يوميات نيويوركية - يوم 29 مارس

فاني بادنيوز متابعة

عدد الكلمات: 4998

2020-04-20 12:01

فاني بادنيوز

يوم 29 مارس

يوميات نيويوركية - يوم27 مارس

سلاما، أنا فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك. معكم إلى متابعة الوباء في نيويورك.

 

نيويورك، الآن قد أصبحت مدينة أشباح تخنق أنفاسي.

لم تظهر أي إشارة على تحسّن الجو البارد القارس، ولا على تحسّن الوضع المرعب: إذ زاد عدد الحالات الجديدة عشرين ألف في يوم واحد!

أرسلت لي صديقة ممرضة اليوم صورة، كنت خائفة للغاية من أن أفتحها.

وكادت صديقتي على وشك الانهيار وتبكي كثيرًا قائلة إنها لم يسبق لها أن رأت هذا المشهد من قبل...تمّ وضع الجثث في أكياس... وثم إلقائها عشوائيا في ردهات المستشفى...

 

 

هذه الأرواح انتهت وبردت، وعلى الأرض الباردة بدون كرامة حياة، من لا يبكى أمام هذا المشهد؟

هم مواطنون من نيويورك ملتزمون بالقانون، وإذا بقوا على الحياة، فكم يمكنهم أن يخدموا نيويورك! وكم يمكنهم أن يساهموا في تنمية أمريكا! ولكن حتى ولو البقاء ببساطة، لا يعجب الكاوبوي!

منذ ليلة أمس حتى نهار اليوم، لم يتوقف نقل الجثث شاحنة شاحنة.

نيويورك، جهنم في الدنيا، كما قال أحد.

 

 

أصبحت المستشفيات مزدحمة جدا، قد بدأ بعضها يجهّز أماكن لوضع الجثث؛ وشكا بعضها الآخر أن احتياطيات اللوازم الطبية نفدت، فطلب من الطاقم الطبي تكرار استخدام الكمامة بعد التعقيم، في مستشفى جبل سيناء اضطرت الممرضات إلى استخدام أكياس القمامة كملابس واقية...أ هذا حدث في الأقوى دولة عالميا؟ أين حكومتنا؟!

 

أخيرا يجتاح الوباء أمريكا بجنون، ولكن كيف تواجهه؟ إنها تتجاهل وتتأخر وتخطئ.

آمل فقط ألا ننسى المأساة ونذكر هؤلاء المجهولين، هؤلاء الأبرياء، ونذكر هذه الأيام والليالي الحزينة، ونذكر ما الذي دفعهم بالضبط إلى الموت قبل عيد الفصح الذي يفترض أن يكون مباركا وسعيدا إذا بقوا على الحياة. لا بد أن نطلب تحقيق العدالة لهم.

بالنسبة إلى الذين يقصّرون مسؤولياتهم، لا بد أن نساءلهم واحدا واحدا، وعدم التساهل معهم. وإلا كيف نواجه الذين غادروا الدنيا في أكياس الجثث، وهم ناضلوا معنا لبناء أمريكا ولم يستفيدوا منها!

 

ألم تتوقع الحكومة انهيار النظام الطبي قبل ذروة تفشي الوباء؟ ظهر هذا الفيروس قبل زمان ولم نكن جاهزين حتى الآن، عندما بدأت تدرك أمريكا الوضع، قد فاتها الوقت الأول لاحتواء الوباء.

نعم، "كان كل شيء على ما يرام قبل عشرين يومًا." كما قال السيد الرئيس اليوم.

ولكن، "كان لدينا خمسمائة حالة إصابة وسبع عشرة وفاة. الآن أصبح لدينا مائة ألف إصابة وألفي وفاة"، كما قالت بيلوسي اليوم...

ماذا فعلت حكومتنا؟! في العشرين يومًا الماضية لم يكن هناك إجراء، إذ ظل ذهنها يبقي مع بلد آخر!  

وضع الكاوبوي المعايير الغريبة التي لا تخضع لعلم الطب، بل حسب البلد. قال عند تقييم مخاطر العدوى، الذين لم يسافروا إلى الصين أو لم يتعاملوا مع  مريض صيني يتم تشخيصهم "لا خطر" مباشرة. لم يسمح إلا لمن قد سافر إلى الصين أو تعامل مع مريض صيني، حتى ولو كانت عنده الحمى وأعراض أخرى.

 ظن الكاوبوي أن الفيروس يميّز لون البشرة، فيكفي للونُ الأبيض مائة عينة من التشخيص يوميا، بينما يحتاج اللونُ الأصفرُ عشرة آلاف عينة يوميا كما حدث في كوريا الجنوبية الآن.

 

 

بعد كل الخطأ والتأخر، طرحت نيويورك بعض الحلول: سمحت بمشاركة مريضين في جهاز تنفس؛ وأغلقت بعض الطرق في المناطق الرئيسية الأربع باستثناء جزيرة ستانتون من ظهر أمس، وحظرت السيارات؛ أيضا قالت إن السفينة الطبية "كومفورت" التابعة للبحرية قد انطلقت من نورفولك بفيرجينيا وكان من المقرر وصولها إلى ميناء نيويورك في أوائل إبريل، ستصل يوم الاثنين المقبل، ستوفر السفينة ألف سرير وغرف عمليات وبنك دم ومختبرًا طبيًا.

رغم أن البقاء صعب إلى هذه الدرجة، لا تزال هناك بعض الحلول.

ولكن تحولت عبارات "مجرد الإنفلوزا؛ العدوى بين العرق الأصفر فقط؛ الوضع تحت السيطرة" إلى دموع تملئ الولاية، وأحزان تدوم إلى الأبد.

حتى في هذا الوقت الصعب، لا تنقطع المشاجرات بين السياسيين: السيد الرئيس الذي يعتبر الأعلم بكل شيء، وحاكم نيويورك الذي ينزعج أكثر: "لقد طلبت ثلاثين ألف جهاز تنفس وحصلت على أربعمائة فقط. ما الفائدة؟ أنت تختار من سيفقد حياته؟ وعددهم بما يقارب من ثلاثين ألفًا؟"

 

هذه الدولة العظمى تنفق أكثر من سبعمائة مليار دولار كل سنة للحفاظ على القوة العسكرية، لكن تجد إحباطا خالصا أمام صناعة كمامة بتكلفة 0.75 دولار!  لقد وفر لنا بلد أجنبي حوالي شهرين من وقت التحضير، ولكن في النهاية خسرنا أمام الفيروس! أنا لا أفهم، هذه العظمى تصرخ بصوت عال للهيمنة العالمية كل يوم، ثم تخسر بسبب فيروس صغير؟ !

خسرنا بهذا الشكل المخزي! هذا الفيروس عدوٌ لا نقطةَ ضعفٍ له بالنسبة للكاوبوي، فلا يمكن تدميره بواسطة حاملات الطائرات والقنابل النووية، ولن يستسلم لهيمنة الدولار والنفط أو الهيمنة التجارية.

التعامل معه يتطلب عزم الحكومة الفيدرالية على وضع الأرواح أولاً.

لكننا لا نملك هذا العزم، لذا  كان الأمر مخزيا بسبب قرارات القيادة.

وأصبحنا الأولى عالميا في كل شيء، بما في ذلك الأمراض المعدية.

ونحن القوة العظمى أول دولة في العالم، نحتاج مساعدة من بلد نام لتوفير الإمدادات الطبية. يا له من عار! يا له من عار كبير!

 

في أيام هذه الجائحة، في فترة إغلاق الولاية، أظل أفكر، كيف أصبحنا في صعوبة شديدة! لماذا أمتنا العملاقة لم تسلم من الفيروس الصغير؟

دعائي إلى سلامتنا، دعائي إلى نعمتنا في عالم مسالم...

"إذا متُ بسبب الوباء، فهذا يعادل القتل. لست على استعداد للموت!" هذه الفكرة تراود كم أمريكيا؟ !

واحسرتاه، سماء نيويورك غائمة بالغيوم السوداء، وفي الليل تتشرد المئات من الأرواح البريئة في الشوارع.

هذه اللحظة وفي شقة بكوينز نيويورك، شخص منعزل، مع كلب، كمبيوتر، وهاتف، علينا أن نتعايش في هذا العالم الفوضوي.

أنا فاني، هذه الرابعة من يومياتي في كوينز نيويورك

 

عن المؤلفة

فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك أصلا، حاصلة على شهادة البكالوريوس من  كلية الآداب جامعة نيويورك. في بداية انطلاقتها كانت تعمل كحمال بضائع في ميناء نيويورك، وثم في تلفزيون إن بي سي، حاليًا عضو من رابطة الكتاب الفيدرالي.

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف
يوميات نيويوركية
السابقة الفهرس القادمة

مكافأة الكاتب

رفع الشكوى

كتابات أخرى للكاتب

1

إلغاء تأكيد

تأكيد
مجموع 11 الكتابات

إلى شحن الحساب

التأكد من الشحن إلغاء