أنا انتظر ابنى

2021-01-18

انا انتظر ابنى وفى الحقيقة أنا انتظره منذ وقت طويل ، عمرى بأكمله إن لم أبالغ ، ابنى الحبيب ، سويداء القلب ،وقطعه من الفؤاد ، مجيئه لم يكن هينا منذ البداية ، لقد تزوجت فى صباى ، يوما ما امتلكت الحياه ، لونت السعاده ايامى الحالمه ، بيد اننى قد عرفت باكرا اللهفه والنجوى ، والعذوبه والعذاب ، والقلق الداهم ، ثم الانتظار الطائل لسنوات كثر ، واليأس الذابل بمرارة التعليقات ، والطواف على الاطباء ، وتجرع الصبر ، فى سبيل أن أراه ، ابنى الحبيب ولقد حدثت المعجزة .... كان يوم معرفتى بالخبر يوما مشهودا ، أذكر جيدا شعورى عندما أحسست بحركته داخلى ، وأنى ظللت ليله كامله أحدق فى ثيابه التى اشتريتها قبل موعد ولادته ، وأتخيله فيها وهو بين ذراعى ، اهدهده، واغنى له ، حتى يغفو ، حتى جاء ابنى اخيرا.... كم كانت ولادتك عسرة ، لقد عانيت فيها كثيرا ، فى لحظة ما أحسست أن ظهرى سوف ينكسر وأن أحشائى أوشكت على الانفجار ، وفى اللحظه التاليه على الفور ، أحسست أن روحى تغادر جسدى من شدة الألم ، ثم بعدها لم أعد أشعر بشىء ، لقد دخلت فى اغماءة ، أو غفوة قصيره ، ثم أفقت ، ورأيتك أمامى لأول مره ، وصدقنى يا ابنى الحبيب، أننى مازلت أذكر ملامح وجهك فى تلك اللحظه ، وبعد انقضاء كل تلك السنوات ، بل أتذكر أيضا ثيابك التى كنت ترتديها ، مازلت أذكر وجهك المحتقن ، وجسدك الصغير جدا وأنا أحملك وأنظر اليك للمرة الأولى ، وأمسك بيدك الصغيرة المتشبثه بسبابتى ، وأتشمم رائحتك التى لم تفارقنى ، لقد كانت سعاده حقة، دفعتنى للبكاء دون أن أشعر ، كنت أنت المنحه الإلهيه التى ظللت أحمد ربى عليها ما حييت ، وأنا أراك كل يوم وفى كل وقت وأنت تنمو وتكبر ، ولا أتحمل عليك الهواء ، كنت أخشى عليك كثيرا ، مرات أغدق عليك بالأشياء ومرات أخرى أمنعها عنك خشية عليك. هل تتذكر عندما أصابتك الحمى ذات ليله وظللت جالسه بجوارك طوال الليل؟ لا أظنك تذكر ، أنا الآن مرهقه ومتعبه ، ولكن ما الجديد ، كان هذا هو حالى طوال حياتى ، كنت أستيقظ صباحا رغما عنى طامعة فى دقائق اضافيه أغفوها ولكن عبثا ان توفرت ، كم اشتاق لحقيبتك وكتبك ، وملمس تلك الكفوف الصغيره، والأحضان، والقبلات على الخد أثناء معركة ارتداء زى المدرسة كل صباح، تخوننى الذاكرة هذه الايام كثيرا ولكنى مازلت اذكر جيدا حين كنت أعود من عملى مسرعه كى يسعفنى الوقت لاعداد الطعام من أجلك ، ثم أجلس لاستذكار الدروس معك ، والتمارين الرياضيه، وليالى الامتحان ، حتى عندما كبرت وتخرجت من جامعتك أحسست أننى فى هذا اليوم قد أكملت رسالتى ، وانتصرت على الحياة ، إلا أنك عندما فاجأتنى برغبتك فى استكمال الدراسه فى الخارج ، تجمدت الدماء فى عروقى ، هل حقا ستغادرنا ، هل ستفارقنى أنا وأبيك ، هل ستغدو خزانة ملابسك فارغه بعد اليوم ، هل سيخلو البيت من صوتك وكتبك ورواحك ومجيئك واتصالات أصدقائك ، ألن انتظر رجوعك كل يوم واجتماعنا على الغداء، فارقتنا يا بنى وصرنا وحيدين ، كما كنا أول الزواج ، ولكن تبدلت الأحوال ، انقضى الشباب وانحنت ظهورنا ،وامسيت وحيده فى فترة مرض أبيك، وقد تحملتها متأنية ، وكنت أنتظرك فى كل يوم أن تعود ، حتى يوم أن رحل أباك وعدت مهرولا من سفرك فى اليوم التالى لحضور الجنازة ، كنت أنتظرك ،انتظر نسختك القديمه وتعلقك بى ، ولكنى أحسستك ضيفا ينتظر انتهاء الزيارة كى يستأذن فى العوده ، لا تخطىء فهمى فأنا لا الومك ، لا شىء عندى أهم من مستقبلك ، بيد انك عندما قمت باهدائى جهاز " التابلت " لكى تحادثنى بواسطته ، صار هو ما يربطنى بك الآن ، تحمل شاشته ملامحك ، وصوتك، لم يعد يفارقنى ، فى السابق كنت اتنقل بين الغرف وأنا أحملك على ذراعى ، الآن صرت اتنقل حاملة إياه بين الغرف الخاويه ، خشية من لا اتمكن من سماعه ، وعندما أذهب للنوم أنام وهو فى أحضانى ، عوضا عنك ، إلا أن قد مر وقت طويل منذ أن حادثتنى فى المرة الاخيره، ثم وهنت صحتى ،وبدأت حركتى فى التثاقل ، وبدأت أجد صعوبة فى تذكر الأسماء ، وحتى أحداث الأمس ، والليله الماضيه ، وصعب على تحديد الأماكن ، ومعرفة الأشياء ،فاجدنى أحيانا لا استطيع تمييز فرشاة أسنانى ، وأحيانا اشعر بشعور لا افهمه ، قرصات مؤلمه فى معدتى ،وبطنى ، دون ان استوعب ذاك الشعور المؤلم ، ثم تذكرت ذات مرة منها أننى ربما أكن جائعه ، ومرات أخرى كنت اتعجب لأن ثيابى مبتله ورطبه للغايه دون أن أفهم علة ذلك ، ولا من أين جاء البلل ، ثم ساء الوضع ، و تعرضت لاغماءات أكثر من مرة ، وفى أحد المرات وقعت فى المنزل ولم أقو على الحركه لأيام ظللت فيها ماكثة فى الفراش ، وافتقدتنى أحد الجارات وجاءت لمساعدتى، وأحضرت الطبيب ووجدتهما يتهامسان هو وهى ، ثم أصرت هى على أن تهاتفك وتخبرك ، وكم لمتها على ذلك وأردت أن أمنعها ، فلم اشأ يا بنى ان أحملك هموما فوق همومك ، فأنا أعلم مقدار انشغالك فى تلك الغربه ، وأعلم مدى أهمية العمل الذى تشغله لك ولأسرتك ، ولكنى لم استطع منع نفسى من الفرح عندما عرفت أنك قادم ، سوف أراك أخيرا ، وعندما جئت يا بنى نسيت كل ما ألم بى ، نسيت المرض والتعب و الحزن ، وفرحت ، فقط فرحت بمرآك، وأذكر أنك قضيت معى أياما أنت وزوجتك الاجنبية ، ولكنى كنت أراك شاردا واجما و لا أعرف لماذا ، وحاولت كثيرا أن أفهم ما الذى يحزنك ولكنى لم استطع ، حتى هذه الليله التى سمعت جدالا بينك وبين زوجتك ، و حاولت أن أعرف ماذا بكما ولكنك لم تشأ اخبارى ، لم تشأ أن تحملنى همومك كعادتك يا ولدى الحبيب ، وفى الصباح التالى ، فى نفس اليوم الذى كان عليك الرحيل فيه للعوده ، لم افهم تحديدا ما الذى حدث ، ولماذا قامت زوجتك بجمع ملابسى وحاجياتى ، حتى أخذتهم أنت وأخذتنى فى سيارتك، ولكنى لم اهتم فقد كنت سعيده بجلوسى بجانبك وأنت تقود ، تذكرت الأيام الكثيره التى قضيتها وحدى وتمنيت فيها أن تكون بجوارى، وها أنا أنعم بجوارك ، ولا يقلقنى شىء سوى شرودك الدائم هذا ، لا يشغلنى حتى إلى أين نذهب ، واذكر أنك ذهبت بى إلى مكان فسيح، كان يبدو حسن الشكل و التنظيم ، و دلفنا من بوابته الحديديه ، حاولت أن انظر للحروف المتشابكه على الواجهة ، إن عقلى أضحى بطيئا للغاية ، والذاكرة لا تسعفنى وأشعر بصعوبه شديده فى تجميع الحروف وقراءتها ، إلا أننى نجحت فى قراءة كلمتين متتابعتين بمشقه بالغه، كانتا " دار عجزة " على ما أذكر ، لم أفهمها ، ولم استطع اكمال الجمله ، ولكن لم اكترث أيضا، فقد كان كل ما يهمنى أن اكون بصحبتك يا بنى ، ولقد قضيت معى ساعتين أحسست فيهما وكأنى فى الجنه ، كنت تحدثنى ولكنى لا أفهم حديثك ، بل أحيانا كنت أشعر أننى أرى حركة شفتيك ولكن لا اسمعك ، أنا فقط انظر الى وجهك الجميل وأتذكر ملامحك المحببه لقلبى على مدار حياتك ، منذ كنت وليدا على ذراعى ، إلى ان صرت رجلا امامى الآن ، ولم يحزننى إلا رؤيتى للدموع فى عينيك وانت ممسك بيدى ، وقبلاتك الحانيه لى قبل ان تلتفت وتغادرنى ، هل ستغادر حقا الآن ؟ عندها انتبهت وتخوفت من شىء لم افهمه ، حاولت تذكر آخر كلماتك قبل رحيلك عنى ، هل قال انه سياتى فى المساء، نعم لقد قال ، انتظرت للمساء ، و جاءت إلى سيدتان لطيفتان لمعاونتى على تبديل ملابسى ، وتناول طعامى ، والكثير من الادوية ، ووضعتانى فى الفراش ، و مكثت اتشبث بذاكرتى بمعاناه وأنا اذكر نفسى ساعه تلو الأخرى لكى لا افوت موعد حضورك ، ولما حل المساء ولم تأت يا بنى الحبيب ، تشككت فى نفسى مرة أخرى ، هل قال انه سيأتى فى المساء ، ام قال انه فقط سيتصل فى المساء ثم يأتى فى اليوم التالى ، وانتظرتك فى اليوم التالى ، والأيام التى تليه ، ولكنك لم تأت ولم تتصل أيضا ، ثم انتظرتك لأسابيع ، ثم شهور ، ثم لم أعد اشعر بالوقت وأنا انتظرك ، كم مكثت ، لا أعلم ولا أذكر، أصبحت استيقظ فى الصباح و تعاوننى هذه السيدة اللطيفه التى لا اذكر اسمها هى الأخرى ، على تبديل ملابسى وتناول الإفطار، ثم الجلوس على الكرسى المدولب الخاص بى ، وتأخذنى الى الطابق السفلى بجوار الحائط الزجاجى المطل على حديقة المكان ، حتى أظل هناك لانتظرك وأرى سيارتك بوضوح عندما تاتى لزيارتى ، وظللت انتظرك واتسأءل ، متى ستاتى لكى اراك ، وحتى هذا اليوم الاخير ، اليوم الذى فيه استيقظت ، فوجدتنى فى حاله غريبه احسست أن جسدى شديد البروده إلى حد التجمد ، حاولت أن احرك ذراعى أو يدى لكى أشير بها ولكنى لم استطع ، كانت عيناى مفتوحتان ولكنهما محدقتان فى سقف الغرفة ، ولم استطع أيضا تحريكهما ولا النظر بهما فى أنحاء الغرفة كما كنت افعل ، حاولت ان افتح فمى أو اتكلم لعلى أصيح فتسمعنى السيده اللطيفه وتأتى ، ولكن محاولاتى جميعها باءت بالفشل، وظللت على هذه الحاله المتجمده ، إلى ان شعرت بتلك السيده تدلف الى غرفتى ، وارتحت لدخولها ، سوف يساعدنى أحدهم على النهوض أخيرا ، ولكنها اقتربت منى حتى دخلت فى مجال رؤيتى وأنا على تلك الحاله المتجمده ، وهزت جسدى بقوة ثم شهقت وخرجت مسرعه من الغرفه ، وأصابتنى الحيره حيث لم افهم ماذا بها ، ثم حضرت ثانية وشعرت أن معها سيدتان أخريان لم استطع رؤيتهما ، سمعت احداهما تحادث الأخرى قائله " هاتفوا ابنها ينزل مصر ، من أجل الاجراءات " ، وتهللت من داخلى ، غمرنى الفرح ، رغم أنى لم افهم أية اجراءات تلك التى تقصدها ، ولكن لا يهم ، يكفينى أنك ستحضر أخيرا وسوف أراك ، ثم شعرت بالسيدات الثلاث يهممن بمغادرتى ، وحاولت أن أسالهن متى ستحضر انت ، ولكن حالة السكون المتجمد تلك قد تلبست جسدى بأكمله ولسانى ووجهى ، حاولت أن أنظر إليهن أو أشير بعينى ، ولكنى أيضا لم استطع ، لأن تلك السيده اللطيفه اقتربت منى وبسطت الملاءة البيضاء على جسدى ووجهى بالكامل ، فما عدت أرى شيئا، ثم سكنت الغرفه من حولى ، ولم أفهم لماذا فعلت ذلك ، ولكن لا يهم، لم اكترث لهذا ايضا ، المهم أنك سوف تأتى ، وسوف أراك حتى لو تأخرت قليلا كعادتك ، سوف انتظر يا بنى ، أنا سوف انتظرك.......

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد