يوميات نيويوركية - يوم 7 إبريل

فاني بادنيوز متابعة

عدد الكلمات: 8161

2020-05-02 04:03

فاني بادنيوز

يوم 7 إبريل

يوميات نيويوركية - يوم 2 إبريل

يوميات نيويوركية - يوم 4 إبريل

سلاما، أنا فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك. معكم إلى متابعة يوميات الوباء في نيويورك.

 

يا له من أمر غريب حقا، تصاب النمور أيضا بالفيروس! فقد ظهرت أعراض السعال الجاف وانخفاض الشهية، على أربعة نمور وثلاثة أسود في حديقة برونكس للحيوانات، وكان التشخيص لهم إيجابيًا. وقيل إن العدوى من قبل موظف مصاب بدون أعراض. وقد ازداد الناس الذين يتساءلون: لماذا لا يمكن تشخيص الناس، في الوقت الذي يمكن فيه تشخيص الحيوانات؟ ووفقًا لمسؤولي الصحة، يعد تشخيص الحيوانات جزءًا من سلسلة الأدلة على انتقال الفيروس، ومن ثم يمكن حدوث انتقال الأمراض المعدية بين البشر والحيوانات. ترى ما حجم الكارثة التي ستواجهها البشرية؟

كل يوم جديد بات بالإمكان تلخيصه بجملة واحدة: "أسوأ من اليوم السابق"، فهل هناك تعبير أثقل وأكثر كارثية منها؟ وقد بلغ عدد الحالات 368 ألف، وها هي أمريكا تتجاوز إيطاليا التي تحتل الترتيب الثاني، بثلاثة أضعاف. وهنا نتذكر بأسى ما قالته الحكومة سابقا "إن الذين سيمرضون فقط هم الذين يعانون من مشاكل في الجهاز المناعي"، لكن الحقيقة هي كما قال جاري ماربيلا: "الآن الجميع يسقطون مثل الذباب".

حتى اللحظة، بلغ عدد الوفيات المعلن رسميا أكثر من عشرة آلاف والعدد الحقيقي أكبر بكثير من هذا. واعترف الحاكم والعمدة على التوالي بأن الإحصائيات لم تشمل الذين ماتوا في منازلهم ولم يحصلوا على فرص التشخيص. كما ذكر مركز CDC فالكثير من الوفيات يمكن اعتبارها "محتملة" أو "مفترضة" بسبب كوفيد 19. وقال ميتشل كاتز من إدارة المستشفيات بمدينة نيويورك إنه لا يمكن إحصاء جميع الذين ماتوا خارج المستشفيات إلا بعد مرور الوباء، ثم أن التوصل إلى أرقام أكثر دقة مسألة تحتاج إلى الجهد والوقت. "وأهم شيء الآن هو القيام بكل ما في وسعنا لإنقاذ المزيد من الأرواح".

 

قيل إن محلل من وول ستريت قدم حلا: بأن يكون هناك إجراء التحرى الوبائي لكل المواطنين، بحيث يعلق الإنسان السليم بطاقة خضراء، ويعلق الإنسان المصاب بطاقة حمراء عليه؛ ومن الضروري تعليق البطاقة عند الخروج وضمان حرية التحرك. ورغم كل هذا الوضع المرعب، إلا أن القائد الكاوبوي يصرخ كالمعتاد: "لا تقلقوا! الوضع يتطور إلى الأفضل، لا داعي للذعر ولا للتعجب!" من نظرية الإنفولونزا في البداية، إلى قابلية التحكم والوقاية،ومن وفرة الإمدادات الطبية لاحقا، إلى صلاحية طقس إبريل للقضاء على الفيروس، وأخيرًا إلى مقولته المرعبة "إن الولايات المتحدة مستعدة الآن لوفاة مائة ألف شخص".

كل يوم، يتم تضليل الناس لينغمسوا في الحياة الأمريكية المزدهرة، وبدون تذكيرٍ ينّبههم أن الفيروس قد وصل إلى أبواب منازلهم بفمه المفتوح. من خلال هذه الأيام والليالي وأرواح الآلاف من المساكين، هل سيعترف بعض الأشخاص بجرائمهم ويخجلون من تقصير مهمتهم ومسؤوليتهم وإنسانيتهم التي كان يجب أن يقدروها؟

 

حاليا تعد الولايات المتحدة هي الدولة الأسوأ وضعًا في العالم، والأسوأ في الولايات المتحدة هي ولاية نيويورك، ويتركز الضحايا في ولاية نيويورك في منطقة كوينز بمدينة نيويورك. وأغلبية الضحايا في منطقة كوينز من حي برونكس المزدحم والفقير والمليء بأناس مساكين. وأيضا 90٪ من ضحايا ديترويت ميشيغان هم الفقراء، و70٪ من ضحايا لويزيانا هم السود؛ و 72٪ من ضحايا شيكاغو إلينوي هم السود. حتى في أغنى دولةً عالميا، معظم الضحايا هم الفقراء. رغم أن الفيروس ليس له عين، كيف يتوجه ويبتلع عدد كبير من الفقراء والضعفاء الذين لا حول ولا قوة لهم. ألم يقولوا إن الفيروس لا يفرق بين غني وفقير ولا يفرق بين عرق وآخر، كيف إذا يختار ضحاياه عندنا من الفقراء والسود؟

إن خسارة الأرواح مأساة محزنة جدا، والأكثر حزنًا هو أن بعض الناس لم يحصلوا على فرص التشخيص والعلاج قبل وفاتهم. كلنا هنا نريد معرفة لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ ومتى أصبحت الدولة الأكثر تفوقًا جحيمًا على الأرض، ومن هو الذي جلب لنا أكبر مأساة عالمية رغم وجود الموارد الأفضل عالميا؟

أكد الحاكم أن ميزانية حكومة الولايات قد انهارت، وأن تريليونيْ دولار وعدتها الحكومة الفيدرالية لم تصل إلا مليار دولار ولم تكن لها تأثير يذكر. وقال إنه بالإضافة إلى مواصلة أعضاء الكونغرس المنتمين إلى نيويورك طلب مخصصات من الحكومة الفيدرالية، فمن الضروري إجراء التشخيص حتى ولو بدون مخصصات.  

طلب الحاكم من الجميع الحفاظ على التباعد الاجتماعي قائلا إن "الأمر يتعلق بنا، ليس أنا! ومن أجل الآخرين... ليس لديك الحق في تعريض حياة طاقم الطب ونفسك والآخرين للخطر... هذه أقصى المساواة بين جميع الكائنات الحية... لا يهمني كم تعتقد أنك ذكي وثري وقوي. لا يهم ما إذا كنت شابًا أو مسنّا..." وقد تضاعفت الغرامة لانتهاك لوائح التباعد الاجتماعي إلى ألف دولار.

وذكّر الجميعَ تاريخ نيويورك في الوباء عام 1918، حيث استمرت الذروة ستة أشهر مع ثلاث موجات.

قبل أيام أقامت الجالية اليهودية في بروكلين جنازة كبيرة للبابا الذي توفي بسبب الفيروس، وطردتهم الشرطة والمروحيات مما أثار ضجة لدى الرأي العام، وأعرب الحاكم أنّ ما قامت به الشرطة صحيح، إذ يجب عدم التجمع في فترة الوباء. سبق لنا أن تعلمنا درسًا، كان أول انتشار جماعي ظهر في حي وينشستر بسبب تجمع ديني. وما زال هناك بعض النيويوركيين لم يلتزموا بقواعد التباعد الاجتماعي ولم يأخذوا الأمر على محمل الجد.

 

كل يوم تؤكد الدكتورة ديبورا بيركس منسقة البيت الأبيض على مراعاة التباعد الاجتماعي: "عدم الذهاب إلى البقالة ولا الصيدلية، وفعل كل ما بالإمكان ضمان سلامة العائلة والأصدقاء!" أمس أخذت نفسها مثالاً: أصيبت حفيدتها بحمى أربعين درجة، كطبيبة غير مسموح بها بزيارة الرضيعة.

ولكن إلى متى يمكن للأمريكيين البقاء في منازلهم؟

كريستيان سمولز (Christian Smalls)، مساعد مدير مستودع أمازون في نيويورك، اسمه بمعنى"صغير".  قال إنه "بسبب إغلاق المدن، يعاني عمال شركات التسوق عبر الإنترنت من الضغط الشديد والمخاطر العالية، وقد أصيب العديد منهم بالفيروس. ومع ذلك لا تهتم أمازون إلا بالمنافع الاقتصادية، ولا تقدم إشعارات ولا توفر اللوازم الوقائية، إلا بعض الإرشادات المبدئية. لذلك قام كريستيان سمولز بتنظيم بعض العمال للتفاوض ولكن الشركة فصلته مباشرة بحجة واحدة: "انتهاك التباعد الاجتماعي"، وتركت مفاوضات العمل أو حماية العمال أو حقوق العمال جانبا.

بعد التقبل، لا يتبقى إلا التقبل.

جريمة بحق الشعب الأمريكي!

في ظل هذا الرعب الشديد، رأى الجميع الفيروس يهاجم المدينة بسرعة مذهلة وشدة بالغة. الأشخاص الذين كانوا يشاهدون عروض برودواي ويشاركون العشاء معا قبل شهر قد يمرضون اليوم، أو يرثون أهلهم، أو يفقدون عملهم، أو يمرون بكل هذه الأحزان. فقد فقدالكثيرون ممن حولهم، ربما أقارب أو زملاء أو أصدقاء قدماء أو رعاة أبرشية أو جيران.

 

تشتغل حكومة نيويورك بحفر خنادق في جزيرة هارت لدفن الموتى، ويعمل السجناء الذين يرتدون ملابس واقية. المشهد أشبه بما جاء في أفلام هوليوود عن الخطر البيولوجي. عندما أجبرت أمريكا السجناء أن يخاطروا بحياتهم لحفر الخنادق ودفن الجثث في الجزيرة المهجورة، تركت مناقشة حقوق الإنسان بعيدا.

هذا البلد يستحق شعبه ما هو أفضل، ولا ينبغي أن يموت شعبه بهذا الشكل العشوائي.

 

هذا الوباء جعلنا نرى بوضوح: ما مستوى الإنسانية الذي يكون عليها مجتمعنا هذا.

هذا الوباء جعلنا نرى بوضوح: ما مستوى الإنسانية الذي يكون عليها مجتمعنا هذا.

أخبرني صديق يعمل في إدارة إطفاء مدينة نيويورك إنه وفي الأيام الخمسة الأولى من شهر إبريل فقط، مات 1125 شخصًا في منازلهم أو في الشوارع. هذا الرقم أكثر من المعتاد بثمانية أضعاف، والرقم المعتاد هو حوالي 130 شخصًا فقط. بعد أن أغلقت الهاتف، شعرت بالحزن الشديد للغاية، ولم أستطع الهدوء لفترة طويلة.

 

أرسلت صديقتي الممرضة أمس رسالة مفادها أنهم قد اكتشفوا أن بعض المرضى الذين أصيبوا بالإنفلونزا في يناير يحملون المضادة ضد الفيروس. ماذا يعني هذا؟ لقد انتشر الفيروس منذ فترة طويلة، وظللنا نعتبره إنفلونزا حتى الآن؟ هل نحن أمام مرض لا نهاية له؟

قالت جارتي أودري: "على وسائل التواصل الاجتماعي، أرى مصابين جددا كل يوم"، في البداية كانت تشك في الوباء وكأنه كان شائعة لنشر الذعر، وهي الآن تخفف اكتئابها من خلال التأمل واللعب مع كلبها، وقالت "أتحكم في مدّة بقائي على الإنترنت"، ويجب أن أركز أكثر على الصداقة وصحتي البدنية، العناية الحقيقية هي، أوه، علي أن أشتري أشياء لنفسي."

لم أخرج لمدة أسبوع، وقد أوشك الطعام في المنزل على النفاد. الآن شراء الطعام عبر الإنترنت يستغرق من أسبوع إلى أسبوعين، ولا يمكنك الحصول على ما تشاء. فقد قام أصحاب البقالات بتعديلات، حيث نتصل عبر الهاتف وندفع ثم نسوق السيارة إلى باب البقالة دون مغادرة السيارة، ويقوم النادل بوضع الطعام في المقصورة الخلفية. هؤلاء الحمالون والعاملون يخاطرون وقد يتعرضون للإصابة.

 

على أي حال، ستستمر الأيام. وكل يوم ننتظر الساعة السابعة مساء، حيث يفتح أهل نيويورك النوافذ ويصفقون بأيديهم معًا تحية إلى الطاقم الطبي وكلهم على أمل الخروج في أقرب وقت ممكن. اليوم هو اليوم العشرون للعزل المنزلي لأهل نيويورك.

 

ستعرف الأجيال القادمة في المستقبل، عندما تقرأ يومياتي أنه في عام 2020، احتاج وباء ناجم عن فيروس أمريكا بشكل أفظع، وينتشر وباء آخر في يومياتي. وانه قد أدى انتشار الوباء الأمريكي إلى انهيار غير مسبوق لأكبر قوة في العالم؛ ويظهر الوباء في يومياتي عارًا واضحًا في هذه الحقبة.

 

أنا فاني، هذه هي اليومية الثامنة من يومياتي في كوينز نيويورك

 

عن المؤلفة

فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك أصلا، حاصلة على شهادة البكالوريوس من كلية الآداب جامعة نيويورك. في بداية انطلاقتها كانت تعمل كحمال بضائع في ميناء نيويورك، وثم في تلفزيون إن بي سي، حاليًا هي عضو من رابطة الكتاب الفيدرالي.

 

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف
يوميات نيويوركية
السابقة الفهرس القادمة

مكافأة الكاتب

رفع الشكوى

كتابات أخرى للكاتب

0

إلغاء تأكيد

تأكيد
مجموع 11 الكتابات

إلى شحن الحساب

التأكد من الشحن إلغاء