فيلم الليلة

2021-01-18

كان موظف شباك التذاكر قد تأمل رسم حاجبيها ونصاعة ما بينهما فأدرك بخبرته أنها امرأة مُجرِّبة.وعزّز حدسَه خصلة شعرها الأصفر المصبوغ المُطلة من طرف حجابها،وعيناها الواسعتان كحُضن مُرحِّب،ونعومة صوتها حينما نطقت بحسم أنثوي اسم الفيلم مُختلطاً بأحمر شفتيها. تناولت منه التذكرتين بعد دفع ثمنهما،وحمدت الله أنه لم يضغط على كفها البضّ أو يلامس أناملها كما يحلو أحياناً لبعض طلاب الثانوية موفوري الهرمونات عندما يحاسبونها قبل دخول الحصص في المركز التعليمي الذي تعمل به سكرتيرة لأستاذ اللغة العربية المُلقب ب"إمبراطور النحو". نظرت في ساعتها الرخيصة وقد صارت السادسة والنصف.لقد كان من المفترض أن يحضر منذ نصف ساعة! أنّبت نفسها على تركها طفليها لدى أمها العجوز،وكذلك على إنفاق هذا المبلغ لشراء التذكرتين اللتين حتماً ستشربهما كمرات سابقة وأفلام قديمة يضاف إليها فيلم الليلة الذي بيد أنها ستكرهه أيضاً دون أن تشاهده وينغص عليها لاحقاً عرضه في التلفاز. شعرت أن حكايتها المبتورة معه ستصبح حتماً كغيرها من القصص التي تبدأها دوماً ب"شكله ابن حلال"وتنهيها ب"كلهم جنس واطي".ذلك الذي أملت فيه خيراً وظنته رجلاً يختلف عمن واعدوها وأخلفوا. تغافلت عن بعض سذاجاته وعيوبه،وتحملت لثغة لسانه التي تحيل كل سين إلى ثاء واعتبرتها لازمة طريفة تزين طفولة قلبه وروحه فتصبح أماً لثلاثة لا اثنين.لكن ها هو يخذلها من أول موعد،ليسجل مساعد أستاذ اللغة العربية هذا رقماً قياسياً يتفوق به على جارها الطبيب الأربعيني الذي ظن بها سوءاً،وعلى زوج صديقتها الذي أخبرها بعد عدة لقاءات يشتكي فيها من زوجته أن الحل في يدها إذا قبلت سراً بدور الزوجة الثانية،وأخيراً على المهندس الذي يعمل في الخليج ويريدها زوجة خلال إجازاته بمصر،وعلى كل هؤلاء الذين نعتوها سراً وجهراً بالمطلقة السهلة"الجاية في أي مصلحة". فُتحت بوابة القاعة ليبدأ الناس بالدخول.فكرت في الاتصال به لكن هاتفه كان مغلقاً.رأت أن تستفيد من ثمن التذكرتين كي تشتري بعض الحلوى لطفليها،ففكرت في عرضهما على شاب وفتاة أثناء مرورهما من أمامها لكنهما لم ينتبها إليها واتجها نحو القاعة.تسربت إلى أنفها الدقيق رائحة الفشار وتخيلته لذيذاً بالملح أو حلواً بالكراميل وهي تقذف حباته الساخنة في فمها ليشغلها ويهدئ توترها.لكنها تراجعت عن فكرتها فوراً عندما تذكرت أنها قد دخلت في الآونة الأخيرة في طور(الريجيم).ذلك النظام القاسي الذي تفرضه على نفسها في أعقاب مواسم الاكتئاب التي تقضيها دوماً في صحبة المهدئات والشيكولاتات وسندوتشات الشاورمة والسجق و(السكلانس). لمحت ثلاثة شباب يتهامسون وهم يسددون نحوها نظرات جائعة تنزع عنها ملابسها.أشاحت بوجهها ممتعضة.جربت الاتصال به مرة ثانية.انتظرت أن تسمع جرس يهدئ من ضربات قلبها.لكن جاءتها نفس الرسالة الجافة"الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح".هل أصابه مكروه؟..أم سُرق هاتفه؟..أم خشي أن يرد ويحرجها؟..دائماً ما تفكر هكذا في مبررات معقولة لمن يرحل فجأة دون وداع.لكنها أدركت أنه من الأعقل أن تؤمن بأن أحداً لن يقبل بالارتباط بمثلها أبداً؟! ظلت متسمّرة في مكانها وحيدة قرب باب القاعة التي يتوافد عليها رجال يصطحبون زوجاتهم وأبناءهم، وشباب تتعلق بسواعدهم فتيات خَضَّبهن ندى البدايات.صعُب عليها حالها وفَرّت من عينها دمعة رغماً عنها،فرسمت مع الكحل خطاً قصيراً حاولت مسح سواده فتفشى.اضطرت لدخول الحمام لترى نفسها في المرآة وتعيد رسم الكحل وتضبط أحمر خديها.فوجئت في الحمام بطالبتين من المترددات على المركز التعليمي فارتبكت وكأنها ضُبطت تسرق.سألتها إحداهما ستشاهد أي فيلم ومع من؟ضاقت بالأسئلة لكنها جاهدت لتحافظ على هدوئها فهي تعرف ما يدور بين الطلاب والطالبات من همز ولمز وإشاعات عن زواجها سراً بأستاذ اللغة العربية الذي يكبرها بثلاثين عام والذي يعاملها بتقدير أبوي لا يمنعه أحياناً من تغذية الإشاعات بالإطراء المبالغ فيه إذا قدمت له الينسون أثناء الحصة ب"جايباه بنفسك"أو"ما أتحرمش منك". وقفت أمام المرآة وحيدة وقد خلا حمام السيدات كما هدأ صخب الداخلين إلى قاعات العرض.كان وجهها مازال ملطخاً بآثار الكحل والدموع التي انهمرت مجدداً.قالت لنفسها "لست كما تدعوني صديقاتي (وش نكد)ولا أحب الشجن أبداً لكنه يعرف الطريق إلى قلبي بلا عون.لم أكن يوماً فتاة مستهترة أو امرأة لعوب أو زوجة مقصرة.فلماذا جرى العمر بهذه السرعة دون أن ألمس طيف أحلامي؟!كيف تلاشت بكارة الطفلة المرحة بسكين الحياة البارد؟أكان من الحكمة تلقي السباب بوجه باسم والاستمتاع بلكمات زوج لا يعرف عن القوامة سوى أنه خلق ذكراً؟!أم أن من الواجب عليَّ أن أعيش راهبة بعد تلك التجربة وأدفع وحدي ثمن فشلها".حاولت الاتصال مرة أخرى،ولم يزل هاتفه مغلقاً.سبّته بصوت عالٍ هو والحب ومن يحبوا والأفلام ومن يشاهدوها.غسلت وجهها وأزالت كل المساحيق التي كادت تنتهي من ضبطها،وقررت أن تسير بلا زواق بعدما لعنت (سلسفيل)كل الرجال. خرجت من الحمام ففوجئت به يقف عند قاعة عرض الفيلم وهو ينظر في ساعته.ناداها وهو يخطو نحوها مسرعاً : - معلش على التأخير..حقك عليّا والله.. كادت تبكي مرة أخرى لكنها حاولت أن تتماسك أمامه. - موبايلي فاثل شحن أقثم بالله ما عرفتش أكلمك.واللي أخرني إني قلت أكوي بنطلون يليق على القميث الكحلي اللي بتحبيه. أخذت تتنفس بصعوبة،وهي تستمع إليه بمشاعر متضاربة.ثم قال: - الفيلم فاضل له دقيقتين ويبدأ، يلا بينا..وحقك عليّا. استجمعت كلماتها وقالت بغضب طفولي وهي تضرب قدمها بالأرض:أنا واقفة بقى لي ساعة ! - ثامحيني.. والله المكوة اللي أخرتني وعلى ما لقيت حاجة أركبها. نظر في عينيها بعمق وارتياح عندما شعر أنها تجاهد إخفاء ابتسامتها.ثم عاد يقول:"انتي قلبك طيب وهتثامحيني.. ثَح؟". ضحكت رغماً عنها وقالت:"ثَح..بس على الله الفيلم يطلع حلو." .................

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف

إلغاء تأكيد

تأكيد