يوميات نيويوركية - يوم 2 إبريل

فاني بادنيوز متابعة

عدد الكلمات: 8825

2020-04-26 05:16

فاني بادنيوز

يوم 2 إبريل

يوميات نيويوركية - يوم31 مارس

يوميات نيويوركية - يوم 29 مارس

سلاما، أنا فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك. معكم إلى متابعة يوميات الوباء في نيويورك.

 

لسوء الحظ، لقد أصبحنا أولَ بلد يتجاوز مائتي ألف حالة مصابة، وقد وصل عدد الوفيات إلى أربعة آلاف وستمائة، فخلال بضعة عشر يوما تضاعفت حالات الإصابة تسعة أضعاف مما أرعب العالم. يبدو أن أمريكا تصر على أن تكون الأولى في كل شيء، حتى في إهمال الأرواح.

الأعداد تتزايد يوميا، قلبي أصبح جامدا فالحزن لم يعد يكفي. ولكن حسب قول السيد الرئيس: "إذا تمكنا من التحكم في عدد الوفيات في حدود مائة ألف، فإن هذا يدل على أن جهودنا رائعة."

 

 

المرضى الذين يمكنهم تلقي العلاج في المستشفى هم مرضى محظوظون، فالكثيرون يستقبلون الموت وحدهم في منازلهم أو في الشوارع. أما المسنون الذين ماتوا في دور رعاية المسنين فلم يحصلوا على أي اهتمام قبل مغادرتهم هذه الدنيا.

وقد قامت الشاحنات بسحب الجثث واحدة تلو الأخرى، وأصبحت محارق الجثث غير قادرة على استيعاب هذا الضغط الشديد.

لا أحد يعرف كيف كانت المعاناة  التي عانى منها المرضى قبل وفاتهم. عانوا وهل تم دفن جثثهم بشكل لائق؟ وهل تم إدراجهم ولو كأرقام ضمن نظام الإحصاءات؟ ما زلت غير قادرة على تخيل الإهمال الذي تم لدور رعاية المسنين، هل تركناهم يموتون عمدًا؟

اعترف نوردلند من مركز CDC أن عدد الوفيات الذي تم إحصاؤه بالتأكيد كان أقلَّ من العدد الحقيقي.  

وصرحت البنتاجون اليوم أنها بصدد تجهيز مائة ألف كيس للجثث استنادا إلى  التوقعات الجديدة لعدد المتوفين.

 

هذه الكارثة دمرت كل النعمة والهدوء من الدنيا، حيث لم يتبق هنا إلا تخبط المرضى وصراعهم مع الموت، ومعاناة قلوب الأهل التي تقطر حزنا وأسى، لم يعد لنا سوى الوقوف أمام جثة الموت. 

 

لقد تم فصل العديد من الأطباء لأنهم صرحوا علنًا عن احتياجاتهم للتشخيصات وللوازم الحماية الشخصية.

نشرت نيويورك تايمز أنه في أوائل شهر يناير، أصدرت طبيبة تدعى هايلون تحذيرًا من تفشي الوباء، وفي فبراير أبلغت جهة مختصة بنتائج الاختبار، لكن تلقت أمرًا "بعدم إفشاء الموضوع للآخرين".

وأفادت كابيتول هيل أن عدة المستشفيات أصدرت "أمر الكتمان" للأطباء العاملين، محذرة إياهم من الإعلان عن نقص الموارد الطبية، ومهددة لهم بفصلهم عن العمل.

ذكرت بلومبرج أن مازوركيفيتش ممرضة تعمل في شيكاغو، تم فصلُها لأنها ذكّرت زملائها بأن الكمامات التي كانوا يرتدونها لم تكن من نوع طبي مثل "N-95" ولم تكن كافية لمقاومة العدوى. وقالت إن"العديد من المستشفيات تكذب على موظفيها، وتدعي أن الكمامة العادية كافية، لكن الآن ها هم قد أصيبوا بالعدوى وسوف يموتون." تخاف مازوركيفيتش من أن تصاب بالعدوى، ثم تنقل العدوى لأهلها ومرضاها.

وكشفت بلومبرج أيضًا أن مركز لانجون الصحي بجامعة نيويورك قد هدد موظفيه بأنهم سيتعرضون لـ"عقاب تأديبي" أو الفصل من العمل إذا اتصلوا بوسائل الإعلام دون إذن.

وقالت روث شوبرت المتحدثة باسم جمعية الممرضات في ولاية واشنطن: "من أجل الحفاظ على صورة المستشفى، منعوا حرية التعبير للأطباء العاملين. رغم أنه لا ينبغي عقاب أي عامل طبي أو فصله بسبب قول الحقيقة."

 

إذا قال أي أحد الحقيقة، أو انتقد إجراءات الكاوبوي، سيتعرض للحظر والقمع.

ومؤخرا تم فصل الطبيب الصيني الأصل مينغ لين، بسبب انتقاده للإجراءات وعدم فاعليتها وهذا أكبر دليل على ذلك.

الطبيب الصيني مينغ لين ليس موظفًا في ذلك المستشفى، بل موظفا في شركة خدمات طبية تسمى (TeamHealth). ولدى الشركة عقد مع المستشفى لتوفير طاقم طبي للطوارئ. اليوم أنهت الشركة عقدها مع الطبيب مينغ لين. بسبب انتقاده للإجراءات الغير فعالة.

وبحسب قول مينغ لين، فقد قام الأسبوع الماضي بالطلب من وسائل الإعلام فضح مشاكل المستشفى واستمر في نشر انتقاداته ضد المستشفى، ورفض طلب المستشفى بحذف المنشورات، ثم لجأ المستشفى إلى الشركة وطلب فصله.

طبيب آخر،  تم طرده لأنه أطلق صفارة تحذير.

حذفُ المنشورات، وحظرُ حرية التعبير، والفصلُ من العمل، هذه هي ممارسات الكاوبوي الديمقراطي...

ما مدى سلامة هذه السلسلة من التحركات!

في مجتمع سليم، يجب ألا يكون هناك صوت واحد فقط!

 

حدثت العديد من الاحتجاجات من قبل الطاقم الطبي! ومع ذلك لم يستجب أحد لطلبات المساعدة! ولم يستمع أحد للاحتجاجات!

 

 

اندلع الوباء في وقت مبكر من نهاية يناير، ولكن حتى نهاية مارس لم نكن مستعدين للاستجابة بجدية!

ما زلت الحكومة الفيدرالية تخطئ وتخطئ وتخطئ، وما زالت الجهات تتستر وتتستر وتتستر!

هذه هي الحكومة قاتلة أرواح المواطنين، أضاعت الوقت، ثم دفعت بحياة عشرات الآلاف من الطاقم الطبي المحارب في جبهة المعركة إلى هاوية المخاطر العالية! !

 

قبل وقت سألتُ صديقتي، لماذا أرى الكثير من الآسيويين يرتدون الكمامة؟ هل يعرفون أمرا ما لا نعرفه؟ ضحكتْ قائلةً إن الآسيويين بسلوكيات غريبة دائما، أليس كذلك؟!

سبق للتلفزيون  عندنا أن أكد أن الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى ارتداء الكمامة، ومؤخرًا بدأ يوصى بارتداء الكمامة في الأماكن العامة مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي.

وهناك شائعات تقول إن البيت الأبيض رتب سريا إمدادات طبية للشخصيات الكبيرة، وأن الكمامة كانت من ضمن متطلباته الملحة قبل نصف شهر، وقد تم تخصيص آلاف الكمامات لطاقم البيت الأبيض.

 

بدأت الحكومة في التشخيص مجانًا للجميع قبل نصف شهر، ولكن لا يزال العلاج والحجر الصحي على حساب الأفراد الخاص. وبحسب قول مؤسسة "FAIR Health" إن متوسط النفقات لستة أيام من الإقامة في المستشفى يبلغ حوالي 73 ألف دولار.

73 ألف دولار، رقم مخيف! فمنذ أكثر من عشر سنوات في أمريكا، تحصل الأسرة المكونة من أربعة أفراد ذات الدخل المتوسط على دخل سنوي حوالي ستين ألف دولار، وهذا المبلغ لا يكاد يسد النفقات لسنة دراسية بجامعة خاصة، والآن لا يكفي لدفع نفقات ستة أيام من علاج الوباء في المستشفى.

سمعت أن علاج المرضى مجاني في الصين، وأنا والكثيرون لا نصدق ذلك. أليست هي دولة نامية ذات العبء السكاني الأكبر؟ أليست دولة متخلفة  "وما زالت تعيش في العصور الوسطى" كما وصفها إعلامنا؟

 

الدفع بعد العلاج، مثل الدفع بعد تناول الوجبة تمامًا، فالمؤسسات الطبية لن تخبرك مسبقا عن مقدار النفقات، حتى أنها لن تضعك في صورة ميزانية تقريبية، لن تخبرك مسبقًا. والمصيبةُ التي يواجهها المريضُ عند ظهور الفاتورة النهائية، هي أن زجاجة الأسبرين تصل إلى ثلاثين دولارًا. وهو خداع خالص. ومنذ عشرات السنين تتهرب المؤسسات الطبية من الرد على هذه المشكلة.

سيواجه كل المرضى أسئلة عن تفاصيل التأمين عند دخولهم المستشفى، لأن التأمين هو الذي يقرّر خطة العلاج ونصائح الطبيب. وللعلم هناك حوالي 27 مليون أمريكي لا يتملكون أي تأمين طبي، ويصعب عليهم تلقي العلاج الجيد أو دخول باب المؤسسة الطبية، التي لا تعتبر جمعية خيرية. وفي حال لم يتمكن المريض من دفع الفاتورة، فسيجد مشاكل ائتمانية وقانونية.

فإذا كنت لا تستطيع تحمل النفقات الطبية، عليك أن تتقدم بطلب إعلان الإفلاس وتصفية الممتلكات الخاصة بك؛ أما إذا كنت تستطيع تحمّلها، فيمكنك التفاوض وطلب التقسيط أو التخفيضات. وستكون لديك فرصة للحصول على الإغاثة، ولكن على أساس أنك ممن تنطبق عليهم الشروطُ، وعندها فقط سيرفع الطلب وتنفذ كل الإجراءات.  علمًا أن في بلدنا ستّين بالمائة من حالات الإفلاس تتعلق بالفواتير الطبية، ومعظم المفلسين لديهم تأمين طبي.

 

وللعلم فحتى من يمتلك التأمين الطبي، ستترتب عليه الكثير من النفقات خارج التأمين. وستختلف بنود التأمين باختلاف أنواع التأمين، فالتأمين الأكثر تميّزًا يوفّر خدمات تشمل سيارة الإسعاف والعلاج في منطقة أخرى وفرص استعمال المعدات الطبية. لذلك احرصْ على أن تمتلك المال الكاف لأنك بدونها قد تتعرض إلى الموت، ولن تستفيد من خيرات المجتمع الأكثر تطورًا.

لم أبالغ إذا قلت إن "النظام الطبي" الأمريكي يدمّر حياة المجتمع الأمريكي بأكمله. وقد تؤدي زيارة المؤسسة الطبية لعلاج واحد إلى خلق ضغطٍ ماديّ على ما يتبقى من حياتك. فما هو الخير والقانون اللذان يمكن أن يدمّرا حياتي إذا تعرضتُ للمرض؟ وما هي حقوق الإنسان؟ هل استغلال وافتراس المؤسسة الطبية للمواطنين وتدمير حياتهم المالية قانوني لكونها مسجلة قانونيا؟

هل هذا هو البلد الذي يشكل نظامه الطبي ما يقرب من خمس الاقتصاد الوطني بأكمله؟ وهل هذا هو السبب أن التكنولوجيا الطبية فيه هي الأكثر تطورًا عالميا؟! إذا كان هذا النظام الطبي هو دولة، فسيحتل الترتيب الخامس في العالم من ناحية الناتج المحلي الإجمالي.

 

صرحت  وزارة العمل: إن عشرة ملايين شخص قد فقدوا عملهم خلال أسبوعين، وأن البطالة تزداد بسرعة غير مسبوقة.  وقد علمت من عدة أشخاص منهم فنان مكياج في لوس أنجلوس، وموظف في مطار فورت لودرديل، ونادل في فينيكس، وممثل في مينيسوتا، أن الآلاف من الأمريكيين قد بدؤوا يطلبون المساعدة لأول مرة في حياتهم.  وقال ديفيد الرئيس التنفيذي لمنظمة خيرية في نيويورك،  في البداية كان الذين طلبوا إعانات البطالة هم  من الباعة والطهاة والندل وأصحاب المطاعم، ولكن منذ الأسبوع الماضي جاء العديد من موظفي مكاتب المحاماة لطلب إعانات البطالة. ولم نستطع التصديق أن الأمر قد وصل إلى هذه الدرجة.

 

 

قامت بعض المطاعم والمؤسسات التجارية بإطلاق حملات جمع التبرعات عبر الإنترنت لمساعدة المحتاجين، حيث قال GoFundMe إنه قد جمع حوالي 120 مليون دولار من أجل الوباء منذ أول أسبوع من شهر مارس، المبلغ أكثر من التبرعات لحرائق الغابات الأسترالية بأربع مرات، لأن  هذا الوباء يختلف عن الكوارث الطبيعية، فقد أصاب المزيد من الناس بشدة، والذين لا يستطيعون الحصول على المساعدة هم عدد كبير جدًا.

كانت شعاراتنا المرفوعة من مثل "التضامن وخلق الثروة سويا" و"العمل بجد واجتهاد سيأتي بالثمار" تدوي في جميع أنحاء العالم، ولكنها الآن تواجه الشكوك فيها. فالذين لم يجدوا لقمتهم ولم يحصلوا على فرص تشخيص الوباء حتى الآن، يعيدون تقييم ذاتهم وإيمانهم بهذا البلد.

كنا نعتقد أننا لسنا من نوع يحتاج المساعدة، طالما أننا نحافظ على الاكتفاء الذاتي والاستقلالية والكبرياء، ولكن الآن نترك الكبرياء مضطرين.

 

قالت صديقتي لي "يكفينا البقاء".

نعم، يكفينا البقاء.

 خارج النافذة، تومض الأضواء لمبنى إمباير ستيت، ويدق ناقوس الخطر لهذه الدولة العظمى.

ولكن، لم يكن أحد ليستمع لناقوس التحذير.

 

أنا فاني، هذه هي اليومية السادسة من يومياتي في كوينز نيويورك

 

عن المؤلفة

فاني بادنيوز، من كوينز نيويورك أصلا، حاصلة على شهادة البكالوريوس من كلية الآداب جامعة نيويورك. في بداية انطلاقتها كانت تعمل كحمال بضائع في ميناء نيويورك، وثم في تلفزيون إن بي سي، حاليًا هي عضو من رابطة الكتاب الفيدرالي.

 

 

قراءة عبر الهاتف

مسح الكود عبر الهاتف
يوميات نيويوركية
السابقة الفهرس القادمة

مكافأة الكاتب

رفع الشكوى

كتابات أخرى للكاتب

2

إلغاء تأكيد

تأكيد
مجموع 11 الكتابات

إلى شحن الحساب

التأكد من الشحن إلغاء