من الألفين كلمة في الخبر خطأ لغوي واحد سوى بأول العنوان، ولذلك اعتبر رجال الأمن أن تلك الفعلة مقصودة كيف لا يخطئ المرء سوى بالاسم الذي يظهر كأكثر الكلمات وضوحاً. كان اسم رئيس الحكومة آنذاك اسمه فواز سليمان، كنت قد نسيت النقطة فوق حرف الراء فأصبح اسمه فوار، وعلى أثرها تم اعتقالي لمدة سنة ونصف، بتهمة التقليل من هيبة الدولة، كانوا يسألونني عن الجهات الخارجية الداعمة لي وعن الحزب الذي انشط به، تدريجاً بدأت أسئلتهم تقل تعقيداً عندما اكتشفوا أن الأمر لا يعدوا سوى كونه خطأ لغوي، لكنهم أصبحوا يسألونني عن أسماء أصدقائي في الجامعة، مشيرين إلى أنهم أيضاً اعتقلوهم لكن ما لفت انتباهي هو سؤالهم عن جاري، بعد خروجي علمت أنه تم اعتقاله بعد اعتقالي بأسبوع، كان يرد أن يسترد سلمه الأبيض، وكان رجال الأمن قد بقوا في منزلي لشهرين، تم اعتقاله تسعة أشهر وبعد خروجه بسنة انتحر. أخرج من الحقيبة رزمة من المفاتيح ثم عاد بعد بضعة دقائق ساحبا بيده كيس أبيض اللون، وأفرغ محتواه في الأرض كانت مجموعة من الكتب، مسرحيات لشكسبير، وقصائد شعرية لبوشكين، وكتب عن المسرح الروماني وعن أصول فن المسرح، هذا هو حلمي كنت ذات يوم أسعى لأن أكون كاتباً مسرحياً، لكن الخوف هو الذي أجبرني على تغيير هذا الطريق. خرجت من السجن وبالطبع تم إقالتي من الصحفية، ووجدت عملاً كمدرس للغة العربية، لكنني أصبحت أعجز عن الكتابة على لوح المدرسة، احتاج لدقيقة أو دقيقتين لأستطيع وضع النقطة على الحروف أتعرق بشكل شديد، وتظهر النقطة مدغمة وضخمة وأدور النقطة، رسم لي العجوز بيده في الهواء نقطة دائرية صغيرة بينما يده ترجف وأسنانه شديدة الاصطكاك، كثيراً ما كان القلم ينكسر في يدي وأصبحت ضحكات الطلاب تزداد واسمع صراخهم سوف تثقب الحائط. بدأت النقطة اللغة الكتب تحاصرني في كل شيء، توقفت عن التدريس ولم اتابع دراستي الجامعية، وأفرغت هذه الغرفة من كل الكتب ومن محاولتي الأدبية، كان العجوز يتحدث ألي وهو يقلب بين يديه صفحات مسرحية ماكبث لشكسبير. ربما لو تغيب آنذاك عن الصحيفة لما حدث ما حدث، لما تدمرت حياتي ولما انتحر ذلك الرجل وتشردت عائلته، خطأ كنقطة يسبب هذه الفوضى، اعتقد أن كل شيء في الحياة فوضوي ناتج عن جملة من الصدف. نعم كل شيء في هذه الحياة فوضوي، هل لك أن ترى الكون عقب الانفجار الأعظم، فوضى من النجوم والكواكب العملاق تصادمات فوضية، يلتقي نجماً بنجم مصادفة فأما أن يبتلع الأكبر جاذبية الآخر، وأما أن يصطدمان بتعادل جاذبيتهما فيتشظان إلى كواكب، هذا هو منشأ ما تراه وما ستراه في المستقبل الفوضى. من وضع النجم في طريق النجم، من جعل نجم يندثر بنجم الفوضى والمصدفة، لكن ذلك ليس عبثي، ليست جملة المصادفات هذه عبثية وإلا لما كنا أنا وأنت نجلس في هذه الغرفة، لا شيء لا معنى له في الوجود. لا شيء عبثي في هذه الحياة، أنها سلسلة من المصادفات التي يجب أن تحدث بالضرورة لتقودك نحو هوى ما أو نحو قمة ما، أن القدر يضع لك كل الصدف في طريقك للصعود إلى حلمك ويضع أيضاً أن شأت أن جبنت أو انسحبت من معركة الحياة كل الصدف للهبوط أنه عادل بما تستحق، في حي قريب من حينا لافتة ضخمة لمعهد الصم، أومأت برأسي بأنني أعرف المعهد، كانت تصادفني يومياً لم أكن أعر ذلك المعهد أي انتباه قبيل اعتقالي، لكنني أبان تلك الحادثة دخلت المعهد وتدرجت به إلى أن أصبحت مدرساً للصم، أنا مدرساً في معهد الصم منذ 15 عاماً وهذا هو عملي.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد